إلغاء مجانية التعليم في المغرب: استهداف مباشر للفئة الفقيرة وتكريس ممنهج للتفاوت الطبقي

22 أبريل , 2018

فوجئ المغاربة -خلال الأشهر الأخيرة- بمصادقة المجلس الأعلى للتعليم، الهيئة المخولة بالتخطيط للتعليم بالمغرب، على مشروع رأي كان قد تقدم به رئيس الحكومة (عبد الإله بنكيران) في نهاية ولايته السابقة، يفيد بإلغاء مجانية التعليم في السلك الثانوي والجامعي.

 

المشروع المثير للجدل يروم إشراك الأُسَر في تمويل قطاع التعليم من خلال تمرير مسؤولية تولي التعليم إلى القطاع الخاص، مستثنيًا في ذلك الفئات الهشّة، إلا أن المشروع لم يحددها بالضبط، وتعمل لجنة مؤقتة على صياغة المسؤوليات والآماد الزمنية لتطبيقه، ليعرض فيما بعد على المجلس الأعلى للتعليم.

 

خلَّف الخبر سخطًا شعبيًا لا تزال أصداؤه مستمرة، إذ اعتبره الكثير القرار الذي سيدق المسمار الأخير في نعش التعليم المغربي، فيما وصفته النقابات التعليمية بـ”الهجوم الجريء على مكتسبات الشعب المغربي”، محذرة من أن هناك حملة ممنهجة تجري من وراء الستار من أجل تفكيك المدرسة العمومية، مما سيؤدى إلى توسيع مظاهر الاختلال في ضمان حق الأطفال المغاربة في الدراسة، وبهذا ستُمثّل المدرسة المغربية غير المتكافئة وسيلة لتكريس الفوارق الطبقية في المجتمع المغربي، وتوسيعًا للهوة بين التلاميذ من مختلف الطبقات الاجتماعية.

 

وقد اعتبر جميع المعنيين أن التعليم مجال حسّاس ومرتبط بالجانب الاجتماعي للمواطنين، ولا يمكن السماح فيه بأي عبث، وتأكيدهم من جهة أخرى على أهمية دور الدولة في المجالات الاجتماعية لحماية الطبقات الهشة وتوفير الخدمات الأساسية، واعتبار هذا من صلب التزاماتها تجاه المواطن.

 

تشجيع التعليم الخصوصي: تصريحات مثيرة للجدل وإحصاءات مخيفة

رغم ما فوجئ به الرأي العام المغربي من اتجاه الحكومة نحو خصخصة التعليم، إلا أن المسألة ليست جديدة، إذ سبق أن أجرى المجلس الأعلى للتعليم دراسة حول المنظمة التربوية منذ مارس (آذار) الماضي، جاء فيه بـ”تنويع مصادر التمويل في قطاع التعليم العالي والتأهيلي، عن طريق مساهمة المستفيدين من المرفق العمومي، على أساس مبدَأَيِ الاستحقاق والقدرة على الأداء”، علاوة على توصيته بمنح تحفيزات جبائية للقطاع الخاص المستثمر في التعليم.

 

كما سبق لرئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، قبل ثلاث سنوات، أن صرّح علانية بأنه: “حان الوقت لكي ترفع الدولة يدها عن مجموعة من القطاعات الخدماتية، مثل الصحة والتعليم، فلا يجب أن تشرف على كل شيء”.

 

وبالفعل منذ ذلك الحين بدأت الحكومة المغربية تتخذ حزمة من القرارات السياسية والإجراءات، التي ترمي إلى النهوض بقطاع التعليم الخصوصي، مثل تدشين برامج حكومية لتكوين آلاف المدرسين، ومنح تحفيزات جبائية للمقاولات التعليمية، استعدادًا لتحرير قطاع التعليم العمومي.

 

وكان أخر هذه الإجراءات، سن سياسة التوظيف بالعقد في مؤسسات الدولة التعليمية على غرار المدارس الخصوصية، التي تدخل في باب تحرر الدولة من الوظيفة العمومية –الملاك الدائم-، بهدف تخفيف الأعباء المالية الملقاة على الدولة، قبل أن تكشف الحكومة نيتها المبيتة بإلغاء مجانية التعليم.

 

“حسن أزذاذ” -خبير ومهتم في التعليم بالمغرب- يشرح لـ”زدني” حول حقيقة مشاكل التعليم في المغرب، وخصوصًا مشكلة الخصخصة الممنهجة للتعليم: “أصبح الحديث عن التعليم في المغرب مقترنًا بالفضائح، فغدا يتأرجح بين أخبار العنف المتبادل بين التلاميذ والمدرسين من جهة، واحتجاجات أفواج المتخرجين المعطلين من جهة أخرى، فضلًا عن تقارير المنظمات الدولية التي تصدم المغاربة في كل مرة بمدى تردي وضع التعليم في البلاد”.

 

ويضيف: “إلا أنه لا أحد يتصور أن يصل الأمر إلى التوصية رسميًّا بإلغاء مجّانية التعليم، الميزة الوحيدة التي بالكاد يكسبها أولاد الفقراء من الدولة المغربية، وهي سياسة لم تلجأ إليها حتى البلدان الأكثر ليبرالية، كالدول الإسكندنافية، التي تفتح أبواب مؤسساتها التعليمية مجانًا لكل المواطنين وأفراد العالم.”

 

فحسب الإحصاءات؛ انتقل الرقم من 4 % سنة 1999 ليصل في عام 2015 لحدود 15 % من الأُسَر التي تدرس أبناءها في المدارس الخاصة، وفق دراسة أمريكية للمركز العالمي للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يتنبأ بوصول النسبة إلى 25 % بحلول 2025، إذا ما استمر نزيف هجرة المدارس العمومية.

 

وتورد الدراسة أيضًا أن ما بين 70 %- 80 % من التلاميذ في المدن الكبرى يدرسون في مؤسسات خاصة، بديلًا عن التعليم العمومي بعد أن اعتراه الإفلاس، وفي هذا الصدد انتقدت منظمة “أوكسفام” الدولية خصخصة التعليم المتزايدة في المغرب بشدة، معتبرةً أن هذه السياسة تزيد من الفروقات بين الطبقات الاجتماعية، وتكرس اللامساواة بين التلاميذ المغاربة، وتجهض حق آخرين في التعليم، إذ أن الأطفال المتعلمين في المؤسسات الخاصة يسهل عليهم تطوير قدراتهم واكتساب مهارات إضافية، كتعلم اللغات، عكس تلاميذ التعليم العمومي الذين يبقى مستواهم محدودًا مقارنة مع أقرانهم في التعليم الخاص.

 

وبذلك فإن أكثر من 40 هيئة سياسية وحقوقية ونقابية بالمغرب، قد أعلنت -في وقت سابق- رفضها لخصخصة التعليم العمومي، وتأسفوا لوجود إجماع حول انهيار منظومة التعليم العمومي، ولكون مختلف المؤشرات سلبية سواء تعلق الأمر بالبنى التحتية المتوفرة أو بالنتائج المتحصل عليها من طرف التلاميذ والطلبة، وقدرتهم على التحصيل العلمي خاصة في سلم المقارنات الدولية، والتي يحصل فيها المغرب على مواقع متدنية.

 

وكانت جمعيات مغربية قد دقت ناقوس الخطر إثر إغلاق 191 مؤسسة تعليمية عمومية بالمغرب،  وقالت الجمعيات المغربية: “إن عدد التلاميذ المسجلين بالقطاع العمومي انخفض بشكل واضح عام 2014 مقارنة مع العام 2000، وإن نسبة التعليم الخصوصي تصل بمنطقة القنيطرة- الدار البيضاء إلى ما بين 35% إلى 50 %”.

 

ولا يقتصر هذا التفاوت التعليمي في الجودة فقط بين المدرسة الخاصة والمدرسة العمومية، بل يشمل ذلك التعليم العمومي نفسه في المدن والقرى، إذ تذكر “أوكسفام” أن حظوظ أطفال المناطق القروية لتطوير مهاراتهم في المغرب نسبتهم 2.7 %، وحسب تقرير حديث لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو» الذي رصدت فيه التعليم العالمي لعام 2017، دقت فيه ناقوس الخطر حول وضع التعليم العمومي، بعد إقفال ما يقارب 200 مؤسسة تعليمية عمومية في ظرف خمس سنوات فقط، حيث أكدت أن التعليم المغربي أصبح أداة لتكريس الفوارق الاجتماعية بعد تسارع توجه أولياء الأمور نحو التعليم الخاص، حيث انتقلت نسبة التوجه من التعليم العمومي إلى الخصوصي من 4% عام 1999 إلى 15% عام 2015، وحسب دراسة أمريكية للمركز العالمي للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يتنبأ بوصول النسبة إلى 25 % بحلول 2025، إذا ما استمر نزيف هجرة المدارس العمومية.

 

وتذكر نفس الدراسة أيضًا أن ما بين 70% و80% من التلاميذ في المدن الكبرى يدرسون في مؤسسات خاصة، بديلًا عن التعليم العمومي بعد أن اعتراه الإفلاس، بما في ذلك ذوو الأُسَر متوسطة الدخل بالمعايير المحلية، مثلما كشفت صحيفة لوموند الفرنسية إلى أن: “أكثر من 200 مدرسة تم إغلاقها في الرباط والدار البيضاء، من بينها 1355 مدرسة ابتدائية”.

 

وتعليقًا على تنامي القطاع الخاص في مجال التعليم، أوضح الخبير في التربية والتكوين عبد الرحمن لحلو، في تصريح “لمجلة مغربية”، أن المغرب يشهد تناميًا متباينًا للمدارس الخصوصية (روضة، أساسي، مهني، جامعي) مشيرًا أن القطاع المدرسي الخصوصي يشهد دينامكية خاصة في العشر سنوات الأخيرة.

 

ويرى الخبير أن التنامي يرجع إلى وعي الحكومات بعدم قدرتها على تغطية حاجيات التعليم. واعتبر عبد الرحمن لحلو أن القطاع الخصوصي يتغذى من فشل القطاع العمومي. وقال: “هذا واقع، لا أحد ينشرح لتردي المؤسسات العمومية، لكن للأسف الهيكلة التدبيرية للمدرسة العمومية فاشل”.

 

وأضاف لحلو أن: “نسبة التعليم الخصوصي بلغت 15 % من مجموع الدارسين، و40 %بالمدن الكبرى. وأضاف أن الدخول المدرسي للموسم الحالي عرف تسجيل 50 % من التلاميذ الجدد في إطار المؤسسات الخاصة”.

 

ويأتي هذا الاتجاه الحكومي نحو خصخصة المدرسة العمومية، في سياق التوجهات الاستراتيجية الكبرى للدولة المغربية، التي بدأت منذ عقد من الزمن سلسلة إجراءات تهدف من خلالها إلى تحرير اقتصاد البلاد، عن طريق تقوية القطاع الخاص ورفع الدولة يدها عن الخدمات العمومية، كما حدث مع قطاع الماء والكهرباء والصيدلة وخدمات الصرف الصحي، ودعم المحروقات، ليصل الدور أخيرًا إلى القطاعات الحساسة  كالصحة والتعليم.

 

إلغاء مجانية التعليم تكريس ممنهج للتفاوت الطبقي

 

“عادل المقريني” باحث تخرج من كلية التربية بالرباط، ينجز بحثًا ميدانيًا ودراسة حول موضوع “التفاوت التعليمي في المغرب: أسبابه ونتائجه” يشرح  لـ”زدني” عن مفهوم التفاوت التعليمي وأصله، وكيف يطبق هذا المفهوم في المغرب، حيث يقول: “في عام 1980، ألَّف السوسيولوجي الفرنسي، بيير بورديو، كتابًا بعنوان “إعادة الإنتاج، في سبيل نظرية عامة في نسق التعليم”، يتحدث فيه عن دور المدرسة في إعادة إنتاج الطبقية الاجتماعية، معتبرًا النظام التعليمي السائد في بلده آنذاك، بمثابة آلة لتكريس الهوة بين الفقراء والأغنياء، وأحدث طرح بورديو بذلك أثرًا عميقًا في النظام التعليمي الفرنسي، حتى أصبحت الجمهورية الفرنسية اليوم تحظر المدارس الخاصة، وتعتمد المدرسة العمومية ملاذًا وحيدًا لكل أبناء فرنسا، بما فيهم أبناء الأغنياء والوزراء، حرصًا على تكافؤ الفرص”.

 

ويضيف: “أما في المغرب، فلا تزال المدرسة منذ الاستقلال إلى اليوم، أداة قوية في يد السلطة للضبط الاجتماعي وإعادة إنتاج الرتبية الاجتماعية، بحيث يحافظ أبناء الأغنياء على مكانة أسرهم النخبوية، فيما يستمر أبناء الفقراء في تكريس وضعهم الأُسَري المتدني، في حلقة دائرية لا مفر منها”.

 

ويتابع: “يلعب التعليم دورًا أساسيًا في حياة الفرد، إذ به يتحدد بدرجة كبيرة مستقبله العملي، وبواسطته يتشكل قدر كبير من فكره الذي يشكل حياته، ومن ثم فإن التفاوت في الحصول على التعليم تبعًا لجودته يقود إلى تقرير مصير حياة الأفراد بشكل غير متكافئ، ليس فقط على المستوى الاقتصادي وإنما على جميع جوانب الحياة، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس النظام الطبقي”.

 

ويصرح لنا في هذا الشأن “محمد السماوي” -أستاذ وعضو في حزب الاتحاد الاشتراكي- قائلًا: “إن إلغاء مجانية التعليم سيؤدي حتمًا إلى انكماش التعليم العمومي وانتشار المدارس الخصوصية، مما سينتج عنه آثار اجتماعية تكرس للطبقية، مثلًا فأصحاب الدخل المحدود لا يستطيعون الولوج للتعليم الخصوصي، ما يزيد ذلك الفوارق الاجتماعية في غياب دعم موجه للأسر”.

 

وفي هذا الإطار أيضًا، صرَّح الكاتب الجهوي للجامعة الوطنية بالمغرب، التهامي زوارة، في حديث له مع موقع هسبريس، بأنَّ: “أبناء الطبقة الفقيرة هُمُ المستهدفون، بشكل مباشر، من هذا القرار اللاشعبي، أما أبناء الأغنياء، فهم أصلًا يدرسون في المدارس الخصوصية”.

 

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت المغرب من تنامي القطاع الخاص، مؤكدة أن الخصخصة المتزايدة ودفع واجبات الدراسة لتُحقق المؤسسات التعليمية غير الحكومية مكاسب مالية، يؤدي إلى التمييز وعدم المساواة في تعليم الأطفال المحرومين، من خلال خلق “نظام تفاضلي” بين التلاميذ الذين تتوفر لديهم الوسائل المادية للدراسة وبين من لا يملكونها.

 

وقالت الأمم المتحدة: “إن التنامي المتزايد للتعليم الخصوصي سيجعلنا أمام نظامين تعليميين يسيران بسرعتين مختلفتين، خاصة أنَّ الأبحاث أظهرت أنّ “نظام المساعدات” الذي يهدف إلى تزويد الآباء المحرومين اقتصاديًا بالوسائل الضرورية لاختيار مدرسة خاصة، يكرِّس واقع التمايز الاجتماعي”.

 

وحملت منظمة الأمم المتحدة المغرب مسؤولية تشجيع هذا التوجه بالتساهل الضريبي والتشريعي والرقابي مع المؤسسات التعليمية الخاصة، واعتبرته تهديدًا مباشرًا لحظوظ دراسة أبناء الطبقات الفقيرة، وتقليصًا لفرص حصولهم على تعليم جيد ومجاني، وتوسيعًا للهوة بين التلاميذ من مختلف الطبقات الاجتماعية.

 

ولهذا حرصت كافة المواثيق الدولية، على سبيل المثال الإعلان “العالمي لحقوق الإنسان، على ترسيخ مبدأ المساواة في التعليم الجيد، حقًا أساسيًا لكل فرد، يحصل عليه في ظروف توفر فرصًا متكافئة. ما أدى إلى توسيع مظاهر الاختلال في ضمان حق الأطفال المغاربة في الدراسة.

 

ورغم أن المغرب، ومثله البلدان العربية، قد صادق على جميع هذه المواثيق التي توصي بعدم التمييز في التعليم وضمنتها في دساتيرها، إلا أن الواقع التعليمي للمملكة يظهر تفاوتًا واسعًا في الحصول على التعليم الجيد.

 

ومن ثمّة تجد النخب السياسية والمالية تسعى للبحث عن أفضل مؤسسات التعليم الخاصة في البلاد وخارج البلاد، من أجل ضمان تكوين أمثل لأبنائها، كأبناء الوزراء والموظفين الكبار في الدولة، يدرسون عادة خارج البلاد بدءًا برئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران إلى وزير التعليم السابق نفسه رشيد بلمختار، في الوقت الذي تجد فيه أبناء فقراء الوطن يدخلون المدرسة العمومية، التي تعد -وفقًا لكل التصنيفات الدولية المعنية بالتعليم- «فاشلة»، والتي كان آخرها تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي حيث صنفت المغرب في المرتبة 73 من أصل 766 بلدًا شملتها الدراسة من حيث جودة المدارس، محتلًا بذلك المرتبة الأخيرة حتى بين الدول العربية.

 

كيف تعمل المدرسة المغربية على تكريس الطبقية الاجتماعية؟

 

مرة أخرى يصرح لنا الباحث “عادل المقريني” بشأن هذا الاستفسار الذي طرحته عليه “شبكة زدني”: “كيف تعمل المدرسة المغربية على تكريس الطبقية الاجتماعية؟” حيث يجيب: “إن عدم التكافؤ في الحصول على التعليم الجيد، خاصة في المستوى الابتدائي والثانوي، يؤدي إلى ما يسميه باحث الاجتماع بيير بوروديو، «معاودة الإنتاج»، حيث تصبح المدرسة وسيلة لتكريس النظام الطبقي الذي يحكم المجتمع”.

 

ويتابع في نفس السياق: “وبما أن تحسين التعليم يتطلب مزيدًا من المال، بحيث أن النخب الأكثر امتلاكًا للموارد؛ وحدها القادرة في المجتمع على إرسال أبنائها للمدارس الخاصة الراقية داخل البلد وخارجه، فإن الأصل الاجتماعي الذي ينحدر منه الطفل هو الذي يتحكم في نجاحه المدرسي، وبالتالي يحدد مدى نجاحه على مستوى الحياة العملية”.

 

ويضيف: “فالأطفال من ذوي الأُسَر الغنية، يحصلون منذ الصغر على تعليم أكثر جودة في المدارس الخاصة، ويتعلمون اللغات الأجنبية في سن مبكرة، وعند وصولهم للمرحلة الثانوية يكون بمقدور أهلهم إرسالهم إلى المعاهد والجامعات المكلفة ماليًا لجودة النظام التعليمي بها، المتواجدة داخل المغرب وخارجه، ويختارون التخصصات الأكثر نجاحًا في سوق العمل مثل الطب وإدارة الأعمال والهندسة، مما يرفع بشكل مؤكد حظوظ نجاحه في الحياة العملية، وبالتالي يحافظ على مكانة أسرته النخبوية ليكرس الأمر ثانية مع أبنائه، في حين يكتفي أولاد الفقراء بالتعلم في المدرسة العمومية إن وجدت بقرب مناطقهم التي يسكنونها، وعادة ما تعاني هذه المدارس نقصًا حادًا في الجودة بالمقارنة مع المؤسسات التعليمية الخاصة، ولاسيما الأجنبية منها، على مستوى بيئة التعليم، إذ تتسم عادة مدارس الفقراء بالاكتظاظ والفوضى وضعف تكوين المدرسين، علاوة على ضعف المحتوى التعليمي الذي يتم تدريسه. وبعد وصولهم للمرحلة الجامعية يختارون شُعبًا أقل نجاحًا اجتماعيًا مثل الآداب، ويدرسون بجامعات يكون فيها النجاح في حدود ضئيلة”.

 

وفي نفس الطرح الذي طرحه علينا “الباحث عادل” حول “عدم جودة المؤسسات التعليمة العمومية”، قالت اليونيسكو: “إن المغرب بعيد عن تحقيق أهدافه في مجال التعليم العمومي، في ظل تردي عرضه التعليمي وسوء المعاملة التي يتلقاها التلاميذ في المدارس المغربية، إذ أورد التقرير أن سوء الخدمات المقدمة في التعليم العمومي، وإرفاقه بالضغط الممارس على التلاميذ للحصول على نقاط جيدة، يدفع الناس إلى التوجه إلى الدروس الخصوصية، وحرمان التلاميذ، الذين يفتقدون القدرة المادية لأداء مصاريف الساعات الإضافية من القدرة على مواكبة المقررات الدراسية. ولم تسلم مرافق المؤسسات التعليمية العمومية من الانتقاد في هذا التقرير، حيث رصد ندرة المرافق الصحية، التي لا تتوفر إلا في 50 % من المدارس المغربية، التي تحتوي على تجهيزات خاصة بدورات المياه في ظل غياب قوانين تضبط عدد المرافق الصحية بعدد التلاميذ في كل مؤسسة، وتراعي إجبارية توفيرها لذوي الاحتياجات الخاصة”.

 

وهو أمر أصبح مسلمًا به رسميًا وليس فقط شعبيًا، حيث سبق لوزير التعليم أن أقر بفشل المنظومة التعليمية المغربية، قائلًا «إن مؤشرات وتقارير عالمية تجعلنا نفهم ونعترف كم نحن فاشلون”.

 

مصطفى اليمني رئيس جمعية “التعليم للجميع” يصرح لـ”زدني”: “غالبًا ما تتوفر لأطفال الأُسَر الغنية أجواء مُشجّعة على التعلّم، ليس فقط بسبب المستوى الاقتصادي لأسرته، الذي يوفر له حاجاته الأساسية بشكل مرفه، بل أيضًا لأن أسرته تستطيع توفير أدوات تعليمية له أكثر نجاعة بالبيت، من كتب وأجهزة ومجلات، بخلاف طفل الأُسَر الأقل دخلًا، الذي قد يجد منذ الولادة بيئة فقيرة ماديًا وثقافيًا، تصعب عملية تعلمه، بالأخص في المرحلة الابتدائية والثانوية”.

 

ويضيف: “وعليه فإن المدرسة المغربية غير المتكافئة تُمثّل وسيلة لتكريس الفوارق الطبقية في المجتمع المغربي، حيث يحظى أولاد الأغنياء بتدريس أفضل، ومنه عمل أفضل يصنع حياة أكثر رفاهية ماديًا وثقافيًا، بينما يحصل أطفال الفقراء على تعلم أقل يكرس وضعهم المتدني في المجتمع، وهكذا تعمل المدرسة على إنتاج الطبقات الاجتماعية فيما يشبه حلقة مفرغة، لا سبيل فيها للارتقاء الاجتماعي، إلا ما ندر”.

 

الأسس الأيديولوجية للتعليم في المغرب

 

يعود غياب اللامساواة في المدرسة المغربية بالمغرب إلى مجموعة من الأسس الإيديولوجية  المحركة للنظام التعليمي في المملكة منذ الاستقلال إلى اليوم.

 

مباشرة بعد نيل المغرب استقلاله في خمسينات القرن الماضي،  دشن تعليمًا عموميًا يقوم على ثلاثة مبادئ، التعريب والتعميم والتوحيد، كان مفترضًا منها أن تجعل من التعليم رافعة للطبقات الاجتماعية وتحقيق المساواة.

 

ورغم تحقيق نتائج في هذا الصدد، كتوسع انتشار المدارس بالمناطق القروية وزيادة عدد المتعلمين وتعريب عدد من المواد، إلا أن الأطر الأيديولوجية التي كانت تؤطر التعليم بقيت مستمرة، ولا تزال كذلك إلى اليوم، وهذه الأطر ممثلة في «التسييس والنخبوية والمركزية”.

 

“كمال” ينجز بحثًا حول موضوع “العلم والدين في خدمة السياسة” يصرح لـ”زدني”: “تَعتبر السلطة في المغرب التعليم وسيلة للتحكم في المجتمع، بجانب الأمن والدين والسياسة، وليس كما هو مفترض منه، فضاءً مفتوحًا لكل الأفراد لتنمية قدراتهم ومواهبهم وبلوغ حدود إمكانياتهم القصوى، بغرض توفير فرصٍ متساوية للكل لتحقيق الارتقاء الاجتماعي”.

 

ويضيف: “التصق التعليم مبكرًا بالسياسة، في ذروة صراع القصر مع بعض الأحزاب السياسية الوطنية حول السلطة، حيث لوحظ أن تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات ينخرطون بشكل واسع في الأشكال الاحتجاجية، وغدا التعليم خطرًا يهدد النخب السياسية، فلجأت السلطة إلى إعادة هيكلته بطريقة تحوله إلى أداة لضبط المجتمع، ليبتعد التعليم عن روحه العلمية الفكرية”.

 

ويتابع: “أما النخبوية في التعليم فقد بدأت منذ الاستعمار، عندما كان أبناء الأعيان من سياسيين وأغنياء وقادة يتلقون تعليمهم في البعثات الأجنبية، وظل الحال كذلك بعد الاستقلال، وإلى اليوم ما يزال السياسيون والوزراء وأغنياء البلد يرسلون أبناءهم إلى المدارس الخاصة الراقية وجامعات البلدان المتقدمة”.

وعلى صعيد ثالث، يصرح لنا “مصطفى اليمني” قائلا: “لا تزال المركزية المناطقية سمة ثابتة تحكم النظام التعليمي في المغرب، فمن جهة أولى، تستحوذ العاصمة والمدن الكبرى على اهتمام رسمي بالغ على حساب المدن الأخرى، سواء على مستوى المدارس العمومية أو الخصوصية، ومن جهة ثانية تتسع الهوة في جودة التعليم بين المناطق الحضرية والمناطق النائية والقروية، الأمر الذي يعكس تمايزًا مناطقيًا على مستوى حق الأفراد في التعليم الجيد بشكل متكافئ”.

ويضيف “وليس غريبًا أن يقود هذا التدهور في التعليم العمومي الكثير من الأُسَر المغربية إلى نقل أبنائها نحو المدارس الخاصة سعيًا لضمان تعليم أفضل لفلذات أكبادها، بالنظر إلى أن التعليم في المغرب ما زال يعيد إنتاج الرتب الاقتصادية الاجتماعية بين الطبقات في المجتمع المغربي، وذلك منذ قدوم التعليم الحديث خلال فترة الاستعمار وهو مستمر إلى اليوم، إذ تعيد النخب السياسية والمالية إنتاج نفسها بنفسها من خلال التوريث وإعداد الأبناء”.

وهكذا يكون النظام التعليمي في المغرب أشبه بطاحونة ضخمة تعمل على تكريس التفاوت الطبقي، وتعيد إنتاج نفس النخب المهيمنة في المجتمع، من دون أن تترك للأفراد فرصة متساوية في الارتقاء، منتجة بذلك جيوشًا من المعطوبين معرفيا ونفسيًا واجتماعيًا.

 

وختامًا: وكما يحدث عادة مع القرارات السياسية الصعبة، تتجه الحكومة شيئًا فشيئًا إلى التحرير الكامل لقطاع التعليم، وإن كانت لا تستطيع إنهاء مجانية التعليم دفعة واحدة في الوقت الراهن، إلا أن الإعلان رسميًّا عن المصادقة على مشروع إلغاء مجانية التعليم، هو بمثابة «بالون اختبار»، من شأنه أن يهيئ الرأي العام المغربي تدريجيًّا لتقبل هذا الإجراء فيما بعد، مثلما كان الأمر مع قرار رفع الدعم عن المحروقات وتمرير قانون التقاعد وغيره من القرارات الصعبة، التي أصبح المواطنون يتعايشون معها كرهًا. وهو ما يجعل من سياسة إلغاء مجانية التعليم العمومي القشة الأخيرة التي ستسحق الفئات الفقيرة في المجتمع بشكل تام، إذ ستفقد أحد أهم مقومات الارتقاء الاجتماعي، الممثل في التعليم، لتصير بذلك تحت سيطرة كبراء القطاع الخاص الشرهين، في غياب دور الدولة في حماية المواطنين من عمليات الفساد وارتفاع الأسعار.

 

لكن ما يخشاه المراقبون هو أن تكون النخب السياسية ورجال الأعمال في البلد يهيئون لفتح منجم ذهب جديد عنوانه التعليم الخاص، الذي سيدرّ عليهم الأموال الطائلة في ظل النزوح الجماعي نحو المدارس الخاصة بعد إفلاس التعليم العمومي، ولاسيما إذا علمنا أن العديد من الوزراء والسياسيين في المغرب لهم مشاريع خاصة في قطاع التعليم، يتقدمهم رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران.

 

بل الأدهى من ذلك نجد النخب السياسية والمالية تجتهد في البحث عن أفضل مؤسسات التعليم الخاصة في البلاد وخارج البلاد، من أجل ضمان تكوين جيد لأبنائها، بالمقابل غدا فقراءُ الوطن معرضين لخسارة مجانية المدرسة العمومية، التي لا تقدم تعليمًا في المستوى مما ينتج التعليم هوة بين الفقراء والأغنياء.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

أضف تعليقك