التّعليم في”موريتانيا”… معوّقات جمّة في وجه إصلاح السّلطة المُعلَن

25 أكتوبر , 2016

تبنّت الحكومة الموريتانيّة مشروعًا استراتيجيًّا جديدًا لإصلاح المنظومة التّعليميّة في البلد، على وقع مطالب متعدّدة ومتنوّعة في التّعجيل بإصلاح القطاع، الّذي يعاني خللًا كبيرًا يستدعي التّدخّل العاجل من مختلف المكوّنات، لإنقاذ القطاع حسب العديد من المتابعين.

ويقول مراقبون إنّ استشراء الفساد، وانعدام البنية التّحيّة، وغياب التّأطير، وأمور أخرى عديدة تشكّل عائقًا حقيقيًّا أمام إصلاح التّعليم، فهل سيشكّل الإعلان الرّسميّ لإصلاح التّعليم اعترافًا بالواقع المتردّي للقطاع؟ والعمل على تغييره؟ أم أنّ حجم المعوّقات، وغياب الإرادة الجادّة لإحداث التّغيير سيظلّان السّمة الأبرز أمام إصلاح التّعليم بموريتانيا؟

الإصلاح حبر على ورق

أعلنت الحكومة عام”2015″ سنة لإصلاح التّعليم في موريتانيا، عبر مشروع سيمكّن من إحداث تغيير جذريّ للواقع المزري الّذي يعيشه القطاع، عبر عدّة محاور وأهداف لتحقيق هدف ـ إصلاح التّعليم ـ  الّذي ظلّ مطلبًا للعديد من المنظّمات غير الحكوميّة، والرّوابط والنّقابات التّعليميّةـ عبر عدة سنين ـ.

وكشف الوزير الأوّل “يحي ولد حمدين” في وقت سابق أنّ الحكومة وضعت خطّة لإصلاح التّعليم تقوم على ستّة أهداف منها: إطلاق برنامج الأماكن ذات الأولويّة في التّعليم في الولايات الّتي يلاحظ فيها نسبة تسرّب، ومنح جميع المؤسّسات الأساسيّة والثّانويّة وسائل أمنيّة، وتنظيم مسابقة لاكتتاب مفتّشيّ التّعليم، وعودة التّفتيش إلى الممارسة التّربويّة، معتبرًا أنّه تمّ افتتاح ثانويّات الامتياز وتعميمها لسدّ أيّ نقص في المصادر البشريّة في انتظار تنفيذ هذا الإصلاح الّذي يتطلّب تنفيذه 15 سنة.

ويؤكّد الباحث “أحمد شوقي ولد محمد المختار” أنّ سنة 2015 الّتي أعلنت سنة التّعليم في موريتانيا، تميّزت بكونها من أسوء السّنوات الّتي عرفها قطاع التّعليم رغم إعلانها من طرف السّلطات سنة تعليم بامتياز.

وأضاف “ولد محمد المختار” أنّ إعلان 2015 سنة تعليم، لم تصاحبه إجراءات ملموسة، أو محسوسة لتمييزها عن باقي سنوات التّعليم الّذي يعيش تدن غير مسبوق لمستويات الطّلّاب، وفساد المؤسّسات التّعليميّة، وضعف الرّقابة والتّفتيش، وتدني رواتب المعلّمين، والأساتذة، وتلاعب الإدارة الوصيّة، وتفشّي الجهويّة والمحسوبيّة.

واعتبر “ولد محمد المختار” أنّ المعوّقات الآنفة الذّكر تعتبر كلّها أمور من بين أخرى ساهمت في إضعاف المنظومة التّعليميّة، إضافة إلي غياب مؤثّرات العصر من أجهزة مرئيّة ومسموعة، في المؤسّسات التّعليميّة كافة في موريتانيا، ممّا يؤشّر على مدى عجز السّلطات أو عدم جديّتها في القيام بإصلاح حقيقيّ وجدّيّ لقطاع التّعليم بموريتانيا ليظلّ إصلاحه حبرًا على ورق ومشكلة مستعصية تراوح مكانها.

حجم المعوّقات يقوّض الحلول

يعاني قطاع التّعليم بشكل عامّ في موريتانيا العديد من المعوّقات والتّحديّات الّتي لا زال أغلبها قائمًا، رغم ما تطمح له الجهات الرّسميّة من إصلاح عبر خطوات إصلاحيّة تصفها بالنّوعيّة، وجهود مكثّفة أعلنت عنها الحكومة لتحسين ظروف التّعليم في البلد على أصعدة متعدّدة.

ويرى الخبير والأكاديميّ “أحمد ولد المامي” أنّ التّعليم في موريتانيا يعاني من معوّقات وأزمات تقتضي من الجهات الرّسميّة الجدّيّة والعمل الدّؤوب من أجل خلق ظروف طبيعيّة تسمح “للكادر” البشريّ التّعليميّ بمسايرة ركب الإصلاح، عن طريق زيادة رواتب المعلّمين، وأساتذة التّعليم الإعداديّ، والثّانويّ، والجامعيّ، والعمل على تشييد بنية تحتيّة متميّزة تواكب التّطوّرات الحاصلة.

وأضاف “ولد المامي” أنّ من بين المعوّقات الّتي يعيشها التّعليم غياب استمرار التّفتيش، وحثّ الطواقم التّعليميّة على الوفاء بالتزاماتها تجاه التّلاميذ والطّلبة، كما أنّ المناهج التّعليميّة الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة وتحديث جديد يهدف إلى مسايرتها لركب التّعليم الإقليميّ والدّوليّ، إضافة إلى فتح تعاون مع عدد من الجامعات العالميّة المشهورة ببرامجها التّعليميّة المتطوّرة، والسّماح لعدد أكبر من الطّلبة بالدّراسة خارج البلد عبر زيادة حجم المنح للمتفوّقين دراسيًّا في موريتانيا.

 3-2

تراكمات الماضي

شهد قطاع التّعليم في موريتانيا العديد من محاولات الإصلاح السّابقة، لكنّها جميعًا لم يكتب لها النّتائج، وهو الأمر الّذي أفضى إلى وجود تراكمات ومخلّفات عقّدت إيجاد تصوّر للإصلاح في الوقت المناسب (من وجهة نظر بعض المتابعين)، لكن هناك من يرى طريقة للتّخلّص من تلك التّراكمات عبر طرق جديدة لإصلاح منظومة التّعليم في البلد.

يرى الباحث الموريتاني “أبو بكر ولد أحمدو الإمام” أنّ أكبر العوائق الّتي تقف أمام إصلاح التّعليم في موريتانيا (يشترك فيها هذا القطاع مع غيره من القطاعات الأخرى في البلد)، هي الإرادة الجادّة، مع أنّ هناك عراقيل أخرى من بينها تراكمات الفشل بعد محاولات الإصلاح الجزئيّة في العقود الماضية، والعدد المرتفع نسبيًّا لمحاولات الإصلاح الّتي لم يرافقها توفير المتطلّبات بالقدر الكافي، إضافة إلى حالة الانقسام إزاء لغة التّعليم الّتي جعلته مشتّتًا بين منظومتين عربيّة وفرانكفونيّة والعجز عن إيجاد التّوازن بينهما.

وأَضاف “ولد أحمدو الإمام” :”هناك أيضًا ضعف تشجيع وتكوين المدرّسين، إضافة إلى الاكتظاظ في الفصول الدّراسيّة، والنّقص الحادّ في طاقم التّدريس، خصوصًا بالنّسبة للمدارس في الريّف”.

واعتبر”ولد أحمدو الإمام” أنّ الحكومة الجديدة والحكومات السّابقة لها، لم تضف إصلاحات تذكر في مجال قطاع التّعليم، وسنة التّعليم الّتي أعلن عنها في 2015، لم تحمل جديدًا للقطاع، بل عرفت تراجع نسبة النّجاح في الامتحانات المدرسيّة.

مستقبل التّعليم في موريتانيا… إلى أين؟

على الرّغم من أنّ قطاع التّعليم في موريتانيا يواجه صعوبات جمّة تتمثّل أصلًا في غياب أيّ استيراتيجيّة جادّة وشاملة من شأنها إحداث ثورة في القطاع، إلّا أنّ هناك من يرى أنّ القطاع يحتاج أيضًا إلى زيادة الموارد الماليّة المحدودة، وهو ما يعني أنّ أيّ خطط رسميّة تراعي النّظرتين قد تكون أفضل وأنجع لإصلاح قطاع التّعليم بموريتانيا من غيرها.

وقال مصدر بوزارة التّعليم العالي والبحث العلميّ إنّ العمل جار على تنفيذ الاستراتيجيّة الّتي وضعتها الحكومة لإصلاح قطاع التّعليم، معتبرًا أنّها تشمل العديد من المحاور الّتي ستمكّن من القيام بإصلاح عامّ وشامل للقطاع.

وقال المصدر إنّ ّالحكومة ستعمل بشكل مكثّف على تطوير إمكانيات واقع التّعليم في البلد، عبر هيكلة جديدة ستراعي تحسين جودة التّدريس من خلال وضع خارطة مدرسيّة تشمل التّعليم الأساسيّ، والإعداديّ، والثّانويّ، والجامعيّ، كما ستشمل برنامجًا لتكثيف وتطوير التّكوين التّقنيّ والمهنيّ في موريتانيا.

وخلص المصدر إلى القول: “إنّ الاستيراتيجيّة الجديدة تشمل أيضًا دعم دور القطاع الخاصّ للمساهمة بفعاليّة في النّهوض بواقع التّعليم، والتّكوين في البلد على كافة المستويات (الأساسيّ، الثّانويّ، العاليّ، التّقنيّ والمهنيّ)”.

ويرى مراقبون أنّ قطاع التّعليم في موريتانيا بحاجة لرفع النّسبة المخصّصة له من الميزانيّة العامّة للدّولة، لمواجهة التّكاليف اللّازمة لإصلاحه، وتوحيد الجهود من أجل ذلك، إضافة إلى الاهتمام بالبحث العمليّ، وتحسين ظروف المدرّسين مادّيًّا ومعنويًّا من أجل القيام بعمليّة التّدريس على أكمل وجه، وإعادة النّظر في المناهج الدّراسيّة وتحديثها، والتّوسّع في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات بالبلد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك