الأسباب الخفية لظاهرة الغش في الامتحانات العامة في اليمن

24 يونيو , 2017

تنشر الصحف والمواقع الإلكترونية اليمنية وشبكات التواصل الاجتماعي صورًا مفزعة لحالات الغش في الامتحانات العامة، وأساليب تطورها، وهذا ما أصاب المجتمع اليمني بحالة من الذهول والحسرة للحال الذي وصل إليه التعليم في اليمن، ومع ما أعلنته وزارة التربية والتعليم في موقعها الإلكتروني من رؤية استراتيجية للتعليم الثانوي يتسم بالعدالة والمساواة في توفير الفرص التعليمية والجودة في النوعية، غير أن ما يجري داخل اللجان الامتحانية يتنافى مع هذه الرؤية فلا عدالة ولا مساواة في وجود ظاهرة الغش في الامتحانات.

وتدور التساؤلات حول دور وزارة التربية والتعليم والمؤسسات الأمنية والمجتمعية في منع هذه الظاهرة، في حين أن قيادة الوزارة تحمل المجتمع نتيجة السلوكيات الخاطئة للطلاب في أثناء الامتحانات، وتشكو من ضعف تعاون الجهات الأمنية والمجتمع في الحد من هذه الظاهرة، وتنتهي فترة الامتحانات بتبادل الاتهامات بين جميع الأطراف المعنية، وبعدها تعلن النتائج بنسبة نجاح عالية وكأن شيئًا لم يكن، ومع أن ظاهرة الغش تعد ظاهرة عالمية في كثير من البلدان إلا أن الأنظمة التعليمية تتخذ إجراءات حازمة نحوها لما لها من خطورة وانعكاسات سلبية على التعليم والمجتمع بشكل عام.

 

مظاهر الغش في الامتحانات

تتنوع أشكال ومظاهر الغش في الامتحانات العامة في اليمن بين اقتحام لمراكز الامتحانات بقوة السلاح، وتسريب نماذج الامتحانات، والاعتداءات على رؤساء اللجان والمراقبين، وإطلاق النار على المعلمين بسبب رفضهم السماح بالغش، ونشوب فوضى ومشاغبة وتسلق لجدران المراكز الامتحانية، وتجمهر لأولياء الأمور على بوابات ونوافذ اللجان لمحاولة مساعدة أبنائهم، وانتحال شخصية، وتشارك الطلاب في الغش داخل اللجان، وتسهيل الغش من قبل رؤساء وأعضاء اللجان الامتحانية مقابل مبالغ مالية، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والواتس آب في عمليات الغش في الامتحانات.

من جهتهم يعتبر أصحاب محلات التصوير الورقي أن فترة الامتحانات تشكل بالنسبة لهم موسمًا لجني الأرباح؛ كونها تسهل عملية الغش للطلاب من خلال تصوير المقررات الدراسية على قصاصات ورقية صغيرة لا يزيد حجم بعضها عن خمسة إلى عشرة سنتيمترات مربعة تسهل للطالب إدخالها إلى قاعة الامتحان واستخدامها في الغش.

 

أبعاد ظاهرة الغش في الامتحانات

كثير من دول العام تعد التعليم قضية أمن قومي وقاسمًا مشتركًا بين أفراد المجتمع تبنى من خلاله قواعد السلوك السليم والمواطنة المتساوية وقيم الصدق والالتزام والقدوة والعدالة والمساواة، والمتمعن في حال التعليم في اليمن يجد كثيرًا من المتناقضات التي تسود السياسة التعليمية في البلاد، حيث يؤكد الدكتور عبد الحكيم المخلافي أستاذ علم النفس المساعد في جامعة عمران أن هناك عوامل وأسباب وأبعاد كثيرة تساعد على عملية الغش في الامتحانات العامة؛ فتشترك كثير من الأطراف في المساعدة على عملية الغش؛ وتشمل الطالب والمعلم والإدارة المدرسية والمجتمع ووزارة التربية والتعليم.

https://www.youtube.com/watch?v=48LmnVCmrSs

ويجب أن تعطي هذه الظاهرة مزيدًا من التأمل والبحث عن أبعادها وأسباب نشوئها خصوصًا ونحن على مشارف الامتحانات النهائية لهذا العام لتدارك ما يمكن تداركه، ويجب على الأطراف المعنية بالتعليم القيام بعملية تقويم ومراجعة شاملة لمعرفة الأسباب الحقيقية لهذة الظاهرة ووضع الحلول السليمة لها، وهنا يمكن أن نتطرق لبعض الآراء التي تم استطلاعها من فئات مختلفة من المجتمع اليمني التي يعتقدون أنها الأسباب الرئيسة لنشوء ظاهرة الغش في الامتحانات العامة في اليمن:

 

إدخال التعليم في الصراعات السياسية

يرى عدد من الأكاديميين والمثقفين أن إدخال التعليم ضمن المحاصصة السياسية والحزبية في أثناء تشكيل الحكومات المتعاقبة في اليمن يعد أحد أسباب تدهور التعليم وانتشار ظاهرة الغش في الامتحانات، فهنا تبدأ المشكلة وتتعمق حينا بعد آخر، لأنه يترتب على هذه المحاصصة إجراء تعيينات كارثية على مستوى قيادات الوزارة ومكاتب التربية والتعليم في المحافظات والمديريات وتشمل حتى القيادات المدرسية؛ فيتم وضع الشخصيات غير المناسبة وغير ذات الكفاءة في كثير من المواقع الإدارية والتربوية، وهذه التعيينات لا تتم وفق معايير تربوية، وبالتالي يرى المجتمع أن سلوكيات هذه القيادات تنحو منحى آخر نحو تحقيق المكاسب الشخصية والحزبية داخل المؤسسات التعليمية.

وتظهر كثير من المماحكات السياسية التي تؤثر على التعليم ومنها ظاهرة الغش في الامتحانات، ومن الحقائق المريرة التي ترددها قيادة الوزارة نفسها أنه لا يزال هناك حتى الآن ما يقرب من  300 مدير مدرسة على مستوى الجمهورية أميون لا يجيدون القراءة والكتابة تم تعيينهم بطرق لا تمت لمعايير التربية والتعليم بصلة، وللمتابع أن يتخيل حجم الكارثة في هذه المدارس.

كما أن التعليم لا يمثل أولوية لدى قيادات الدولة وهي منشغلة بالصراعات السياسية، وبالتالي توجد رعاية لظاهرة الغش من قبل بعض الأطراف التي تمتلك سلطات إدارية وأمنية وعسكرية وقبلية لصالح أبنائها دون رادع قانوني، وهذا مسوغ لبقية الطلاب لممارسة الغش أسوة بأبناء هذه القيادات.

وتتهم نقابات المعلمين في اليمن مسؤولين ونافذين في الدولة بتشجيع مرتكبي هذه المخالفات التي تؤدي إلى انتشار الاختلالات في الامتحانات المدرسية وتخرجها من هدفها الأساسي إلى الحصول على معدلات غير حقيقية ولا تعبر عن مستوى التحصيل العلمي للطلاب وتؤكد تلك الاختلالات حرص المسؤولين في السلطة على استفراد أبنائهم بالمنح الدراسية، أو الالتحاق ببعض التخصصات في الجامعات اليمنية بعد أن قامت الجامعات برفع المعدلات المطلوبة من خريجي المرحلة الثانوية للدخول في التخصصات العلمية إلى جانب اختبارات القبول التي تفرضها الجامعة في هذه التخصصات، مشيرة إلى أن هذه الظروف تؤدي إلى الرغبة الجامحة لدى الكثير من الناس لحصول أبنائهم على معدلات دراسية مرتفعة لا تعكس الواقع أو المستوى التعليمي للطالب.

 

ضعف أداء وزارة التربية والتعليم

يوجه المجتمع انتقادًا واضحًا لوزارة التربية والتعليم حول أسباب بقاء كثير من رؤساء اللجان الامتحانية الذين ثبت عليهم التلاعب بالعملية الامتحانية وما يزالون يمارسون أعمالهم بصورة طبيعية في إدارة العملية الامتحانية عامًا بعد آخر.

وفي هذا السياق توضح الأستاذة أم أسامة بادي أن ظاهرة الغش أصبحت بمثابة الغول الذي سيقضي على مستقبل أغلب الطلاب اليمنيين. وأشارت إلى أنها تعرف كثيرًا من الطلاب والطالبات المجتهدين، الذين بدؤوا يعتمدون على الغش بعدما شعروا بالإحباط لانتشار الغش من حولهم، ولاحظوا عدم اكتراث المراقبين وتواطُؤَهم أحيانًا في عملية الغش للطلبة.

وتتهم بادي وزارة التربية والتعليم بالتساهل مع عدد من رؤساء مراكز الامتحانات، التي ثبتت ممارسات غش فيها وتم نشر صورها في مواقع التواصل الاجتماعي، ومع ذلك لا تقوم وزارة التربية والتعليم بواجبها بمعاقبة المسؤولين عنها، أو إلغاء امتحانات الطلاب الذين مارسوا الغش كما جرت العادة.

ويقول أحد طلاب المرحلة الثانوية في مدينة الحديدة أيمن سعيد لوكالة الأناضول: “يسمح لنا المراقبون بأن نجيب على الأسئلة بالمشاركة، ويجوز لنا الاستعانة بزملائنا، بينما يُدخل لنا الحراس إجابات الامتحانات من خارج القاعة، ويكون قد أجاب عليها أحد المعلمين، مقابل مبلغ يصل في بعض الأحيان إلى خمسمائة ريال (نحو دولارين) إلا أننا لا نعتمد على الغش القادم من خارج القاعة بشكل كلي إذ تكون الإجابات في بعض الأحيان خاطئة.

ويُقر الطالب أيمن بأنه غير راض عما يفعله وأنه أجبر على ذلك أمام الكثير من الطلاب الذين لا يبذلون أي عناء في الدراسة طيلة أيام العام ويحصلون على نتائج عالية، مؤكدًا أن عمليات الغش دمرت مستقبله العلمي، وجعلته يعتمد على زملائه الآخرين في هذا الأمر مهملين مذاكرتهم، مستطردًا في هذا الصدد: “ما الفائدة أن أتعب وأذاكر وأجتهد، وفي خلاصة الأمر أجد الحل أمامي، وأُصبح أنا والفاشل في القاعة بالمستوى نفسه”.

كما أن هناك ضعف في الرقابة المركزية والمحلية في أثناء سير عملية الامتحانات واكتفاء المسؤولين على التعليم بزيارة عدد محدود من المدارس في مراكز المدن.

ومع أن وزارة التربية والتعليم قد قامت بعدد من الإجراءات التي تحد من ظاهرة الغش كإصدار البطاقات الإلكترونية التي تتضمن الصورة الشخصية للطالب للتحقق منها حين دخوله قاعة الامتحان، إلى جانب تعدد نماذج الامتحانات إلا أن هذه الإجراءات لم تحد من مظاهر الغش التي تتطور باستمرار.

ويرى المجتمع أن وزارة التربية والتعليم تمارس نوعًا من التضليل عند إعلان نتائج الامتحانات العامة، فمع حالات الغش المنتشرة على مستوى الجمهورية يتوقع المجتمع من الوزارة اتخاذ إجراءات حازمة وإعلان نتائج حقيقية تكون منصفة للطالب المجتهد المتضرر من ظاهرة الغش وتكون أيضًا رادعة لمن يمارس الغش في الامتحانات حتى يشعر المجتمع بالثقة نحو التعليم إلا أن ما يحصل هو أن الوزارة تعلن نتائج الامتحانات العامة بنسب نجاح عالية تشمل معظم المراكز الامتحانية التي مارست الغش بصورة علنية، ودون اتخاذ إجراءات عقابية ضد من يمارس الغش في الامتحانات.

كما يرى المجتمع غياب القدوة من المعلم والإدارة المدرسية بل وممارسة الفساد التعليمي في بعض المدارس من خلال بيع شهادات النقل للطلاب دون دخولهم الفصول الدراسية للدراسة أو لأداء الامتحانات، مع عدم محاسبة لهذه القيادات المدرسية.

 

انتشار الأسلحة والثقافة المغلوطة حول الامتحانات

لانتشار الأسلحة بشتى أنواعها وبكثافة في الآونة الأخيرة بين أفراد المجتمع اليمني بما فيهم الطلاب أثر كبير على عملية التعليم، وأحيانًا تستخدم هذه الأسلحة بوصفها نوعًا من التهديد لممارسة الغش بالقوة سواء من قبل الطلاب أو مَن يساندهم في عملية الغش في أثناء الامتحانات، وأحيانًا تحدث أمور مؤسفة نتيجة استخدام هذه الأسلحة؛ فيتعرض بعض المراقبين في قاعات الامتحان للاعتداء بالسلاح الناري أو الأبيض، أو بالضرب في حال اعترضوا على عمليات الغش، وحاولوا إيقافها لا سيما في المناطق القبلية والريفية في اليمن.

كما توجد ثقافة مغلوطة لدى بعض الطلاب وأفراد المجتمع بضرورة تحقيق معدلات نجاح عالية من خلال الغش في الامتحانات، حيث يشير أمين المقطري مستشار مكتب التربية والتعليم في محافظة عدن إلى أن هناك تحولًا في ثقافة المجتمع بإصرار الأسرة على حصول الأبناء على الشهادة بأي شكل وبأي صورة، وأن منظومة إجراءات أداء الامتحانات المعمول بها في اليمن لا تحقق الغاية منها بوصفها أسلوبًا لقياس مقدار التعليم عند التلاميذ والطلاب لأسباب عديدة منها عدم التقيد بالتعليمات اللائحية والإدارية والانفصال الشعوري من قبل الممتحن عن قيمة الدين والتربية، واختراق التكنولوجيا لمنظومة الامتحانات من خلال الأجهزة الإلكترونية المنتجة حديثًا.

من ناحية أخرى يبدي حفظ الله البعداني -من سكان العاصمة صنعاء- إحباطه الشديد بسبب ما أسماه بالوضع الكارثي الذي وصلت إليه العملية التعليمية بشكل عام، وأشار إلى أن الغش أصبح أمرًا مبررًا بعد أن كان مرفوضًا في المجتمع، موضحًا أنه شاهد أولياء الأمور وبعض الشباب حول مراكز الامتحانات وهم يحاولون إدخال الغش لأولادهم، واصفًا هذه المشاهد بالمخزية والمعيبة بحق الآباء، وأضاف: كنا نعرف بأن عددًا من الطلاب يعتمدون في أداء امتحاناتهم على الغش في اللجان الامتحانية، لكننا اليوم نشاهد أولياء أمور يدفعون المال، ويخاطرون بسلامتهم من أجل تسريب أجوبة الامتحانات لأولادهم، وأحيانًا يتم ذلك تحت التهديد وقوة السلاح، كما لفت إلى أن المراقبين يعجزون عن فعل شيء في ظل الانفلات الأمني الواسع الذي تمر به البلاد.

ويؤكد الناشط الحقوقي أحمد فوزي أن مشاهد الغش تتكرر بصورة يومية في غالبية المراكز الامتحانية فالظروف الأمنية والفوضى في عدد من المدن أدت إلى ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية ووزارة التربية والتعليم، كما أن ظاهرة الغش ليست جديدة لكنها ازدادت انتشارًا بسبب الفوضى والحرب التي تمر بها البلاد وانتشار الأسلحة بين أفراد المجتمع.

ويلفت فوزي إلى أن “ظاهرة الغش أصبحت جماعية، ولم تعد فردية كما في السابق لذلك يصعب إثبات ممارسات الغش في كثير من المراكز؛ لأن هذا يعني فشل الامتحانات، وفي المقابل يجد المراقبون في قاعات الاختبارات صعوبة في ضبط سير عملية الامتحانات.

 

التمييز

يوجد تذمر واتهام من قبل الطلاب وأولياء الأمور لوزارة التربية والتعليم بالخضوع لبعض التوجيهات الصادرة من بعض الجهات والمخالفة لقانون التعليم والمتمثلة بمنح شهادات إتمام المرحلة الأساسية والثانوية لعدد من الطلاب دون أدائهم للامتحانات وبمعدلات نجاح عالية تحت مبرر أنهم في واجب وطني في بعض المواقع والأحداث التي تمر بها البلاد، وهذا الأمر يشرع لبقية الطلاب الغش من وجهة نظرهم، ويستنكر عبد الملك محمد وهو ولي أمر أحد طلاب المرحلة الثانوية هذه الإجراءات مؤكدًا أن هناك عدة طرق وأساليب لتكريم من يشاركون في المهام الوطنية بعيدًا عن مخالفة قانون التعليم.

كما أن هناك تمييز من نوع آخر فيرى كثير من طلاب المدارس الحكومية العناية بزملائهم من طلاب المدارس الخاصة في أثناء عمليات الامتحانات وتسهيل عملية الغش لهم مما يشجعهم على ممارسة الغش وبالقوة أحيانًا لتحقيق نوعًا من المساواة.

ويشكك بعض أولياء الأمور بنزاهة الامتحانات والنتائج المعلنة متهمين بعض القائمين على الامتحانات بممارسة التلاعب في النتائج وتغييرها لصالح فئات معينة.

 

صعوبة المناهج وعدم توفر البيئة التعليمية المناسبة

يشكو كثير من الطلاب من صعوبة المناهج الدراسية خصوصًا في المواد العلمية وأسلوب صياغتها واحتوائها على موضوعات لا تمت للواقع العملي بصلة، إلى جانب الحشو الزائد في المواد الأدبية التي تعمل على تشتيت استيعاب الطالب وعدم استفادته منها في الواقع العملي، وضعف أداء المعلم الذي لم يتلقى تدريبًا كافيًا عليها، وعدم توفر المعامل المدرسية، وهو ما يؤثر على طريقة استيعاب هذه المواد وفهمها من قبل الطلاب.

ويؤكد الدكتور داوود الحدابي أستاذ المناهج بكلية التربية بجامعة صنعاء وهو أحد مؤلفي مناهج العلوم للمرحلة الثانوية أنه بعد الانتهاء من تأليف المناهج كانت الخطة أن يتم تدريب المعلمين عليها وتجريبها، وتزويد المدارس بالمعامل اللازمة، ثم اجراء عمليات تقييم شاملة، لكن ما تم في الواقع أن تدريب المعلمين لم يتم، وتم اعتماد المناهج دون تجريبها ودون إجراء عمليات التقييم.

كما أن غياب البيئة التعليمية المناسبة والنقص في توفر المعلمين والكتب المدرسية والفصول الدراسية في بعض المناطق اليمنية، تسبب حالة من الخوف والهلع لدى الطلاب من الرسوب لأسباب لا علاقة لهم بها؛ ولذا يمارسون الغش تعويضًا لذلك.

 

الوضع الاقتصادي والأمني الذي تمر به اليمن

للوضع الاقتصادي والأمني والحروب التي تمر بها اليمن تأثير مباشر على تعلم الطلاب وما ينتج عن ذلك من حالات النزوح والتوتر والإرباك وتغير اهتمامات الطالب نحو الإسهام مع أسرته في توفير لقمة العيش والبحث عن مأوى آمن بعيد عن الصراعات والحروب، وأحيانًا يتم استقطاب طلبة المدارس للاشتراك في النزاعات والحروب، وهو ما يعني التغيب عن الدراسة، وبالتالي عند أداء الامتحانات يجد الطالب نفسه مهددًا بالفشل إن لم يمارس ظاهرة الغش.

ويشير محمد علي وهو أحد طلاب المرحلة الثانوية بقوله: “نشعر بالخوف ونعجز عن النوم ليلًا ما يؤثر على أدائنا في الامتحانات وكثيرًا من زملائي يجدون في هذه الضغوط مجتمعة مبررًا للقبول بمبدأ الغش”، مبينًا أن تراخي الرقابة شجع على الأمر.

كما يفيد شقيق أحد طلاب المرحلة الثانوية أبو سلام أن طلبة المرحلة الثانوية أمام ثلاثة خيارات؛ إما خوض الامتحانات على الرغم من الظروف الصعبة، أو الغش للحصول على معدلات مرتفعة، أو الاعتكاف في المنزل وعدم التوجه إلى مراكز الامتحانات.

وعلى غرار الكثيرين يحضر أبو سلام إلى مركز الامتحانات مع شقيقه، ويجلب الكتب لمساعدته في حل الأسئلة بعد تسريبها، ويشير إلى أنه وجد نفسه يفعل ذلك في ظل عدم قيام المراقبين واللجان المعنية بحفظ الأمن كما يجب، ومع عدم قناعته بما يفعله، لكنه يؤكد أنه أجبر على ذلك حسب قوله: “عندما أخبرني أخي أن كل زملائه يغشون يوميًّا بكل سهولة، أرى من الظلم أن يبقى وحده من دون مساعدة؛ لذلك أحرص على مساعدته كي يحصل على معدل مرتفع أسوة بزملائه”.

كما توجد إشكالية أخرى وهي تأخر وزارة التربية والتعليم في تسليم مستحقات اللجان الخاصة بمراقبة الامتحانات أو عدم تسليمها في كثير من الأحيان، وفي هذا السياق يقول أحد مديري المدارس الذي فضل عدم ذكر اسمه أن وزارة التربية والتعليم لا تفي بالأجور المستحقة لأعضاء لجان المراقبة، مما يدفع ببعضم إلى تحصيلها من الطلاب، في مقابل السماح لهم بالغش، وهذا هو السبب الأهم من وجهة نظره، في حين أن كثيرًا من المعلمين يعتذر عن الاستمرار في عملية المراقبة نتيجة لعدم تسليم المستحقات المالية، وينتج عن ذلك في بعض الأحيان استبدال المعلمين بأشخاص لا علاقة لهم بالتربية والتعليم في بعض اللجان الامتحانية لعملية المراقبة مما يسهل عملية الغش في الامتحانات، وعلى الرغم من تأكيدات الوزارة برصد هذه المبالغ المالية إنها لا تصل للمعلمين في اللجان الامتحانية حسب رأي كثير من المعلمين.

وخلال العام الحالي ظهرت مشكلة من نوع آخر، وهي توقف العملية التعليمية في عدد كبير من المحافظات ولفترات طويلة خلال العام الدراسي بسبب الحروب والنزوح والإضرابات الناتجة عن عدم تسليم مرتبات المعلمين، وبالتالي يتوقع أولياء الأمور أن ظاهرة الغش ستكون أكثر سوءًا هذا العام وأن الامتحانات ستكون عبارة عن عملية شكلية خادعة للتعليم وللمجتمع وللطالب.

 

ضعف التوعية بمخاطر الغش في الامتحانات

مع مخاطر الغش وتأثيره السيئ على التعليم والمجتمع فإن الملاحظ هو ضعف التوعية بمخاطره في وقت مبكر سواء من قِبل وزارة التربية والتعليم، أو الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الرسمية أو قيادات المجتمع والقيادات الدينية، فلم تعد هذه الظاهرة محط اهتمام المجتمع اليمني كما كانت في السابق، فقد انحسرت جهود مواجهتها وقلَّ النقد الإعلامي لها، ليكون ذلك سببًا في لامبالاة المعلمين، وإحباط الطلاب المجتهدين.

ويكتفي الجميع بالتركيز على هذه الظاهرة من خلال تبادل الاتهامات في أثناء ممارسة هذه الظاهرة أيام الامتحانات.

غياب التقييم الخارجي للامتحانات

تحتاج وزارة التربية والتعليم لجهات محايدة تقوم بعملية تقييم شاملة للعملية الامتحانية؛ ليكون هذا التقييم رافد للوزارة يبصرها بمكامن القصور والخلل الذي يعتري العملية الامتحانية، فالتقويمات الصادة عن الوزارة حول عملية الامتحانات العامة لا تكشف كل الحقيقة حول هذه الظاهرة، وتكون متحيزة بطبيعة الحال للوزارة والقائمين على عملية الامتحانات، ومع تواجد عدد من الأجهزة والمراكز التي يمكن أن تسند إليها هذه المهمة إلا أن دورها يكاد يكون منعدمًا في الوقت الحالي.

ويحذر عدد من الأكاديميين في الجامعات اليمنية إلى أن هذه الظاهرة تهدد التعليم في اليمن، ولها انعكاسات سلبية على التعليم الجامعي، ويشير الدكتور محمد شلبي عضو هيئة التدريس بجامعة صنعاء أن ظاهرة الغش تجعل خريجي المرحلة الثانوية ضعفاء، وخصوصًا الطلاب القادمون من الأرياف، وتلجأ الجامعات اليمنية لتجاوز هذه المشكلة إلى فرض امتحانات قبول في غالبية التخصصات العلمية.

وسواءً كانت الآراء التي يطرحها الطلاب وأولياء الأمور وقادة المجتمع اليمني دقيقة بنسبة كبيرة أو تحوي نوعًا من المبالغة إلا على قيادة وزارة التربية والتعليم أن تأخذ كل النقاط المطروحة بعين الاعتبار وتقوم بعملية تقويم شاملة وتتخذ خطوات جادة لتلافي هذه الظاهرة والحد منها حتى يطمئن المجتمع اليمني للمخرجات التعليمية، وتعكس نتائج الامتحانات الواقع الحقيقي للتعليم في اليمن، وتحقق العدالة لكل طالب اجتهد وثابر طوال العام الدراسي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك