التَّسَرُّب الدراسي في المغرب… بين رصد الواقع واقتراحات للمستقبل -الجزء الأول-

10 سبتمبر , 2017

 

“الحصول على تعليم ميسر الولوج وذي جودة” مادَّة 31 من الدّستور المغربي.

شكَّل تعميم التَّعليم أو التَّعليم للجميع أو إلزامية التَّعليم أحد الأهداف التي أَوْلَاها المغرب أهمِّية قصوى منذ الاستقلال إلى الآن؛ فوضعت لها مخطَّطات خماسية، ونُظِّمت منتديات للإصلاح، تحت شعارات: الجودة والقرب والجِهَوية، بل شكَّل التعميم، الدعامة الأولى في الميثاق الوطني للتَّربية والتَّكوين.

على الرغم من كل هذه الشعارات كان الهدرُ المدرسي الذي تزيد نسبته بالوسط القروي يحول دون بلوغ الحاجات المتزايدة لنظامنا التَّربوي في الآجال المناسبة، فنجد الآلاف من الأطفال بالمغرب يجدون أنفسهم في ميدان الشُّغل أو الشَّارع بدل مقاعد الدِّراسة والتَّحصيل، والعديد من التَّقارير الإحصائية الدَّولية والعربية والوطنية دقت ناقوس الخطر، وتشير إلى حقائق مفجعة حول انتشار الأمية في المغرب، التي ساهم في تفشِّيها سوء تدبير قطاع التَّعليم بمناهجه العقيمة التي ساعدت على الهدر المدرسي (التسرب) والمستويات المتدنية للمتخرجين.

إن الهدر المدرسي آفة تشمل أطفال المغرب ذكورًا وإناثًا، لكنها أكثر تفشيًا في عنصر الإناث، ومتجذرة على امتداد التراب الوطني، لكنَّها أكثر حدة وأكثر تجذرًا بالعالَم القروي، الذي هو في أمس الحاجة إلى نوع خاص من التعامل، فحسب إحصائيات سنة 2014 أول ضحايَا الهدر المدرسي بالمغرب هم الفتيات بنسبة 58.4% وأطفال البادية بنسبة 80%.

 

 

إحصائيات عن الواقع المزري للأمِّية في المغرب:

سنشير إلى بعض الأرقام والإحصائيات التي صدرت من مصادر دولية ووطنية، ولكن تتفاوت أرقام الإحصائيات التي تقيس هذه الظاهرة وطنيًّا وبين المنظمات الدولية الْمَعْنِيَّة، وعدم تقاربها ودقَّتها مع بثِّ أرقامٍ تسبِّب تشويشًا للمتلقّي، ولا تنقل الصّورة الحقيقة، ما يشكل عائقًا في إيجاد الحلول حتّى لو سلمنا جدلًا أنَّها حقيقية فهي غير كافية فعلًا لتحديد نسبة الهدر المدرسي والأمية، لذلك تُقلِّل سلطات الدَّولة بالمغرب من شأن هذه التَّقارير الدولية وتعتبرها مبالغًا فيها، لكن مؤخَّرًا  أقرَّ وزير التربية والتعليم حيث قال: “إن مؤشِّرات وتقارير عالمية تجعلنا نفهم ونعترف كم نحن فاشلون” وهو أمر يتَّفق حوله الجميع من فعاليات مدنية ورسمية.

 

ومقارنةً مع الدول العربية والمغرب العربي بالخصوص، يقف المغرب في مؤخِّرة الترتيب من حيث الحرص على إبقاء الأطفال في المؤسَّسات التَّعليمية، فمن خلال البحث الذي قامت به منظَّمة اليونسكو سنة 2004، تبيَّن أن المغرب حصل على أكبر نسبة من الهدر المدرسي في العالم العربي، وهو يحتلُّ في الوقت نفسه المرتبة الثَّانية على مستوى المغرب العربي بعد موريتانيا.

بالبحث نجد أن نسبة الهدر المدرسي مرتبطة بالنَّاتج المحلِّي، ولهذا تونس والجزائر الَّلتان تتميَّزان باقتصاد قوي بعائد إجمالي أكبر من 5000 أورو، هذان البلدان نسبة الهدر المدرسي فيهما هي 2-3% فيما يتعلَّق بالسنة الخامسة من التَّعليم الابتدائي، أمَّا بالنِّسبة للمغرب وموريتانيا الَّلذان يتراوح عائدهما الإجمالي بين 3350 أورو إلى 1750 أورو، فــإن نسبة هدرهما المدرسي في السَّنة الخامسة من التَّعليم الابتدائي هو ما بين 6% و22%.

 

ومع ذلك حقّق المغرب نتائج مشجِّعة فيما يتعلق بنسبة التَّمدرس والمساواة بين الفتيات والذُّكور، على سبيل المثال، قامت وزارة التَّربية الوطنية والتَّعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي بتعاون مع منظمة اليونيسيف ببحث حول البنات والذُّكور، لاحظَتْ من خلاله تراجع نسبة الهدر المدرسي بـ 12 نقطة بين 1997/98 و2002/03 على المستوى الوطني، وسجَّلت 22 نقطة على مستوى الوسط القروي.

 

بالرغم من هذا النَّجاح المسجَّل يبقى هناك عمل الكثير للتَّقليل من هذه الظاهرة، بناءً على إحصائيات وزارة التَّربية الوطنية المسجَّلة في نهاية 2004 على شريحة من التَّلاميذ بلغ عددها 1000 تلميذ مسجَّلين للمرة الأولى في السَّنة الأولى من التَّعليم الابتدائي، 620 وصلوا إلى السَّنة السّادسة أما 380 منهم فقد غادروا مقاعد الدِّراسة قبل الوصول إلى هذا المستوى، إن الوسط القروي هو الأكثر تعرُّضًا لظاهرة الهدر المدرسي أكثر من غيره، رغم أهمِّيته في الطَّبقة الفقيرة في الوسط الحضري، أمَّا بالنِّسبة للأحياء الشَّعبية حيث الوضع الاقتصادي ضعيف، تجد إشكالية الهدر متزايدة مقارنة مع الأحياء الأخرى، من الملاحظ أيضًا إن أكثر التلاميذ الذين يغادرون المدرسة هم أبناء أحياء الصفيح.

 

وتتصدَّر المدرسة الابتدائية قائمة المؤسَّسات التي يغادرها الأطفال دون أن يتمكَّنوا من فك ألغاز الكلمات أو كتابتها، ففي الموسم الدراسي 2005-2006 ترك مقاعد الدرس حوالي 216176 طفلًا، ويمثل هذا العدد 6% من عدد الأطفال المسجلين خلال 2006، وهو عدد ضخم حسب التَّقرير؛ لأن هذه الفئة تكون العمود الفقري للعمالة في المستقبل القريب مما يوجب أن تكون لها من الكفاءات ما يمكنها من الإسهام في بناء المستقبل الأمر الذي يضرب في العمق كل مخطَّطات الإصلاح التي أطلقتها الحكومات المتعاقبة في هذا القطاع.

وإذا ما أردنا بيانات أكثر حداثة، فحسب آخر إحصاء وصل عدد الأطفال الذين غادروا الدراسة إلى عشرة ملايين و18 ألف طفل، وكشفت معطيات حديثة صادرة عن منظمة “اليونيسكو” عن فوارق خطيرة في مجال التَّعليم بالمغرب، وذلك ما يشكل ضربة قويَّة لجهود الحكومة المغربية لتعميم التَّمدرس بالمرحلة الأوَّلية والابتدائية.

وجاء في يوميَّة المساء استنادًا إلى التقرير العالمي لرصد التَّعليم لسنة 2016 الصَّادر عن اليونسكو، أن الفرق في سنوات التعليم التي قضاها الشَّباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 و24 عامًا، حسب الوضع المالي، في الفترة ما بين 2008 و2014، يمكن أن يصل إلى 6 سنوات من التَّعليم، حيث يقضي الشَّباب الأكثر فقرًا 4 سنوات فقط في صفوف الدِّراسة، في الوقت الذي تزيد هذه النِّسبة لدى شباب الفئات المتوسِّطة إلى 7 سنوات، أمَّا شباب الفئات الغنيَّة فيقضون في المعدّل 10 سنوات في صفوف الدِّراسة.

وأشار تقرير منظَّمة اليونسكو 2016، إلى أنَّ 5% فقط من الفتيات الفقيرات يتمكَّن من استكمال دراستهن في التَّعليم الثَّانوي والإعدادي، بينما ترتفع هذه النّسبة إلى 17 في المائة في صفوف الذَّكور من الفئات الفقيرة، وحذَّر التَّقرير من أنَّ المغرب لن يتمكَّن من تحقيق أهدافه الخاصة بشأن التّعليم قبل 50 عامًا تقريبًا.

 

 

فالأمِّية المرتفعة بالمغرب تقف عائقًا عنيدًا أمام انعتاقه من التخلف وتحقيقه للتنمية، فحسب الإحصاء السُّكاني الأخير عام 2014 يوجد نحو عشرة ملايين أمِّي فضلًا عن أكثر من مليون طفل بين 9 سنوات و14 سنة خارج المدرسة، وبالإضافة إلى هذه الكتلة الضخمة من الفتيان الأميين هناك 400 ألف طفل يتركون المدرسة سنويًّا بينما كان العدد في عامي 2004 و2005 حوالي 368 ألف طفل.

نسبة الأمية (بمفهوم انعدام القدرة على التهجي ورسم الحروف) في المغرب تقارب %30 حسب آخر إحصاء رسمي لسنة 2014، وتقول تقارير دولية عديدة بأن النسبة تفوق ذلك بكثير، كما أن %78 من التلاميذ المغاربة لا يحصلون على الباكالوريا (شهادة إنهاء المرحلة الثانوية).

 

فيما تزال الأمية في المغرب مرتفعة فقد أشار تقرير دولي بأن في المغرب ما يزال يضم 10 ملايين شخص يعانون من آفة الأمية، ما يعني أن قرابة ثلث السكان أميون، وتعاني نصف المغربيات فوق سن 15 عامًا من الأمِّية، ووَفقًا لوكالة الإحصاء في مصر عن الفترة الممتدة ما بين 2013-2015 فإن المغرب تفوق فيه الأمية 30%، وطبقًا لبيان نشرته الألسكو في اليوم العالمي لحقوق الإنسان في عام 2016 فإن المغرب يحتل المرتبة الثالثة من عدد الأميين بعد مصر والسودان.

وقدر التَّقرير العالمي لرصد التعليم الذي صدر حديثًا عن اليونسكو عدد الملتحقين بالتَّعليم الابتدائي خلال عام 2014 بـ1.25 مليون و3.57 بالتَّعليم الثَّانوي، إضافة إلى 3.15 تجاوزوا المرحلة الثَّانوية، وبلغ مجموع تلاميذ المرحلة الابتدائية 4.30 ملايين 48% من بينهم هن إناث، مؤكدًا أيضًا أن 89% من التلاميذ تمكنوا من الانتقال من الابتدائي إلى الإعدادي، وبلغ عدد الملتحقين بالتعليم الثانوي خلال السنة نفسها 2.554 مليون تمثل الإناث نسبة 45 في المائة من بينهن، وأظهر تقييم لخطة الطوارئ لعام 2012 أن هناك تقدُّمًا ملحوظًا فيما يخص تطوير خدمات التعليم، لا سيما في القرى والبوادي، إلا أن البلاد تفتقر إلى برامج الحماية الاجتماعية المباشرة للأسر والأطفال الذين يحتاجون إلى الرِّعاية.

 

أول ضحايا الهدر المدرسي بالمغرب هم الفتيات بنسبة 58.4% وأطفال البادية بنسبة 80%، و40% من الأطفال المغادرين يحترفون الآن مهنًا مختلفة.

إكراهات ثقافية واجتماعية تعيق نصف المجتمع من التَّعلم

يبين أطلس اليونسكو المتعلِّق بأوجه التَّفاوت بين الجنسين في مجال التعليم الذي صدر قبل الاحتفال باليوم العالمي للمرأة 8 مارس 2016، أنَّ الفتيات أكثر عرضة للحرمان من حقهن، وذلك مع كلَّ الجهود المبذولة والتَّقدم المحرَز خلال السَّنوات العشرين الماضية.

“لحسن الغروي” رئيس جمعية النهوض بتعليم المناطق النائية بالأطلس الصغير يقول “لزدني”: “يبقى المتضرر الأكبر من الهدر المدرسي في العالم القروي هنَّ الفتيات، وبالخصوص في المناطق النائية فجل الآباء لا يهتمون بتمدرس الفتاة وهي أمور تتحكَّم فيها العادات والتَّقاليد، حيث ما يزال تمدرس الفتاة يعتبر عيبًا في جُلِّ قرانا، بالإضافة إلى بُعد البيت عن المدرسة حيث يحجم معظم الآباء عن إرسال بناتهم للتمدرس خوفًا عليهن، وخصوصًا -هذه الظاهرة تسري على الفتيات أكثر منها على الذكور- لأن الآباء لا يأمنون أن تكون بناتهم دون مراقبة، وبعض الفتيات يكنَّ جِدَّ متفوِّقات ومع ذلك يُحرمن من إتمام تعليمهنَّ لهذه الأسباب أو تلك، وتزويج الفتيات في سنِّ مبكِّرة تصل في بعض الأحيان إلى الثالثة عشر أو الرابعة عشر سنة.

 

تقول “نعيمة” رئيسة جمعية ملتقى المرأة: “إن بعض العادات، والتَّقاليد، والأفكار، والقيم الاجتماعية الخاطئة في المغرب وخصوصًا في البوادي والأرياف كانت من بين الأسباب التي أوجدت مشكلة الأمية، وزادتها حدة وتعقيدًا، فعلى سبيل المثال، ما يزال هناك اعتقاد لدى كثيرين بعدم أهمية تعليم الفتيات، وفي أحسن الأحوال فإنها تقبل على استكمالها مرحلة التعليم الابتدائي لتقف مسيرتها الدراسية عند هذا الحد، ما دام بيت زوج المستقبل هو مآلها، ولذلك استفحلت الأمية بين الإناث من سن 15 عامًا، فأكثر حتى وصلت في العام 1980 إلى 73,5%”.

 

 زهراء (10 أعوام) تقطن في بادية شقران التي توجد في جبال الريف شمال المغرب، تقول لـ”زدني”: “لم أعد أكترث لعدم التحاقي بالدراسة، فمثل شقيقتي سعاد (13عامًا) التي لم تلتحق بالدراسة هي الأخرى، وستتزوج هذه السنة، والأوضاع نفسها تعيشها الكثيرات من بنات قريتي، فما الفائدة التي سنجنيها من الدِّراسة، الأفضل لنا أن نتعلَّم الأعمال المنزلية والحقلية، فهي التي ستنفعنا ما دام مستقبلنا سيكون في بيوت أزواجنا”.

 

ويقول “عادل أمزيان” عضو في الحركة الثقافية الأمازيغية وباحث في الثقافة الأمازيغية وتقاليد الأمازيغ: “إن بعض التقاليد الموروثة عندنا تحرم الإناث من التعليم جراء عدم توافر الوعي الكافي عند بعض القبائل لا سيما عند الآباء غير المتعلمين وما زاد الأمر تفاقمًا أن البعض أسبغ على الاعتقاد بعدم ضرورة التعليم للإناث طابعا دينيًّا، وألبسه ثوبًا إسلاميًّا، على الرّغم من أن الإسلام جعل العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهي دعوة صريحة للتَّعلم، والسعي وراء المعرفة، والتحذير من الوقوع في براثن الأمية”.

ويضيف: “إن الإسلام ثورة على الأمية، وحرب على الجهل والفقر، ولا يجوز أبدًا ربطه بأي شكل من أشكال التّخلف”.

وحسب المؤشر الذي أعدَّه المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2015، فقد صرح عن نتائج سلبية تلك التي حققها المغرب فيما يخص مؤشر المساواة بين الجنسين للعام الحالي، إذ احتل المرتبة 139 من أصل 145 دولة، متأخرًا، سواء على مستوى العالم العربي أو على مستوى المنطقة المغاربية، بمعدَّل لم يتجاوز 0.59 على واحد، فيما احتلت المرتبة 123 بمعدل 0.914 في مجال التَّحصيل العلمي.

 

وأمام هذا الواقع الذي يعانيه نصف المجتمع لا بد من أخذ قضية النهوض بالمرأة تعليميًّا على محمل الجد، ما يسهم في النهوض بالمجتمع عمومًا، إذ تعليم النساء والفتيات على وجه التحديد يمثل أداة قوية منقطعة النظير تتيح تحقيق التحولات الإيجابية، ذلك أنه يعزز من إمكانية حصولهن على فرص العمل، كما يمكنهن من الحفاظ على صحتهن، ومن المشاركة في حياة المجتمع، ويؤثر التعليم كذلك بشكل ملحوظ على صحة أبنائهن، ويعجل من انتقال بلدهن إلى معدلات نمو سكاني مستقرة.”

مرصد “التعليم للجميع”

 

التعليم عند أطفال القرى المغربية كنز مفقود

إن أعلى نسبة للأمية تتركز في القرى المغربية حيث هناك مناطق نائية تصل فيها نسبة الأمية إلى 90%.

“حين يتدلَّل المتمدرسون الصغار بالمدارس الخاصَّة، والأمهات أو المساعدات يتحايلن عليهم لشرب كأس من الحليب في الصباح، وسيارة المدرسة، بانتظارهم أمام باب بيتهم، يكون هؤلاء الذين يقطنون في هذه البادية النائية والمنعزلة أقل حظًّا أو بدون حظ، ينتعلون أحذية بلاستيكية طويلة تقيهم الأشواك والحصى والبلل، يحملون محفظاتهم الثقيلة على ظهورهم ويقطعون مسافات طويلة، مخترقين طرقًا جبليَّة وَعْرَة أو تضاريس صحراوية قاسية، تحت شمس حارقة تكوي جلودهم الطرية أو برد قارس تتيبس له أطرافهم الصغيرة”.

هكذا صرحت نُزهة لـ”زدني” وهي معلمة تُدرِّس في بادية “إيموزار مرموشة” في جبال الأطلس الصغير.

وتضيف “متمدرسي العالم القروي معرَّضون أكثر من غيرهم لآفة الهدر المدرسي لأسباب عديدة، منها أمية معظم الآباء والأمهات، والفقر، وتشتَّت المساكن وبعدها عن المدرسة، ومساعدة الأهل في الأعمال الفلاحية، وعدم توفر وسائل النقل المدرسي، وإن وجد فبنسبة قليلة لا تفي بالغرض”.

إطلالة بسيطة على مقررات التلاميذ وعلى المناهج التعليمية تجعلنا نتأكد بأن المتمدرس أصبح مطالبًا بإنجاز العديد من التحضيرات كلَّ مساءٍ تقريبًا، وهي طريقة ناجعة لتقوية كفاياته، لكنَّ واضعي هذه البرامج التعليمية لم يضعوا في حسبانهم بأن هناك شريحة كبيرة من مجتمعنا تعاني من الأمية، وخاصة ساكنة القرى حيث جل الآباء أميون.

 

حيث يقول أبو طارق بوصفه فلاحًا بسيطًا في بادية “تماسينت” في جبال الرّيف شمال المغرب: “لقد كان طموحي أن يتعلم أبنائي لكيلا يلقوا نفس مصيري فأنا لا أستطيع حتى مدَّ يد العون لأبنائي المتمدرسين، ومساعدتهم في إنجاز تحضيراتهم، حتى ولو للذين ما زالوا في المستوى الابتدائي، فيصطدمون بتحضيرات يعجزون عن إنجازها لعدم توفُّر مساعدة أحد الوالدين؛ فيعرِّضهم لعدم المسايرة؛ فيصعب استيعابهم لما يلقن لهم، كما يتعرضون في كثير من الأحيان لعقاب المدرس، أو لا يلقون الاهتمام الكافي من المدرس، وهذا الأخير له مشاكله التقليدية مع العالم القروي؛ لأن أغلب المدرِّسين الذين يدرسون بالعالم القروي يعتبرون ذلك نفيًا لهم، وهو نفي بالفعل، خاصّة في مثل هذه الجبال النَّائية حيث تضعف البنية التَّحتية؛ الشيء الذي يؤدِّي بالمدرس إلى التغيُّبات المستمرَّة، خاصَّة في الأيَّام المطيرة حيث الطرق تصبح غير سالكة في المناطق الوَعْرة، وكذلك اكتظاظ الأقسام يجعل التواصل صعبًا بين المدرس والمتمدرس كما أن طفل العالم القروي لا يستأنس بالتمدرس في التعليم الأولي، فيصعب التواصل أيضًا معه، وكل هذه الأسباب تؤدي إلى نفور أبنائنا المتمدرسين من المدرسة وبالتالي تعرضهم للهدر”.

 

ويضيف أبو طارق: “من المشاكل المطروحة أمام متمدرس العالم القروي أيضًا -وبالخصوص في القرى النائية- بعد المساكن وتشتّتها، الشيء الذي يجعل المدرسة بعيدة، وهذا البعد يؤدي إلى إرهاق التلاميذ، خاصة وأنهم يضطرون إلى قطع عدة كيلومترات يوميًّا مشيًا على الأقدام، وفي كل فصول السَّنة، فيعانون نتيجة ذلك معاناة كبيرة، والمتمدرس في العالم القروي يدخل المدرسة في سنِّ السادسة، فكيف ستتحمل الطاقة الجسدية لطفل في هذه السن قطع أربع أو خمس كيلومترات في اليوم الواحد ومحفظته الثقيلة فوق ظهره؟ مضافة إليها ساعات الدراسة والتحصيل”.

 

يقول خبير تربوي منتصر الطاهري: “يعتبر التمدرس بالنسبة لمتمدرسي العالم القروي معاناة لا تنتهي فهي تسبب لهم إرهاقًا غير محتمل، وهذا الإرهاق ينعكس على تحصيلهم الدراسي؛ فهم يصلون المدرسة وقد أخد منهم التعب كل ما أخذ فيضعف تركيزهم، كما أنهم بعد عودتهم يحسون بالتعب والإجهاد فيعجزون عن إنجاز تحضيراتهم، ويُضاف إلى همِّهم انعدام من يمدُّ لهم يد العون غالبًا لأمية أبويهم، وكذلك  فقر غالبية سكان القرى، وكثرة الأعمال التي يقومون بها لتوفير لقمة العيش سواء في الحقول أو في تربية الماشية فإنهم يضطرون للاستعانة بأبنائهم في العطل وفي أوقات فراغهم للرفع قليلًا من دخلهم؛ فيؤدي ذلك إلى ضعف التحصيل عند المتمدرسين”.

 

أبو محمد واحد من عشرات – إن لم يكونوا مئات – الآباء الذين أُجبروا على إرغام أبنائهم على ترك الدِّراسة، يقول لـ “شبكة زدني”: “كنت أرغب أن يتخرج أبنائي الثلاثة من الجامعة، لكن ظروفًا كثيرة أجبرتني على حرمان اثنين منهم من مواصلة تعليمهما، فما نحصل عليه من مال لا يكفينا، ونحن نقدم الأهم على المهم، والأهم عندنا أن نسترزق، ونبحث عن قوت يومنا لنعيش فقط، حيث إنني أعمل فلاحًا بسيطًا؛ لأن الفقر كذلك من مسبِّبات الهدر المدرسي، فالفقر الذي نعيش فيه وضعف دخل غالبية سكان القرى نتيجة تعاقب سنوات الجفاف يجعلنا نعجز عن توفير مصاريف تمدرس أبنائنا لارتفاع التكاليف وبالخصوص في السنوات الأخيرة، ولما يتجاوز أبناؤنا المستوى الابتدائي، نجبر على إرغام أبنائنا على ترك الدراسة وسحب أبنائنا من مدارسهم، وخصوصًا البنات فلا يمكننا إرسالهن لمدارس تبعد الكيلومترات عن منطقتنا، والمخاطرة بسمعتهن  طالما ليست هناك ضرورة قصوى”.

 

معضلة أخرى تسهم في تزايد الأمية في العالم القروي وهي عدم استفادة العالم القروي من التنمية ودعم التعليم، حيث يقول أستاذ التاريخ والجغرافيا ورئيس منتدى حقوق الإنسان فرع بني بوعياش “إبراهيم مومي”:

“توزيع المشروعات والميزانيات التربوية والتعليمية في سائر البلاد، يخضع في بعض الأحيان لأسس ومعايير جغرافية، فالاهتمام ينصب أساسًا على العواصم والمدن الكبرى على حساب مناطق الريف والبادية، التي تعاني في العادة سوء توزيع الخدمات التربوية والتعليمية الذي يأخذ شكل غياب المدارس، ونقص الإمكانات والتسهيلات والمرافق التعليمية، وقلة المعلمين، وضعف قدراتهم، وغيرها، الشيء الذي يؤدي إلى حرمان تلك المناطق من حقها في التعليم، ويضيف كثيرًا من سكانها إلى قائمة الأميين”.

ويضيف: “غياب العدالة في توزيع المشروعات والميزانيات التربوية والتي تخضع في الغالب لأسس ومعايير جغرافية، إذ ينصب الاهتمام على مدن الشمال الكبرى من حيث عدد المدارس والإنفاق على التعليم، على حساب الأرياف والبوادي، ما يسهم في زيادة الأميين في المناطق الأقل حظًّا خدمةً وتعليمًا”.

 

يشكل الهدر المدرسي بالوسط القروي، والمتمثِّل أساسًا في عدم التحاق الأطفال بالمدرسة، وانقطاعهم عنها لعدم التَّمكن من ولوج مستويات أعلى، آفة تؤرق بال المسؤولين عن تدبير قطاع التربية والتكوين بالمغرب، فرغم اعتمادات الدولة في هذا الميدان إلى ما يفوق 20% من الميزانية العامة السنوية، ومع ما أعطي للتعليم من أهمية، باعتباره أولوية تأتي مباشرة بعد استكمال الوحدة الوطنية، فإنها تبقى عاجزة عن تحقيق الأهداف المسطرة.

 

العالم القروي في أمسِّ الحاجة إلى نوع خاص من التعامل، تفرضه الإكراهات التي يعيشها هذا الوسط؛ فهو في حاجة إلى فكِّ العزلة عنه وربطه بباقي المناطق بالإضافة إلى توفير الماء والكهرباء والحجرات الدراسية، تجاوبًا مع شعار اليونيسيف: “البنية التحتية قبل البرنامج البيداغوجي”.

يتبع…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك