التعليم الديني في السعودية.. بين الرفض والقبول

1 يوليو , 2018

في أحد أروقة الجامعة تجلس “هندي الجابري” تتناقش مع زميلاتها الوافدات من جنسيات أخرى في حكم المسح على الجوارب في الوضوء، ثم سألْنَها أين تعلمتِ أحكام الفقه؟ فردت عليهن “تعلمتُه في المدرسة”، لافتة انتباههنَّ إلى أنهن يدْرُسْنَ في تعليم ما قبل الجامعة موادَّ القرآن والفقه والحديث والتفسير.

وتابعت أن المناهج الدينية التي يدرسونها مبسطة يتعلمون منها تعاليم الدين الإسلامي والعبادات التي يمارسْنَها يوميًّا، فهي وسيلة تثقيفية لهم بيُسر من دون الخوض في تفاصيلَ معقدةٍ لا يفهمها الطالب البسيط.

وتشهد السعودية هذه الأيام تباينًا واختلافًا في المواقف من المناهج الدينية في السعودية، بعد اتهامات لها بأنها مناهج تدعو للتطرف والعنف، وما يظهر جليًّا هو تغييرها والعمل على عولمتها، خصوصًا بعد الإعلان عن رؤية السعودية الجديدة 2030، التي من أهم بنودها تجديد التعليم.

أنفقت السعودية حوالي 2.26 تريليون دولار على التعليم منذ عام 2004 وحتى نهاية العام 2017، تم فيها بناء 5750 مدرسة، كما رصدت 192 مليار ريال لقطاع التعليم في موازنة 2018 الجاري.

 

أساسيات العبادات

يرى “محمد خويلد” طالب في كلية الهندسة، أن المواد الدينية في السعودية مبسطة جدًا ويسيرة، وتقوم فقط بتعليم الطالب أساسيات العبادة، مثل: طريقة الصلاة والوضوء والصور، إضافة لتفسير القرآن الكريم والحديث والتوحيد وحفظ القرآن بشكل صحيح.

 

ويتابع في حديثه الخاص لـ”شبكة زدني”: “لا تطرق المواد إلى الدعوة للعنف والقتل أو ترويع الآمنين، بل وضحت حقوق غير المسلمين وكيف يتم التعامل معهم، ولم تدعُ لقتلهم، كما يروج منادو العلمانية”.

ويتساءل خويلد في حال تم إلغاء المناهج الدينية، كيف سيتعلم الطالب تعاليم دينه الإسلامي، وما المصدر الجديد له لتعلم الدين وأساسياته؟ مؤكدًا أن إلغاء المناهج الدينية من دون وجود بديل لها؛ سيجعل الشباب يلجؤون إلى طرق مختلفة لتعلم دينهم، وسيكونون سلعة سهلة لمحاولة جذبهم لطرق متطرفة، بعكس ما لو تعلمها داخل مدرسته من المناهج المتاحة حاليًّا.

اتهامات مغرضة

 

 

يؤكد “عبادة الحربي” معلم في وزارة التربية والتعليم السعودية، على أن المناهج الدينية في السعودية مناهج وسطية، وأن كل الاتهامات الموجهة لها مغرضة، يروجها أنصار العلمانية والانفتاح؛ أملًا في إلغائها، حتى يصبح المجتمع السعودي مجتمعًا منفتحًا -هكذا يحلو لهم الوصف- كما في الدول الأخرى.

ويضيف في حديثه الخاص لـ”شبكة زدني” التعليمية: “دائمًا ما كانت تحرص وزارة التربية والتعليم في السعودية على التأكيد أن المملكة هي حامية المقدسات، وأنها اتخذت من الشريعة والإسلام دستور حياة لها، واستشعرت مسؤوليتها في قيادة البشرية بالإسلام وهدايتها للخير، في المقابل نجد هجمة شرسة غير مبررة من ليبراليين يدعون لإلغاء كل هذا”.

ويؤكد الحربي أن مسألة المناهج الدينية في السعودية مسألة حساسة جدًا، تخضع بشكل خاص للسلطة السياسية، فهي المتحكم الأول والأخير، وصاحب القرار في البت في هذا الأمر، وترى التراشق ما بين تيار السلفيين وتيار الليبراليين، لكنها هي من سيقرر في النهاية هل سيتم إلغاء المناهج الدينية أو تعديلها فقط.
نزع الهوية الإسلامية تدريجيًا.

وترى “خلود الجابري” معلمة في أحد المدارس الخاصة- أن ما يحدث ما هو إلا نزع تدريجي ممنهج للهوية الإسلامية، بسبب الضغوط الموجهة للحكومة من أمريكا والدول الغربية، وبدء نزع هذه الهوية بسحب مناهج دراسية من المدارس والمساجد، وإبدالها بمناهج أخرى تتماشى مع الخطط الإصلاحية الجديدة التي تنتهجها السعودية، بدعوى “مواجهة التطرف والإرهاب”.

وتضيف في حديثها الخاص لـ”شبكة زدني” التعليمية، ليس خطأ أن يتم تغيير المناهج الدينية أو تعديلها بما يتماشى مع انفتاح المجتمع، وظهور الإنترنت والعالم الافتراضي، وسهولة البحث عن معلومات.

وتشدد خلود الجابري على أن ما هو مرفوض هو التدخل الأمريكي في تعديل المناهج، من خلال جمعيات أمريكية تشارك في ذلك، ووضع معايير جديدة وصفتها بالكارثة؛ لأنها ستحدث نتائج عكسية تنسف قيم المجتمع السعودي ومبادئه.

وترى أن لجوء الرياض إلى جمعيات أمريكية في إعداد وصياغة مناهج دراسية محلية؛ يمثل تنصلًا واضحًا من أهم بنود قانون المناهج القديم، الذي أقرته وزارة التعليم مسبقًا، ويؤكد “الثقة الكاملة بمقومات الأمة الإسلامية، وأنها خير أمة أُخرجت للناس”.

وتختم خلود حديثها قائلة: “ليس هناك ما ينص على اللجوء لأمريكا أو غيرها من الأمم، في إعداد أو صياغة مواد دراسية للسعودية، تهدد مستقبل الطلاب وتضعهم في تناقض مع ما تمت دراسته طيلة العقود الماضية”.

تغيير بنكهة أمريكية

وتأكيدًا على ما أثير من لجوء السعودية لجمعيات أمريكية لتغيير المناهج؛ أعلن وزير التعليم السعودي، “أحمد بن محمد العيسى” في تصريحات مؤخرًا، أن بلاده بدأت بالتعامل مع “الرابطة الأمريكية الوطنية لتعليم الأطفال الصغار (نايك)” من أجل تصميم المناهج والمعايير المنهجية الجديدة، وغيرها من الشركاء الدوليين، وذلك لخبرتها في مجالات تنمية الطفولة المبكّرة.

وأكد العيسى على أن بلاده تعتزم “اتخاذ سلسلة من الإجراءات لضمان جودة المناهج الدراسية، والعمل على الانتقال من التعليم التقليدي إلى منهج قائم على الكفاءة”. وأشار إلى “تغيير كبير مرتقب لدور المعلمين في الصف الدراسي”.

وأضاف الوزير قائلًا: “إن الوزارة وَقَّعَتْ عددًا من اتفاقيات الشراكة مع جهات دولية؛ لوضع “معايير” وإطار عام لتصميم وتنفيذ المناهج الدراسية والتعليم في المملكة، بهدف “تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية في البلاد”.

 

في المقابل صرح وزير الخارجية الأمريكي “ريكس تيلرسون”، أن السعودية بدأت بمواجهة الدعاية المتطرّفة من خلال إدراج مواد جديدة، وسحب أخرى من المناهج الدراسية في المدارس والمساجد؛ تناهض الفكر المتطرف، في إشارة واضحة إلى الحضور الأمريكي القريب من تلك الخطوات في المملكة.
وأضاف أن بلاده أجرت محادثات مع السعوديين تناولت “إدراج المحتوى المناهض للفكر المتطرف في المساجد والمدارس الدينية والمناهج الدراسية المعتمدة”، مؤكدا على أن السعوديين أصدروا في الفترة الحالية مواد جديدة ويسحبون أخرى.

 

تدخل في الشأن السعودي

يصف الباحث السعودي “عبد الرحمن الغامدي”، ما يحدث من محاولات غربية لتغيير المناهج الدينية ومناقشة الكونجرس الأمريكي المناهج الدينية، ما هو إلا تدخل سافر في الشأن السعودي.

 

ويضيف في حديثه لـ”شبكة زدني” التعليمية، أن أمريكا استهدفت -من قبل- تغيير العديد من المناهج في بلدان العالم الإسلامي، مثل: مصر والأردن بما يتماشى مع سياستها، ونزع الهوية الإسلامية، وهو ما يدعو إلى ظهور مجتمع علماني غير مرتبط بشريعة الإسلام التي تضبط سلوكياته.

ويشدد الغامدي على أن أمريكا تريد تغيير هوية الشعب السعودي، بداية من تغيير المناهج الدينية، بدعوى أنها تدعو للتطرف، وبالتالي يتخلى عن تطبيق أحكام الشريعة في أمر ما، مثل الخمر والزنا، باعتبارها أمور شخصية خاصة.

رؤية السعودية 2030

 

 

بعد الانفتاح الذي شهدته السعودية مؤخرًا بقيادة ولي عهدها “محمد بن سلمان”، كان من الضروري إعادة تجديد التعليم بما يتماشى مع الوضع الجديد، ولم ينسَ القائمون على رؤية السعودية الجديدة 2030، أن يضعوا بندًا رئيسًا لتجديد التعليم.

 

ومن الأهداف الجديدة بحلول 2030، سد الفجوة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل، وتطوير التعليم العام، وتوجيه الطلاب نحو الخيارات الوظيفية والمهنية المناسبة، وإتاحة الفرصة لإعادة تأهيلهم، والمرونة في التنقل بين مختلف المسارات التعليمية.

 

واعتبرت الرؤية عام 2015 سنة الإصلاح السريع، و 2016 إصلاحًا سريعًا ممنهجًا ومخططًا له، ثم الانتقال إلى التوسع في التدريب المهني لدفع عجلة التنمية الاقتصادية، والتركيز على فرص الابتعاث في المجالات التي تخدم الاقتصاد الوطني، وفي التخصصات النوعية في الجامعات العالمية المرموقة.

 

ومن أهداف الرؤية أيضًا: أن تصبح خمس جامعات سعودية على الأقل من أفضل 200 جامعة دولية في 2030، وسد الفجوة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل، والاستثمار في التعليم وتزويد الطلاب والطالبات بالمعارف والمهارات اللازمة لوظائف المستقبل، وحصول كل طفل على فرص التعليم الجيد.

وبنيت الرؤية على ثلاثة مرتكزات تعتمد على ما تتميز به المملكة من خصائص ومقومات، وهي: العمق العربي والإسلامي بما يتماشى مع الانفتاح المجتمعي، قوة استثمارية رائدة، والتميز الجغرافي لربط القارات. وتعتمد على ثلاثة محاور طموحة هي: بناء مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر ووطن طموح.

 

عودة الإسلام المنفتح

ويقول التربوي “علي المطيري“، أن رؤية 2030، تعمل على تحقيق هدف تعديل المناهج وتطويرها، حيث تحتاج المناهج إلى الكثير من العمل الجريء، مثل: تقليل الفجوة بين خطاب المواد الدينية والواقع المعيشي للمجتمع، ويدخل في ذلك عدم جعل بعض المسائل الفقهية ضمن الدائرة العقدية، أي: نقل موضوع خلافي ما؛ من منهج الفقه إلى منهج التوحيد، ممّا يضفي على الخلافات الفقهية بُعدًا عَقَدِيًّا حَدِّيًّا.

 

ويضيف لـ”شبكة زدني” التعليمية؛ أن هناك مناهج تحتاج إلى تغيير في لغة الخطاب، كما يجب أن تدعو لعودة الإسلام المنفتح، ونبذ التطرف لمواكبة الرؤية الإستراتيجية الجديدة، خصوصًا أن 70% من الشعب السعودي تقل أعمارهم عن 30 عامًا، وهي الفئة المستهدفة في مجال التعليم.

 

وأكد المطيري، على أن السعودية بقيادة ولي عهدها “محمد بن سلمان”؛ اتخذت خطوات واضحة في الفترة الماضية بشأن تنقيح المناهج وتطويرها، وتعديل المناهج الدينية، وحذف أي عبارات تدعو للتطرف، والعمل فقط على نشر العبارات التي تدعو للسلام والقيم المعتدلة الصحيحة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك