الفساد الإداري والمالي يزحف نحو الجامعات المغربية

4 فبراير , 2018

ما فَتِئَتْ تقاريرُ المجلس الأعلى للحسابات المغربي، وهي مؤسسة دستورية قضائية، ترصد اختلالاتٍ في تدبير المؤسسات الجامعية المغربية، بما ينعكس بالسوء على مستوى البحث العلمي، وعلى تصنيف المؤسسات الجامعية ومراكز الأبحاث الجامعية. وإذا كان مفهوم ظاهرة الفساد المالي والإداري ليس موحدًا، حيث إن الظاهرة تتميز بالتحول والتطور المستمر في الأشكال والمظاهر، إلا أن هناك توجهًا عامًّا حول تعريفها بسوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من أجل تحقيق مكاسبَ شخصية، أو ما يكتسي صفةَ استغلال المركز الإداري لتحقيق مكسب شخصي.

 

وما تجليات الفساد الإداري بالجامعات المغربية؟ وكيف تَعامل المثقفون والحقوقيون المغاربة مع قضايا الفساد المرتبطة بالبحث العلمي؟ وما مآل ملفات الفساد المتعلقة بالبحث العلمي والجامعات المغربية؟ وما حدود المسؤولية؟

أسئلة وغيرها يحاول هذا التحقيق الاستقصائي الإجابة عنها، من خلال مجموعة من المحاور وفَرْضِيَّات للبحث.

ما هو الفساد؟

تتعدد تعاريف الفساد، فبينما يَعُدُّه بعض الناس سوءَ استغلال السلطة لغايات شخصية أو لتحقيق مكاسب خاصة، ترى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي صادق عليها المغرب يوم 9 مايو 2007، أنه يتجلى في الرِّشوة بجميع أشكالها، وفي الاختلاس وإساءة استغلال الوظيفة، وعرقلة سير العدالة، والمماطلة في أداء الحقوق مع القدرة على أدائها.

وتعتبر منظمة الشفافية العالمية أن أبرز الأدوات لقياس الفساد، تتمثل في “مؤشر دفع الرشوة”، و”مؤشر الفساد في القطاع العام”، و”مقياس الفساد العالمي”، ثم “مقياس سيطرة الفساد وهو يبين مدى استخدام السلطة العامة لتحقيق المكاسب الخاصة”.

 

 

مؤشرات الفساد

إذا انطلقنا من فرضية وجود فساد إداري ومالي داخل الجامعات المغربية؛ فذلك يستوجب منا البحث والتحري في مؤشرات هذا الفساد وتجلياته، وتتعدد مصادر هذه المؤشرات، من تقارير وطنية وأخرى دولية ترصد مظاهر الفساد داخل الجامعات المغربية.

 

التقارير الوطنية: أبرز التقارير الوطنية التي ترصد سنويًّا مظاهر الفساد بالإدارة المغربية بصفة عامة، وليس بالجامعات المغربية فقط، تلك الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، وهي مؤسسة نص عليها الدستور المغربي، تتبع الجهاز القضائي، ويشتغل فيها قضاة يعملون على التحقيق في مختلف الملفات المرتبطة بالتدبير المالي والإداري للمؤسسات العمومية المغربية. ورصدت التقارير السنوية للمجلس منذ 2008 وحتى 2012 أساسًا، عددًا من الخروقات المؤشرة إلى درجة الفساد بعدد من المؤسسات الجامعية المغربية.

 

التقارير الدولية: لعل أبرز مؤشر للفساد العالمي، هو الذي تصدره سنويًّا منظمة الشفافية العالمية، وقد خصصت المنظمة مؤشرها لعام 2013 للفساد بقطاع التعليم لـ177 دولة من بينها المملكة المغربية. كما نجد أيضًا تقرير منظمة اليونسكو لسنتي 2013 ثم 2014، والذي صدر تحت عنوان، “التعلم والتعليم: تحقيق الجودة للجميع”.

 

مظاهر الفساد بالجامعة

يسعى الفساد بطبيعته إلى: “التخفي وتطوير آلياته حتى تتفوق على الآليات والفضائح الكاشفة له”، يقول تقرير حقوقي لمنظمة التجديد الطلابية المغربية، صدر قبل أسابيع حول الفساد المالي والإداري بالجامعة المغربية، ويضيف: “هذا ما يجعل الفساد بالجامعة المغربية تختلف مظاهره من مؤسسة إلى أخرى”، ويؤكد التقرير على أنه “رغم المجهود المقدر من طرف الحكومة لمحاربة الفساد بالجامعة المغربية، فإن مظاهر هذا الفساد ما زالت متجلية من خلال عدة مستويات”.

 

تدبير ممتلكات الجامعة: من بين مظاهر الفساد بالجامعة المغربية، ما يتعلق بسوء تدبير ممتلكاتها، بَدْءًا باقتنائها مرورًا باستعمالها وصولا إلى صيانتها، وهو ما يكتنفه غموض كبير، لفتت الانتباه إليه تقارير المجلس الأعلى للحسابات، منها التقرير السنوي لسنة 2008 المتعلق بجامعة القاضي عياض بِمَرَّاكُش مثلا، حيث رصد التقرير كيف أن المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية اقتنت عددًا من المعدات بلغت قيمتها 400 مليون سنتيم (410 ألف دولار أمريكي)، لم يتم تشغيلها لعدم وجود دليل لاستعمالها، وهو الأمر نفسه الذي حصل مع كلية الطب التابعة للجامعة ذاتها باقتنائها معدات بقيمة 300 مليون سنتيم (306 ألف دولار أمريكي)، في حين اقتنت كلية العلوم بمراكش أيضًا، معدات بقيمة 60 مليون سنتيم (61.65 ألف دولار أمريكي)، لم يتم تشغيلها للسبب نفسه”.

 

تزوير النقط والشواهد: تناقلت وسائل الإعلام المحلية أحداث متنوعة لفساد من نوع خاص، عرفَتْه بعض الجامعات المغربية، والمتعلق بتزوير النقط لفائدة بعض الطلبة، والنموذج من جامعة ابن زُهر بمدينة أكادير، حيث لجأت إدارة الجامعة إلى تزوير معدلات بعض الطلبة من أجل الولوج إلى سلك الماستر، منهم طلبة موظفون من أجل الحصول على الترقية، كما تم حصول بعض الموظفين على شهادات الإجازة في سنتين فقط.

 

 

وخلال العام الماضي وضعت المصالح الأمنية يدها على شبكة من الموظفين بجامعة ابن طفيل بمدينة القنيطرة، وكانت خلية الموظفين متخصصة في تزوير نقط الماستر، وخلال الموسم الجامعي الحالي، كشف أساتذة جامعيون بكلية الآداب السويسي بالرباط، عن تزوير نقط أساتذة شعبة علم الاجتماع، حيث عمد بعض الناس إلى تزوير عدد من بيانات النقط التي يقدمها الأساتذة للإدارة.

 

الصفقات العمومية: إذا كانت منظمة الشفافية الدولية، أكدت أن الكلفة السنوية للفساد في الصفقات العمومية بالمغرب وَصَلَتْ إلى أكثر من 27 مليار درهم (3,6 مليار دولار)، على اعتبار أن كُلْفَة الفساد في تمرير هذه الصفقات بشمال إفريقيا والشرق الأوسط تمثل 0,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فإن تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2008، رصد أيضًا خروقات في مجال الصفقات العمومية بالجامعة المغربية، وأوضح أن البرنامج المعلوماتي المتعلق بالنقط، كلَّف جامعة القاضي عياض بمراكش مصاريف بَلَغَتْ 950 ألف درهم (97 ألف و265 دولار أمريكي)، خصصت للتكوين، بينما لا توجد أي وثائق توضح محتوى هذا التكوين أو عدد المستفيدين منه، وهو الأمر نفسه مع الممتلكات المنقولة، حيث لم يعثر المجلس على سجلات لجرد المعدات، أو وثائق تحدد وجهتها وأثمان شرائها، أو مرجعيات الطلبيات التي اقْتُنِيَتْ في إطارها، وهو ما يخالف المقتضيات القانونية المنظمة لإبرام الصفقات العمومية بالبلد.

 

الرشوة والزبونية: حسب تقرير مؤشر الفساد العالمي لسنة، اعترف خمسة المغاربة المستجوبون بأنهم أدوا رشاوى من أجل التعليم، وهو ما يؤشر على تفشي الزبونية والمحسوبية خلال عملية انتقاء الطلبة بمختلف أسلاك التعليم الجامعية، وأيضًا من أجل الحصول على غرفة بالحي الجامعي.

 

تقول طالبة جامعية في حديث لـ”شبكة زدني”: “الجميع يعرف وعلى علم بأن بعض الطلبة يدفعون مبالغ مالية من أجل تحقيق أملهم في متابعة الدراسة سواء بالماستر أو الدكتوراه، إذ يتم دفع مبالغ تتجاوز أحيانًا خمسة ملايين (سنتيم)، (5119 دولار أمريكي)، مقابل قبول ملفهم الجامعي”.

تضيف الطالبة: “في النهاية هناك فساد كبير، سواء تعلق الأمر بدفع مبلغ مالي للتسجيل في الجامعة، أو تعلق الأمر بالواسطة والأسبقية والزبونية”.

 

ورصدت إحدى لجان التفتيش ملفات طلبة مسجلين دون أن يجتازوا مباراة الانتقاء، أو أن تتوفر فيهم الشروط المطلوبة حسب الدفتر البيداغوجي المعمول به، ومن بين هؤلاء الطلبة، تحدث وسائل الإعلام المحلية عن تورط مسؤولين في الإدارة وبرلمانيين أيضًا، استغلوا نفودهم للتسجيل في سلك الماستر أو الدكتوراه.

 

التحرش الجنسي: خديجة رباح، الفاعلة الحقوقية والمنسقة الوطنية للحركة من أجل ديمقراطية المناصف، ترى في حديث لـ”شبكة زدني”، أن ظاهرة الابتزاز الجنسي للطالبات بالجامعات المغربية “كانت من الظواهر المسكوت عنها”، وقالت “إلى وقت قريب لم يكن أحد يستطيع أن يتحدث عن الظاهرة أو يكشف حقيقتها، اليوم بفعل انتفاضة من يمارس عليهم التحرش الجنسي، بدأنا نرصد حجم الظاهرة وخطورتها”.

وتؤكد الفاعلة الحقوقية على أن المقاربة الملائمة للتصدي للظاهرة، “تتمثل أولا في إعمال المقتضيات القانونية الزجرية، وإصدار أقصى العقوبات في حق الجناة، والعمل على عدم إفلاتهم من العقاب، بالإضافة إلى اعتماد المقاربة التحسيسية التوعية، اتجاه الطلبة والطالبات، ومختلف الأطر الجامعية والتربوية”.

 

ولعل أبرز حدث شهدته الجامعة المغربية، والمتعلق بالتحرش الجنسي، حين أقدمت الطالبة “سناء هدي”، على الانتحار بجامعة ابن زهر بأكادير سنة 2009، بعدما تعرضت لتحرض جنسي من طرف أستاذها الجامعي، والذي أدين قضائيا واعتقل لسنوات.

 

ويظل في الغالب الصمت سيد الموقف، حيث تلجأ الطالبات في الكثير من الأحيان، إما بسبب الخوف أو غياب الضمانات القانونية، إلى الصمت وعدم فضح الابتزاز الجنسي الذي يتعرضن له، من طرف موظفين أو أساتذة.

 

الإحالة على القضاء

وزير التعليم العالي السابق، لحسن الداودي، ومباشرة بعد تسلمه مفاتيح الوزارة، عقب أول انتخابات تجرى في ظل الدستور المغربي الجديد الذي اعتمد بعد ما يسمى بالربيع العربي، أقدم على إحالة مجموعة من ملفات الفساد داخل وزاراته إلى القضاء، ويتعلق الأمر أساسا بملفات التلاعب في شهادات المعادلة الجامعية من خلال حصول بعض الطلبات على المعادلة خارج إطار القانون والمعايير المعتمدة في هذا الباب، وراسل الوزير زميله في الحكومة وزير العدل والحريات، لفتح تحقيق في ملفات أخرى تتعلق بأطباء حوادث الشغل، حصلوا على شهادات المعادلة بطرق ملتوية. وتداولت وسائل الإعلام المحلية آنذاك، أنباء عن تورط أبناء شخصيات معروفة بالبلد، في شراء شهادات جامعية من إحدى الكليات الجامعية بمدينة الدار البيضاء.

 

وكان لحسن الداودي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر السابق، قال في معرض رده على سؤال نائب برلماني بمجلس النواب المغرب، “هناك بعض بؤر الفساد بجامعات المملكة، وسوف تُحارب”.

 

وتوصلت وزارة التعليم العالي بالمغرب، خلال سنة 2014، بأكثر من ألف شكاية من الأستاذة والطلبة والأطر الإدارية، يشتكون فيها مما يعتبرونه فسادًا في الجامعات، بالمقابل، قامت الوزارة بإجراء 80 عملية تفتيش في جل الجامعات المغربية، حيث اكتشفت وجود أزيد من 10 اختلالات في الكليات، أحيلت كلها على القضاء، وهو ما أفضى إلى عزل 3 عمداء.

 

رأي حقوقي

يرى خالد الشرقاوي السموني، مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والإستراتيجية، في مقابلة مع “زدني” أن الجامعة المغربية تعاني من الفساد بشكل متزايد خلال السنوات الماضية.

وقال السموني لـ”زدني”: “إن هناك فسادًا أشد خطورة من الفساد الإداري، يتعلق بالفساد الأخلاقي، وسجَّل المتحدث وجود أساتذة جامعيين يتحرشون جنسيًّا بالطالبات بهدف إغوائهن وإسقاطهن في علاقات غير بريئة. ودعا الفاعل الحقوقي المغرب وزير التعليم العالي المغربي إلى أن يتسلح بالجرأة لاتخاذ اجراءات حازمة ضد الفساد على ضوء تقارير المفتشية العامة للوزارة.

وزاد المتحدث: “من غير المعقول أن يكتفي وزير التعليم العالي عن إجراء عمليات تفتيش وإنجاز تقارير، بل المطلوب جرأة حقيقية لتنقية الجامعة من الفساد، انطلاقا من إجراءات إدارية وقضائية”. وشدد على أن مصير تقارير المفتشية العامة التي تقع على عاتقها مسؤولية التدقيق في مختلف أنواع الفساد الإداري والمالي، “مجهول لدی الرأي العام، ونخشى أن توضع في الرفوف ويطالها النسيان، كما طال العديد من الملفات السابقة”.

 

مقترحات لمواجهة الظاهرة

يؤكد رشيد العدوني، رئيس منظمة التجديد الطلابي، التي أعدت قبل أسابيع تقريرًا يرصد مظاهر الفساد المالي والإداري بالجامعة المغربية، أن منظمته تقدم مقترحات لمحاربة الظاهرة، منها “ضرورة إشراك الطلبة ومنظماتهم المدنية والنقابية والمجتمع المدني في الرقابة على مختلف عمليات التدبير المتعلقة بالشأن الجامعي”، بما في ذلك يضيف العدوني في تصريح لـ”زدني”: “الصفقات العمومية والتغذية والاستفادة من المنح والسكن الجامعي والولوج للماستر والدكتوراه..”.

 

وطلب رئيس أكبر منظمة طلابية بالمغرب، من النيابة العامة أن تبادر إلى التحقيق في مختلف شبهات الفساد وترتيب العقوبات والجزاءات المناسبة طبقًا للقانون، وكذا “إحالة جميع الملفات المثارة في التقارير الرسمية أو تقارير المنظمات المدنية أو في وسائل الإعلام على القضاء من أجل البث فيها وتطبيق القانون”، ثم “فتح تحقيق شامل حول الميزانية المخصصة لتطبيق 17 عقدًا من أجل الجامعة المغربية، الذي شكل تنزيلا للبرنامج الاستعجالي بالجامعة”، ودعا العدوني أيضًا في حديثه مع “زدني”، إلى “تعزيز الشفافية والمراقبة الذاتية والخارجية لمباريات الولوج لسلك الماستر والدكتوراه”، ثم “إعادة النظر في القرار الوزاري المنظم لمباريات التوظيف في منصب الأساتذة الجامعيين المساعدين”، وكذا “إعادة النظر في القوانين المنظمة للتعليم العالي وخاصة القانون والمرسوم المتعلقين باختصاصات لجان العمالات والأقاليم للمنح الجامعية”.

 

ومن بين المقترحات التي تقدم بها رئيس المنظمة الطلابية: “تقنين نظام التكوين المستمر، وتوحيده وإقرار مبادئ الحكامة والنزاهة والشفافية وحماية المال العام”، ثم “إصدار تقرير سنوي يرتب الجامعات حسب حكامتها”.

 

ولفت رئيس منظمة التجديد الطلابي الانتباه إلى أن منظمته أصدرَتْ تقريرها حول الفساد بالجامعة بمناسبة مرور سنة على إطلاقها للمعركة الوطنية ضد الفساد الإداري والمالي بالجامعة المغربية، وأضاف، “هذا العمل نقوم به انطلاقًا من الغَيرة على المرفق الجامعي وقيامًا منا بالمسؤولية، باعتبارنا منظمة مدنية جعلت من شعار جامعة المعرفة قضية مركزية في عملها”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك