السوريون في الجزائر: 50 بالمائة من الطلبة بدون تعليم

27 ديسمبر , 2015

تدرس الطالبة السورية “نهى”، في مدرسة إعدادية، في مدينة الدار البيضاء، بالجزائر العاصمة، وتؤدي كل صباح تحية العلم، وتستمع بتمعن كباقي زملائها للنشيد الوطني الجزائري، لتعود بها الذاكرة يوميًا إلى مدرستها في العاصمة السورية دمشق، التي غادرتها منذ 3 سنوات.


“نهى”، لم تخفِ أن هذا السلوك الإلزامي في المدارس الجزائرية، يفتح يوميًا بداخلها جروح حربٍ لا تريد أن تندمل، لكن تعترف بأن الزمن قد ساعدها على أن تعتاد على هذه الجروح يومًا بعد يوم.

وتقول “نهى” التي من السهل عليك أن تميزها بين زميلاتها، من خلال لكنتها الشامية، حتى ولو تكلمت بمفردات من اللهجة الجزائرية: “أتذكر أصدقائي ومدرستي عند سماع السلام الجزائري، لكنني تعودت اليوم، ولم أعد أتأثر كثيرًا بفراقهم، فقد كونت صداقات جديدة”.

الطالبة التي أنهت الأسبوع الماضي امتحانات الفصل الأول، تحدثت لفريق “شبكة زدني”، عن عوائق اندماجها في المدارس الجزائرية؛ بسبب عدة عوامل أبرزها صعوبة فهمها للهجة الجزائرية، رغم الجهد الذي يبذله أساتذتها، وبعض زملائها لمساعدتها على نسيان آلام بلدها سوريا.

ومرت 3 سنوات على التحاق الطالبة السورية نهى بالجزائر، درست في أولاها السنة الخامسة من التعليم الابتدائي، بمؤسسة تربوية أخرى قبل أن تنتقل إلى التعليم المتوسط، وهي اليوم في السنة الثانية منه.

“نهى”، هي عينة من عشرات وربما مئات من التلاميذ السوريين، الذين يواجهون صعوبة في التأقلم مع المنهاج الدراسي الجزائري، والاندماج مع هذه الظروف الجديدة، لمن في سنها رغم التسهيلات والإجراءات المتخذة من طرف السلطات الجزائرية.

2000 سوري يتلقون التعليم في الجزائر

وبحسب وزيرة التربية الجزائرية، “نورية بن غبريت” التي قالت في تصريح للصحافة الجزائرية، بداية السنة الدراسية الحالية، التي انطلقت شهر سبتمبر الماضي، بأن هناك قرابة ألفي طالب وتلميذ سوري، يدرسون في الجزائر، قُدمت لهم كافة التسهيلات للالتحاق بالمؤسسات التربوية.

وقالت الوزيرة “إن التلاميذ السوريين يتابعون دراستهم في المؤسسات التربوية الجزائرية بشكل “طبيعي””.

وأشارت “بن غبريت” إلى أن وزارة التربية الوطنية، وجهت تعليمات لمديرياتها، في كل الولايات الجزائرية، لتسهيل إدماج الأطفال السوريين في المنظومة التربوية في البلاد، وتمكينهم من متابعة مسارهم الدراسي بشكل عادي.

وبخصوص هذه الإجراءات، قالت رئيسة الهلال الأحمر الجزائري “سعيدة بن حبيلس” لفريق “شبكة زدني” إن السهر على تسهيل التحاق الأطفال السوريين بالمدارس الجزائرية، جاء من أعلى هرم في السلطة، فقد وجه الرئيس الجزائري”عبد العزيز بوتفليقة” تعليمات للمسؤولين في قطاع التربية، يأمرهم فيها بالسهر على تدريس هؤلاء التلاميذ.

وأضافت “بن حبيلس” أن الوثائق المطلوبة لالتحاق الأطفال السوريين بالمؤسسات التعليمة في الجزائر، تقتصر على تقديم ولي التلميذ تصريحًا شرفيًا موقعًا من طرفه للمؤسسة التي سينتسب لها ابنه، ودون الحاجة إلى وثائق الإقامة أو التأشيرة.

وبحسب “بن حبيلس”، فإن اهتمام السلطات الجزائرية بتدريس الأطفال السوريين امتد إلى التكفل بمصاريفهم كليًا من أدوات مدرسية وكتب.

ويتولى الهلال الأحمر مهمة التكفل باللاجئين السوريين عبر مختلف ولايات الجزائر، فهو من يتابع ظروفهم على مستوى مراكز خصصت لاستقبالهم، منها مركز سيدي فرج ببلدية سطاوالي غرب العاصمة الجزائر الذي يضم حاليا قرابة 50 عائلة سورية.

50 بالمائة من الأطفال السوريين في الجزائر بدون تعليم

ورغم إقراره بالتسهيلات التي قدمتها الحكومة الجزائرية، للاجئين السوريين، من أجل ضمان تدريس أبنائهم، إلا أن “هواري قدور” الأمين الوطني، المكلف بالملفات المتخصصة بالرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، يقول “إن 50 بالمائة من الأطفال السوريين في الجزائر لا يذهبون إلى المدارس، بسبب تنقل عائلاتهم من ولاية إلى أخرى وعدم استقرارهم في منطقة محددة”.

ويوضح “قدور”، بأن “سن التعليم الإلزامي للتلاميذ الجزائريين، يصل حتى16 سنة من العمر، ومن حق السلطات معاقبة العائلات التي قد تحرم أبناءها منه مهما كانت التبريرات المقدمة، لكن تطبيق ذلك على اللاجئين سواء السوريين أو الأفارقة غير ممكن بالنظر إلى عدم وجود مدة محددة لبقائهم في الجزائر”.

وطالب “قدور” في حديثه مع فريق “شبكة زدني” السلطات الجزائرية، تحسين ظروف استقبال اللاجئين في المراكز المخصصة لهم، التي يراها سببا في تنقلهم المتواصل من بلدة لأخرى.

سوريون يستنجدون لإنقاذ ابناءهم وضمان تعليمهم

ويشير “قدور”الأمين الوطني، المكلف بالملفات المتخصصة بالرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى أن الظروف المالية الصعبة لبعض اللاجئين السوريين، دفعت بهم وبأطفالهم إلى أن يتركوا كل شيء وراءهم، لامتهان التسول؛ الذي قد يؤمن لهم بعض حاجياتهم اليومية، حتى ولو كان ثمنه التخلي عن المشوار التعليمي لفلذات كبدهم.

ويضيف في هذا الشأن، بإن العديد من اللاجئين السوريين، استنجدوا برابطة حقوق الإنسان لإنقاذهم وأطفالهم من جحيم الشوارع، والتي تحاول توجيههم للجهات المختصة للتكفل بهم، قصد ضمان تعليم كل الأطفال السوريين.

لغة التعليم واللهجة المحلية تعيق اندماج التلاميذ

ويؤكد مدير أحد المؤسسات التربوية في الجزائر، رفض الكشف عن اسمه، أن كل الإجراءات اتخذت من طرف السلطات الجزائرية، لإدماج التلاميذ السوريين في المدارس، معتبراً أن حالات عدم اندماج هؤلاء الأطفال تبقى فردية ومنعزلة، وأغلبهم “اندمجوا بشكل عادي” بفضل التسهيلات المقدمة لهم، غير أن “نتائجهم الدراسية تبقى أحيانًا ضعيفة مقارنة بزملاء لهم من الجزائريين”.

ويعزو محدثنا ذلك إلى اختلاف المناهج الدراسية بين الجزائر وسوريا، وأيضًا إلى “ضعف مستوى التعليم في سوريا بعد الحرب، مقارنة بالجزائر وفق ما لاحظته عند التلاميذ الذين التحقوا بمؤسستنا التعليمية”.

ويشير هنا إلى إن أغلب الأطفال السوريين يُعفون من الامتحان في اللغة الرسمية، بالنظر على أن جلهم لم يتعلموها من قبل، في حين تعد “لغة فولتير” اللغة الأجنبية الأولى في النظام التربوي الجزائري. ويضيف بأن”اللغة الإنجليزية، هي الأخرى، تشكل صعوبات لبعض التلاميذ بالرغم من أنها اللغة الأجنبية الثانية عند الجزائريين، والأولى للسوريين”.

وبمركز اللاجئين السوريين بسيدي فرج، التقى فريق “شبكة زدني” الطالب “مصطفى”، القادم من مخيم اليرموك بسوريا، وهو سوري، فلسطيني الجنسية، تلقى تعليمه الأولي في المدارس السورية.

يقول”مصطفى”، الذي يدرس بثانوية “عبد المالك بسطاوالي”: إن نتائجه الامتحانية في امتحان الفصل الأول “لن تكون جيدة”، وذلك في رده على سؤالنا حول تقييمه لأدائه في اختبارات مختلف المواد.

ويشير إلى أنه يجد صعوبة في فهم مختلف المواد، “فالأساتذة يتحدثون أحيانًا باللغة العامية في شرح بعض الدروس، وأنا لم أتعود بعد على فهم جميع مفردات اللهجة الجزائرية”.

وتابع مصطفى قائلاً: “أساتذة اللغتين الفرنسية والانجليزية يقدمون دروسهم كليًا بالفرنسية والإنجليزية، دون شرحها باللغة العربية، وهذا أمر لم أتعود عليه، إضافة إلى أنهم يتكلمون بسرعة، مما يصعب علي إجادة اللغة”.

وتفرض القوانين الجزائرية على الأساتذة والمعلمين، تقديم دروسهم بالعربية الفصحى، لكن بعضهم لا يلتزم بذلك، مادام أن الهدف من تلقين المنهج الدراسي فهمه من قبل التلميذ، كما تلزم مدرسي اللغات الأجنبية على إعطاء دروسهم باللغة التي يدرسونها، وعدم استعمال مفردات عربية في درس الفرنسية أو الإنجليزية.

ولـ”مصطفى”أخ هو “بكر”، يجد أيضًا صعوبة في تعلم الدروس، حسب ما قالته أمهما لفريق “شبكة زدني” التي استغربت عدم التزام الأساتذة بتقديم دروسهم بالفصحى فقط، قصد تمكين جميع التلاميذ من الاستيعاب الجيد، وكذا لإعانتهم على تلقي أكبر عدد من مفردات اللغة العربية.

ولم تخفِ “أم مصطفى” التي كانت تعمل مدرسة في سوريا، في مخيم اليرموك أن هذا الوضع يؤرقها، وتخشى أن يتسبب لولديها في إعادة العام الدراسي.

كما اشتكت “والدة مصطفى” من اختلاف المقرر الدراسي بين الجزائر وسوريا، مشيرةٍ على سبيل المثال أن الإنجليزية تلقن في الجزائر ابتداءً من السنة الإعدادية الأولى، في حين يتعلمها السوريون فيما يعادل الصف الرابع من التعليم المتوسط بالجزائر.

عنصرية غير مقصودة في التعليم!

“أم لين”،سورية حلت بالجزائر منذ 9 أشهر، وتقيم هي الأخرى في مركز اللاجئين بسيدي فرج، تضيف على مشكل اللهجة إحساس أبنائها أحيانًا بالغربة وحتى “العنصرية” ولو كانت بدون قصد.

“أم لين” التي لها ابنتان، هما “لورا” في الصف الثاني الابتدائي، و”لين” في الصف الرابع ابتدائي، قالت لفريق “شبكة زدني” إن ابنتيها تنزعجان ممن يناديهما بـ” أنت سورية”.

وتقر الأم السورية، بأن الجزائريين لا يقصدون بذلك الإساءة أو العنصرية، لكن هذا يجعل الأطفال يتذكرون دائمًا أنهم في محيط لجوء، وفي بلد ليس ببلدهم، مشيرةٍ إلى أنه حتى المعلم في القسم المدرسي، قد لا ينادي السوري باسمه، بل باسم بلده.

وتؤكد “أم لين” كغيرها ممن التقى بهن فريق “شبكة زدني” على التسهيلات التي قدمت من الجزائر لتسجيل أطفالهم في المدارس، كما توافقهم أيضًا على أن اللهجة الجزائرية تصعب على طفلتيها التعلم بسرعة، لذلك كانت نتيجتهما في امتحان الفصل الأول متوسطة.

وقالت “أم لين”، لفريق الشبكة، إن تشتت العائلة، وغياب بعض أفرداها، أثر هو الآخر على مستوى التحصيل الدراسي للأطفال السورين. وتذكر هنا أن ابنتيها يشتاقان دائمًا لوالدهما الموجود حاليًا في ألمانيا، وينتظر تسوية وضعه للالتحاق به رفقة بأبنائها.

وأقرت “أم لين” أن زوجها كغيره من السوريين التحق ببلاد الحرمان هو الآخر عن طريق البحر، كمهاجر غير شرعي، مشيرةٍ إلى أن هذا الموضوع صار معلومًا للجميع ولا داعي لإخفائه.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك