الأزمة المالية تعصف بالتعليم في غزة

21 ديسمبر , 2015

الأزمات المالية تدفع التعليم الحكومي نحو الانهيار في قطاع غزة

يعاني قطاع التعليم في قطاع غزة، المحاصر إسرائيليًا منذ نحو عشر سنوات، من مشكلات هائلة تعصف به؛ بفعل غياب الدور الحكومي وتأثيرات الانقسام السياسي، بين حركتا فتح وحماس، على العملية التعليمية، وعدم تلقي آلاف المعلمين لرواتبهم بفعل عدم اعتراف حكومة التوافق التابعة للسلطة الفلسطينية بهم.
المعلم الفلسطيني، أحمد أبو حمدة، يقول لـ”شبكة زدني” إن عدم انتظام صرف الرواتب، لآلاف المعلمين، منذ ما يقرب عامين، يؤثر بشكل كبير على سير العملية التعليمية، المقدمة للطلاب، في ظل استمرار تنكر حكومة التوافق للمعلمين والمعلمات.
ويؤكد “أبو حمدة”، على أن استمرار هذه الأزمة، سيدفع باتجاه انهيار العملية التعليمية، خلال الفترة المقبلة؛ حال استمرت أزمة الرواتب الحالية، ولم يتم إيجاد حلول تُجنب العملية التعليمية المشاكل السياسية.
ويضيف المعلم الغزي بأن”الواقع المعيشي للمعلمين، دفع عدد كبير منهم، باتجاه البحث عن مِهن بديلة، كالعمل في سيارات أجرة، أو في الحلاقة، وغيرها من أجل توفير احتياجات منازلهم الأساسية”.
ويطالب “أبو حمدة”، في حديثه،الجهات الرسمية، والفصائل الفلسطينية، بالتوصل لاتفاق، يجنب قطاعي: التعليم، والصحة، المناكفات السياسية، لاستمرار تقديم خدمة مدرسية مميزة تحافظ على مستوى التعليم في القطاع.

 

استقالة المعلمين بسبب أوضاعهم الاقتصادية

المعلمة “هناء أحمد“، باتت تفكر بشكل جدي في تقديم استقالتها، والتفرغ للعمل في الدروس الخصوصية، أو أحد المراكز التعليمية الخاصة، من أجل توفير احتياجاتها، واحتياجات أسرتها، في ظل عدم انتظام صرف الرواتب.
وتوضح “أحمد” في حديثها لـ”شبكة زدني” بأن واقع المعلمين، في القطاع المحاصر، منذ سنوات، أصبح لا يطاق في ظل عدم مقدرتهم على توفير أبسط احتياجات منازلهم، وأطفالهم، بفعل عدم اعتراف حكومة التوافق الفلسطينية، بالمعلمين الذين عينتهم حكومة غزة السابقة، التي كان تقودها حركة حماس.
وتلفت “أحمد” إلى أنّ العديد من المعلمين، تقدموا باستقالتهم منذ بداية العام الدراسي الجديد، بعد أنّ فقدوا الأمل في تحسن أوضاعهم الاقتصادية، في ظل تفاقم أزمة رواتب موظفي غزة، مشيرة إلى أنّ المعلمين الذين استمروا على رأس عملهم، أضحوا يبحثون عن بدائل جديدة لحل مشاكلهم المالية.
أما مدرس اللغة الإنجليزية “محمد عقل“، فاستغل مواقع التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك، وغيرها، للترويج للدروس الخصوصية لمرحلة الثانوية العامة (التوجيهي)، المؤهلة للمرحلة الجامعية، للطلاب الفلسطينيين، في قطاع غزة، لتحسين واقع أسرته المعيشي.
ويؤكد “عقل”لـ”شبكة زدني” على أن واقع العملية التعليمية، في القطاع المحاصر، أصبح معقدًا وصعبًا، في ظل عدم تقاضي المعلمين لرواتبهم بشكل منتظم، وعدم وجود أي حلول تعمل على إنهاء الأزمة المتفاقمة منذ نحو عامين.
ويحذر المعلم الغزي، من أن عدم انتظام العام الدراسي الجديد، سيقود إلى توقف محتمل لمئات المعلمين والمعلمات، في ظل عدم صرف رواتبهم، مضيفاً بأن “الكثير من المعلمين، باتوا لا يمتلكون المال للتنقل بشكل يومي إلى مدارسهم، وهو ما قد يدفع بهم في نهاية المطاف إلى الجلوس في بيوتهم”.

 

نقابة المعلمين: 400 مدرسة مهددة بالتوقف

من جانبه، يقول نقيب المعلمين في غزة، ونائب مدير إحدى المدارس الحكومية، “خالد المزين“: “إن نحو 400 مدرسة، تابعة للحكومة في القطاع، مهددة بالتوقف في أي لحظة، بفعل تفاقم الأزمة المالية، وعدم انتظام صرف الرواتب لفترات طويلة تصل إلى 45 يوماً”.
ويؤكد “المزين” في حديثه لـ”شبكة زدني”، على أن عدم انتظام صرف الرواتب، وعجز الوزارة، عن توفير موازنات تشغيلية خاصة بمديريات التربية والتعليم والمدارس، انعكس سلبًا على سير العملية التعليمية، وعلى الأداء المقدم من قبل المعلمين الغزيين، لآلاف الطلبة، الذين يدرسون في المدارس الحكومية.
ويشدد “المزين”، على أن إجمالي الموازنات التشغيلية، التي يجري صرفها للمدارس الحكومية، لا يتجاوز مبلغ 300 دولار أمريكي، طيلة العام الدراسي، وهو ما يؤدي لعجز المدارس عن توفير القرطاسية واللوازم الدراسية الخاصة بطلابها، والاعتماد على بعض التبرعات والجهود الذاتية.
وعن واقع الرواتب الخاص بالمعلمين، يلفت إلى أن”رواتب المعلمين في غزة، هي من أدنى الرواتب في السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى ذلك، فأن الأزمة الحالية، وعدم اعتراف حكومة التوافق بالمعلمين، أدى لاعتماد وزارة المالية في غزة، على صرف سُلف مالية، لا تتجاوز 40 في المائة من إجمالي رواتبهم”.
ويشير المسؤول النقابي، إلى أن عجز وزارة التربية والتعليم، عن تعيين معلمين جدد في المدارس، التابعة لها، لغياب الموازنات التشغيلية وعدم اعتماد حكومة التوافق للمعلمين، وهو ما تسبب في تحمل الكثير من المعلمين لأعباء جديدة ومواد إضافية غير موادهم الأساسية.
ويطالب “المزين” السلطة والفصائل، الفلسطينية، بضرورة تحمل مسؤولياتهم، والعمل على تجنيب القطاع التعليمي، التجاذبات السياسية، وتوفير رواتب لصالح 8 آلاف معلم، يتبعون للحكومة في غزة، والعمل على فتح المجال لاستقطاب معلمين جدد.
ويشير “المزين” إلى أن وزارة التعليم، في غزة، لم تقم بتعيين أي معلم جديد، منذ 2013، وذلك بسبب الأزمات المالية، التي تعاني منها، وعدم فتح حكومة التوافق المجال لتعيين معلمين جدد، على الرغم من فتح مجال التعيين، في مدارس ومديريات مدن الضفة الغربية.
وترفض حكومة التوافق، والرئيس الفلسطيني “محمود عباس” صرف رواتب موظفي غزة، لأنها لا تعترف بهم، فيما يبلغ عدد المعلمين والمعلمات الذين عينوا في عهد حكومة غزة السابقة، نحو 9 آلاف معلم ومعلمة، جرى تعيينهم في الفترة من 2007 وحتى 2013.

 

الانقسام السياسي يلقي بظلاله على التعليم

بالإضافة إلى ذلك، يقول وكيل وزارة التربية والتعليم العالي في قطاع غزة “زياد ثابت“، إن عدم اعتراف حكومة التوافق، بالعاملين في القطاع التعليمي في غزة، أدى لحرمان نحو 8 آلاف موظف يعملون في القطاع التعليمي، من الحصول على رواتب بشكل منتظم منذ نحو عامين، بسبب الانقسام السياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية.
ويشير”ثابت” في تصريحه لـ”شبكة زدني” إلى أن “مشكلة الانقسام السياسي، تلقي بظلالها على سير العملية التعليمية، وهو ما ينعكس بالسلب حاليًا على سيرها في غزة، مع احتمالية أن يؤدي بها نحو مرحلة التوقف مستقبلاً، خصوصًا وأن عملية توظيف معلمين جدد، لسد العجز في الكادر متوقفة منذ 2013”.

 

الحاجة لمعلمين جدد

وينوه المسؤول الحكومي، “زياد ثابت”، بأن قطاع التعليم في غزة، يحتاج إلى توظيف 400-500 معلم جديد، لسد الشواغر في مختلف التخصصات التعليمية، لجميع المراحل الدراسية (الابتدائية، الإعدادية، الثانوية). مشيرا إلى أن توقف عملية التوظيف انعكس بالسلب على المعلمين الموجودين حاليًا، بحيث ازداد العبء المدرسي عليهم، رغم عدم تلقيهم رواتبًا منتظمة.
ويلفت “ثابت” إلى أن قطاع التعليم، في غزة، يحتاج إلى نحو 10 مليون دولار سنوياً، كموازنة تشغيلية، تصرف لصالح المدارس والمديريات التعليمية، في القطاع عدا عن رواتب المعلمين البالغ عددهم نحو 8 آلاف معلم، والذين لا يتجاوز ما يحصل عليه الواحد منهم مبلغ 300 دولار أمريكي.

ميزانية المدارس تعتمد على تأجير محلات مدرسية

ويؤكد المسؤول الحكومي، على أن وزارة التربية والتعليم تعتمد في موازناتها الحالية على عوائد تأجير المقاصف المدرسية (محلات داخل المدرسة)، لكي تتمكن من توفير الحد الأدنى من المستلزمات للمدارس الحكومية، المنتشرة في قطاع غزة، والبالغ عددها 320 مدرسة حكومية، في الوقت الذي تعجز فيه عن توفير وسائل نقل لنحو ألف معلم للوصول إلى مدارسهم في المناطق النائية.
ويشير”ثابت” إلى أنه “ينبغي على حكومة التوافق الوطني، القيام بمسؤولياتها، ودعم وزارة غزة، لأنها جزء من وزارة رام الله،كوزارة واحدة”، داعياً إلى “إعادة رواتب الموظفين، وتوفير الموازنات التشغيلية، والعمل على توظيف معلمين جدد بغزة”.

انعكاسات نفسية

بالإضافة إلى ذلك، اعتبر أستاذ علم النفس، في جامعة الأقصى في غزة، “درداح الشاعر” أن أزمة الرواتب التي يعاني منها المعلمين في القطاع، انعكست بالسلب على العملية التعليمية، وعلى جودة الخدمة المقدمة من المعلم لآلاف الطلاب، في المدارس التابعة للمؤسسة الحكومية.
ويشدد “الشاعر”في حديثه لـ”شبكة زدني” على وجوب توفير المكانة الاجتماعية والمادية للمعلم، التي تعزز من وجوده داخل المجتمع، لكي يتمكن من تقديم كل ما يستطيع في العلوم الحياتية لطلابه، لا أن يعاني لأشهر طويلة ليحصل على دفعات مالية من راتبه المتدني.
ويقول الأستاذ الجامعي، إن عدم شعور المعلم بالرضى النفسي المطلوب، وحالة القلق والعجز، الذي يكابده بسبب عدم قدرته على توفير مستلزمات منزله واحتياجات أبنائه، انعكس بشكل واضح في الآونة الأخيرة، على التحصيل الدراسي وجودة التعليم، المقدمة للطلاب في المدارس الغزية.
ويضيف بأن”استمرار أزمة الرواتب، وعدم وجود موازنات تشغيلية، للمؤسسات التعليمية الحكومية، في القطاع سيؤدي لتدهور هذا القطاع السيادي، وسينعكس بشكل أساسي على الطلاب والطالبات على المدى البعيد، ما قد يؤدي لانهيار التعليم، على المدى البعيد”.
ويوصي “الشاعر”، بضرورة تحييد العملية التعليمية عن أي خلافات سياسية، من شأنها إلحاق الضرر بالعملية التعليمية، وبالأجيال الناشئة التي تضررت بفعل الأزمة المالية الحالية، التي تعاني منها الحكومة في غزة، والعجز عن توفير رواتب كاملة للمعلمين.

 

هذا، ولم تصرف حكومة التوافق منذ تشكيلها في الثاني من يونيو/حزيران 2014، أي راتب لموظفي حكومة غزة السابقة، ولكنها صرفت دفعة مالية واحدة تبرعت بها دولة قطر، وعبر وزارة الشؤون الاجتماعية، بمقدار 1200 دولار لكل موظف، البالغ عددهم حوالي 24 ألف موظف مدني، من أصل 45 ألف موظف، وذلك نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول 2014.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك