البحث العلمي في فلسطين.. أسباب تحول دون تقدمه!

1 نوفمبر , 2017

يُعدُّ البحثُ العلميُّ وسيلةً مُهِمَّةً وأداةً أساسيةً لتقدُّم الدولة ونهضتها على المستوى المحلي والعالمي، وهو مؤشر أيضًا على قوة الدولة ومكانتها، هذا بالإضافة إلى كونِهِ رُكنًا محورِيًّا من أركان المعرفة الإنسانية والصفة البارزة لعصرنا الحالي، هذه المكانة هي التي جعلَتْ بعض الدول تُدرك قيمة البحث العلمي وأهميته؛ فخصَّصَتْ له نسبةً سنويةً ثابتةً من ميزانيتها، كما لم يَعُدْ يُنظر إليه على أنه مجرد كلام نظريٍّ يُدْفَنُ في أمهات الكتب والموسوعات.

فالبحث العلمي اليوم صار هو المدخل الأساسي والقاعدة التي يُبنى عليها التقدم الاقتصادي والعسكري والتقني والتكنولوجي، وهو السبيل لحل بعض المشاكل والآفات الاجتماعية والسلوكية والفكرية؛ فالدول التي احترفت واحترمت البحث العلمي وأجادته خَرَجَتْ من دائرة التخلف والانعزال، وهيمنة الآخر وتقدمت متسارعةً نحوَ الأمام، مستغلة الطاقات الفكرية الموجودة عندها.

ولكن على الرغم من أهمية البحث العلمي واعتراف الجميع بضرورة وجوده ودعمه، إن غالبية البلاد العربية تبدو اليوم في ذيل قوائم دول العالم التي تهتم به وتخصص له حصة معقولة من مدخولاتها، ولا تبدو فلسطين خارج هذه المعادلة العربية، مع تفردها بوجود الاحتلال وتميزها بعوامل أخرى.

وإذا ما حاولنا الاقتراب أكثر من واقع البحث العلمي في فلسطين فيُمكننا القول إنه مع كثافة التَّحديات التي تحاصر الفلسطينيِّ من كل حدب وصوب، فإنه لم يصب بداء اليأس أو الاستسلام، ووجدنا العديد من الاختراقات والنجاحات، لكنها لا تزال في إطار التفوق الفردي البعيد عن تحولها لعمل مؤسسي معتد به.

التعريف أولًا

د. محمود مناصرة عميد البحث العلمي في الجامعة العربية الأمريكية في جنين شمال الضفة الغربية، تحدث عن تعريف البحث العلمي فقال:

“هو بذل الجهد الذهني والجسدي في دراسة مسألة أو مشكلة ما بقصد حلها، بعد التعرف على حقيقتيها وجوهرها، وفقًا لقواعد علمية محددة”.

“وهو أيضًا: مجموعة الجهود المنظمة التي يبذلها الإنسان سعيًا لزيادة المعرفة والإجابة عن التساؤلات التي تواجهه ولتوسيع سيطرته على بيئته واكتشاف ظواهرها. أو هو مجموعة الإجراءات التي يقوم بها الباحث لدراسة قضية ما، من خلال فحص الفرضيات التي يتبناها بغرض إثباتها أو نفيها وفقًا للنتائج التي يتوصل إليها”.

ويلفت الدكتور إلى أن البحث العلمي يهدف عادةً إلى البحث عن المعلومات والحقائق ثم اكتشافها، وإيجاد معرفة وتكنولوجيا جديدة واستنباط مفاهيم ونظريات واختراع أجهزة علمية لدراسة الظواهر المختلفة.

أما عن أبرز المعيقات التي تعترض طريق البحث العلمي في فلسطين، فيشير مناصرة خلال حديثه مع شبكة “زدني” إلى: “وجود جملة من العقبات بعضها ذاتي وبعضها الآخر موضوعي خارجي كقلة الموارد المالية أو الدعم المالي المشروط والموجه، فالبحث العلمي يحتاج لأموال طائلة قد لا يظهر مردودها الربحي على المدى القريب.

إضافة إلى أن بعض المشاريع البحثية بعيدة عن الواقع ولا تنسجم مع الأولويات المحلية، كما أنها كثيرًا ما تكون تكرارًا لمشاريع وبرامج تم تنفيذها، فضلًا عن ضعف التعاون والتنسيق بين المؤسسات، خاصة تلك التي تمتلك الموارد البشرية والمالية كالجامعات والقطاع الخاص” مؤكِّدًا على عدم وجود رؤية عمل واضحة لتنفيذ الاستراتيجيات البحثية لكثير من المؤسسات.

 

تجارة بيع الأبحاث:

ويتابع: “كما لا يمكننا في هذا السياق أن نَغْفُل عن السرقات العلمية التي تعتبر من أهم التحديات التي تواجه البحث العلمي، هذه السرقات قد تكون من خلال نقل مباشر لجهود باحثين آخرين دون نسبتها وردها لمصدرها الحقيقي، وقد تكون غير مباشرة من خلال أخذ الفكرة العامة للموضوع قيد البحث دون إضافة أي محتوى جديد، خاصة أن فضاء الإنترنت صار اليوم متاحًا للجميع، فبكبسة زر يمكن الوصول إلى كم هائل من المعلومات حول شتى المواضيع سواء الإنسانية أو العلمية”.

ويشدد مناصرة على أن الحل الوحيد لمقاومة هذه الظاهرة هي من خلال ترسيخ أخلاقيات البحث العلمي عند الباحثين أولًا، ثم من خلال استخدام برامج حاسوبية خاصة تستطيع معرفة وتحديد مصدر المعلومات الواردة في المواد البحثية، وتحديدًا فيما إذا كانت مسروقة أو من صنع الباحث نفسه.

ويكمل حديثه قائلًا: “بعض الناس للأسف لا يحترم جهود غيره، وينسبها لنفسه بجرَّةِ قَلَم، كما أن غياب جهة فلسطينية تحاسب السارقين وعدم وجود نصوص قانونية تحمي حقوق الملكية الفكرية، كل ذلك أدى لاتساع هذه الظاهرة، مع أن هذا النوع من السرقة لا يقل خطورة عن سرقة الأموال والأشياء الثمينة”.

وتحدث مناصرة عن ظاهرة جديدة بدأت تظهر في فلسطين، هي مراكز تبيع الأبحاث ورسائل الماجستير أو بعضها لطلبة الجامعات والباحثين بهدف الربح المادي، مشددًا على أن هذه المراكز تعتبر كارثة أكاديمية ومشكلة كبيرة تضرب في صميم البحث العلمي؛ لأنها تخرج طلبة لا يعرفون أساسيات البحث العلمي أولًا، فضلًا عن تعزيز روح الاتكالية عندهم.

وأردف قائلًا: “المشكلة أن هذه المراكز مرخَّصة وتعمل بشكل علني تحت مسميات مراكز طلابية ومكتبات تصوير تكون قريبة من الجامعات ومعروفة لدى عموم الطلبة، كما أن أصحابها لا يجدون أي حرج بالترويج لبيع منتجاتهم البحثية”.

 

الاحتلال.. المؤثر الأقوى

أكد الكاتب الباحث ساري عرابي من ناحيته على أن الاحتلال الإسرائيلي يعتبر عائقًا أساسيًّا مهمًا يعترض طريق البحث العلمي ويَحُولُ دون تطويره في فلسطين.

وقال عرابي:

“البحث العلمي بشقيه الإنساني المجرد والعلمي التطبيقي يتطلب توفر مجموعة من العوامل كبناء وإنشاء المختبرات ومراكز الأبحاث، وتزويدها بالمعدات الضرورية، وقبل هذا كله يتطلب استقرارًا نفسيًّا وثباتًا ذهنيًّا، ولكن مع وجود الاحتلال فإن هذه المتطلبات من الصعب توفرها”.

 

وذكر أن: “الاحتلال استهدف وما يزال الباحثين الفلسطينيين من خلال ملاحقتهم واعتقالهم ومنعهم من السفر بقصد إكمال تعليمهم الجامعي أو المشاركة في المؤتمرات واللقاءات العلمية، والحد من حرية تنقلهم داخل فلسطين، ومنع إدخال بعض الكتب المهمة في مجال البحث العلمي”.

واستشهد عرابي باعتقال الاحتلال خلال الفترة القريبة الماضية، خبير الفلك البروفيسور عماد البرغوثي (أطلق سراحه بعد عدة أشهر) عندما كان متوجهًا لحضور مؤتمر عالمي بإمارة الشارقة، يشارك فيه 100 شخصية عالمية، والبرغوثي له عدد من الدراسات البحثية في مجال فيزياء الفضاء، تناول فيها دراسة سلوك أيونات الهيدروجين والأكسجين في فضاء الأرض على ارتفاعات مختلفة، تلك الأبحاث التي تم نشرها في أهم المجلات العلمية العالمية.

كما لا يزال البروفسور عصام الأشقر الحاصل على شهادته من جامعة أوهايو الأمريكية معتقلًا إداريًّا في سجون الاحتلال، مع الإشارة إلى أن له العديد من البحوث العلمية، التي نشر بعضها في المجلات العلمية.

في حين اعتقل الاحتلال عشرات الأساتذة الجامعين من مختلف التخصصات الإنسانية والعلمية في علم الاجتماع والهندسة والقانون والإعلام والطب والكيمياء والفلسفة والاقتصاد والشريعة والآداب والعلوم.

وبيَّن عرابي أن:

“البحث العلمي هو عملية ديناميكية تعتمد على التفكير المبدع الخلاق الذي لا يمكن حث القادرين عليه إلا من خلال توفير المناخ المحفز، فالمتخصص لا يستطيع أن يكون باحثًا مقتدرًا إذا لم تتوفر له الشروط النفسية والأكاديمية التي تحفز على العطاء العلمي، والباحث بحاجة إلى الإحساس بأنه يعمل في ظروف يسودها الشعور بالحرية الأكاديمية والاطمئنان النفسي، وإلا تحول مكان سكنه إلى بيئة طاردة غير مشجعة للبحث العلمي”.

 

لافتًا إلى أن التضييق الذي يمارسه الاحتلال نجم عنه هجرة مئات وربما آلاف العقول الفلسطينية، وانتقالها للعيش والاستقرار في الدولة الغربية، وهو ما حرم فلسطين من هذه الكفاءات المتنوعة التي تشكل العمود الفقري للبحث العلمي والتعليمي.

وتابع: “العامل الاقتصادي لعب أيضًا دورًا رئيسًا في هجرة العقول، فمستوى دخل الباحثين والمدرسين الجامعيين ليس بالمستوى المطلوب، فالجامعات التي هي من المفترض أنها تشكل مركز البحث العلمي تعاني من أزمات مالية خانقة، وهذا نَجَمَ عنه حدوث إضرابات متكررة عن العمل، هذا فضلًا عن غياب الحوافز المعنوية والمادية والجوائز التي تشجع على البحث العلمي”.

 

باحثون بلا حدود

أما د.محمود فطافطة أستاذ العلوم السياسية ورئيس جمعية “باحثون بلا حدود” فقد عدَّدَ بعضَ العقبات التي تواجه البحث العلمي في فلسطين، من بينها ضعف انفتاح الجامعات الفلسطينية على المؤسسات العالمية لدعم البحوث العلمية، وانعدام التنسيق بين المكتبات والجامعات لتوفير المصادر اللازمة للبحوث، بخلاف عدم تفعيل قانون حماية المؤلف، وعدم وجود معايير علمية لتوظيف وتثبيت الأساتذة الجامعيين.

وأوضح فطافطة خلال حديثه مع شبكة “زدني” أن: “ضعف مهارة البحث العلمي لدى الباحثين وانعدام الدافعية عند أعضاء هيئة التدريس بسبب غياب النشر والتقدير الأدبي والتفرغ الكامل، وضعف إجراءات متابعة التحكيم والنشر من قبل عمادة البحث العلمي في الجامعات، إضافة لندرة المجلات العلمية الأكاديمية المحكمة التي تهتم بإصدارات الأكاديميين ونشرها، كلها عوامل تحد من تقدم البحث العلمي وتطويره”.

“وقبل هذا (حسب فطافطة) فإن محدودية انتشار الوعي بقيمة البحث وأهميته في الحياة وانعدام ثقافة الباحث المتفرغ، وانخفاض مستوى المعرفة والتدريب والخبرة بأدوات ومناهج البحث العلمي وضعف ثقافة النقد والتقييم الموضوعي للبحوث المنشورة”.

ويتابع: “هذا بالإضافة لضعف التزام الباحثين بالحيادية والموضوعية العلمية في ظل احتدام الانقسامات السياسية والأيديولوجية التي تسود الأراضي الفلسطينية، والاختلاف والتضارب في مصادر البيانات ومضامينها، الناتج عن غياب المركزية والسياسات الوطنية الموحدة الموجهة للأبحاث، بالإضافة إلى حداثة تجربة السلطة الفلسطينية في مجال الأبحاث والأرشفة”.

وتطرق فطاطفة لتجربة “باحثون بلا حدود”، الجمعية الأولى في فلسطين التي تهتم بقضايا البحث العلمي المتصلة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، منوهًا إلى أنه من صميم أهدافها هو النهوض بقُدرات الباحثين الشباب وتعزيز مهاراتهم البحثية والمعرفية والتواصل مع مؤسسات بحثية فلسطينية وعربية ودولية، والتشبيك معها، إضافة إلى نشر بعض إنتاجات الباحثين، إلى جانب إقامة عدد من الندوات والدورات التدريبية والمحاضرات العلمية.

 

معيقات.. ولكن يمكن التقدم

وقد عرَّج الكاتب والباحث معتصم شعيبات على بعض الاقتراحات التي يمكن من خلال الارتقاء بواقع البحث العلمي في فلسطين، من بينها التركيز على الأبحاث المتصلة بالتقنيات الناشئة، في محاولة لتحويل فلسطين إلى بلد متقدم في بعض تلك المجالات، فالاهتمام بهذا النوع من الأبحاث هو توجه حكيم؛ لكونه سيتيح تحقيق إنجازات علمية واستقطاب استثمارات مهمة، إضافة إلى التركيز على الأبحاث الأقل من حيث التكلفة المادية.

ورأى شعيبات خلال حديثه مع شبكة “زدني” أنه: “من الضروري تشجيع القطاع الخاص المحلي والشركات الأجنبية والجهات المانحة الدولية على المشاركة في تمويل الأبحاث، والانضمام إلى اتفاقيات تعاون وتبادل و تمويل إقليمية ودولية، وذلك بهدف زيادة الكفاءة والتغلب على نقص الخبراء مع تقليل النفقات على المعدات والتجهيزات”.

وأكمل: “من الضروري إذا ما أردنا الارتقاء بواقع البحث العلمي في فلسطين استغلال الإمكانيات التي تتيحها التكنولوجيا لتقليل التكاليف، مثل استخدام شبكات الحاسوب لربط الباحثين لنظائرهم في العالم، واستخدام برامج المحاكاة الحاسوبية بدل تنفيذ بعض التجارب فعليًّا”.

“كما لا بد (وفق شعيبات) اعتماد نظام إداري في مختلف مراكز الأبحاث الممولة حكوميًّا، بحيث يقوم هذا النظام على التعاقد لعدة سنوات مع الباحثين، مع إمكانية التمديد أو التثبيت الدائم أو إنهاء الخدمة مع نهاية التعاقد، وذلك وفق مدى كفاءة وإنتاجية الباحث، هذا النظام من المفترض أن يدفع نحو زيادة إنتاجية الباحثين وتعزيز التنافس، مع تقليص التبعات المالية في حال كانت هناك حاجة للاستغناء عن الباحث أو إلغاء برنامج بحثي ما”.

“من الضروري أيضًا الاستفادة من خبرات الباحثين والمختصين الفلسطينيين الذين يعملون في الخارج في مختلف المجالات الطبية والتكنولوجية والهندسية والدراسات والعلوم الإنسانية ومحاولة جذبهم واستثمار طاقاتهم داخل فلسطين، هذا يعني أن تتحول فلسطين إلى بيئة جاذبة غير طاردة، وهذا يتطلب جهودًا كبيرة”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك