“القيم الكونية والهوية”: أهم ما ركزت عليه تعديلات المناهج في المغرب -الجزء الأول-

15 أبريل , 2017

تحكي فاطمة عن معاناتها في بداية السنة الدراسية لهذا العام، وهي تبحث عن مقرر “التربية الإسلامية” لولديها، “لقد عانيت كثيرًا هذه السنة ذهابًا وإيابًا للمكتبات وأنا أبحث عن مقرر التربية الإسلامية لولديَّ؛ فلم أعثر عليه إلا بعد مرور أكثر من أسبوعين على بداية السنة الدراسية بسبب تغييرات طارئة في برامج التعليم في آخر لحظة”.

لقد تمَّ تغيير مقررات التربية الإسلامية بناءً على إرادة الملك محمد السادس، وكان العاهل المغربي، قد أمر في شهر فبراير من سنة 2016 كلًّا من وزيري التربية الوطنية والأوقاف والشؤون الإسلامية، بضرورة مراجعة مناهج وبرامج مقررات هذه المادة المدرسية، وشدد في بيان للديوان الملكي على أن “ترتكز هذه المراجعة على القيم الإسلامية السمحة، وفي صلبها المذهب السني المالكي الداعية إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية، والتفاعل الإيجابي والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر”.

أخضعت وزارة التربية الوطنية المغربية مناهج ومقررات التربية الإسلامية في المدارس المغربية، لـ “المراجعة الشاملة” وفق التوجهات الجديدة التي “تراعي القيم الأصيلة للشعب المغربي، ومقومات الهوية الوطنية بثوابتها الدينية ومكوناتها المتعددة، ووفق منهاج التربية الإسلامية”.

وأرجع بيان صادر عن وزارة التربية الوطنية، في أول السنة الدراسية لهذا العام، تأخر صدور الكتب المدرسية (المقررات الدراسية الخاصة بالمراحل التعليمية الثلاث، الابتدائية، والإعدادية، والثانوية التأهيلية) الخاصة بمادة التربية الإسلامية، إلى كون الكتب الجديدة في طور الطباعة لدى الناشرين، بعدما خضعت لمراجعة شاملة، وكان قد أكد مصدر مسؤول من وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، في تصريح لموقع “هسبريس” أن سبب تأخير إخراج مناهج التربية الإسلامية لمستوى التعليم الثانوي إلى الوقت الحالي راجع إلى أن طباعتها تمت خارج أرض الوطن.

ولم يشر آنذاك البيان إلى نوع التغيير أو المراجعة، لكنه أشار إلى شراكة وزارة التربية الوطنية، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وفق مضمون ورؤية جديدة لمادة الدين بما يتفق مع أعمار الدارسين وزمانهم ونموهم العقلي والنفسي والسياق الاجتماعي، وتنشئتهم وبناء شخصيتهم بأبعادها المختلفة الروحية والبدنية وإعدادها إعدادًا شاملًا ومتكاملًا.

ويصرح موظف في وزارة التربية الوطنية “بأن أساتذة ومؤطرو المادة ملتزمون بالمنهج الحالي، وبالكتب المدرسية الحالية المصادق عليها من طرف وزارة التربية الوطنية من خلال لجان متعددة، ولا يوجد في هذا المنهج أو في هذه الكتب ما يتعارض والثوابت السابقة، أو ما يحول أو يمنع تحقق الانفتاح والتطور والتقدم المنشود”.

تعديل مقررات التربية الإسلامية: الإبقاء على الإسم والإفراغ من المضمون

كان تحوير موضوع التربية الدينية عند البعض مع توجيه انتقادات لمضامين كتب التربية الإسلامية بداعي عدم مواكبتها للعصر، وتشبث فريق آخر بالقيم الدينية باعتبارها أحد مرتكزات الهوية، وقد اشتد ذلك مع صياغة مقررات التربية الإسلامية حيث سرب للرأي العام تغيير عنوان كتب المادة من “التربية الإسلامية” إلى “التربية الدينية”؛ مما اشتدت معه حدة السجال الذي سيدفع الوزارة الوصية إلى العدول عن تغيير اسم الكتاب المدرسي، ولكن ستتشبث بتغيير مضمونه.

تغيير “التربية الإسلامية” إلى “التربية الدينية” يثير جدلًا واسعًا

كان وزير التربية الوطنية والتكوين المهني، بالمغرب رشيد بلمختار، قد قرر تغيير اسم مادة “التربية الإسلامية” إلى مادة “التربية الدينية”، لكن هذا القرار أثار استغراب عدد كبير من أساتذة التربية الإسلامية حيث راسلت “الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية” برسالة إلى الوزير المغربي من أجل الاستفسار حول الموضوع، معربة عن استيائها ورفضها القاطع لتغيير اسم المادة إلى أي اسم آخر غير “التربية الإسلامية”، لاعتبارات عديدة.

ومن بين الاعتبارات التي ساقتها الجمعية في عريضة لرفض القرار على موقع أفاز، كون “التربية الإسلامية تعبير صريح وبليغ عن تشبث المغاربة بالإسلام على مدى أربعة عشر قرنًا، وممارسة لسيادتهم، وترسيخ متواصل للهوية الإسلامية للشعب المغربي في إطار وحدة المذهب المالكي في الفقه والمذهب الأشعري في العقيدة، وإمارة المؤمنين، ومن ثم فلا بد من الانتصار للدستور المغربي بالاستناد إلى مرجعياته والالتزام بمبادئه وبنوده في مراجعة وصياغة المناهج خاصة على مستوى القيم والثوابت الوطنية والدينية في مقدمتها العقيدة الإسلامية”.

والجمعية قد عبرت عن موقفها من نقطتين أساسيتين، الأولى مرتبطة باسم المادة ومحاولة تغييرها باسم “التربية الدينية” بدل “التربية الإسلامية”، مما فتح نقاشًا عامًّا ساخنًا عن هذه التسمية، انتهى بتوجيه الجمعية ثلاث رسائل إلى كل من رئيس الحكومة، ووزير التربة الوطنية والتكوين المهني، ورئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، كان من نتائجه التراجع عن هذا الاسم والاحتفاظ باسم مادة “التربية الإسلامية”.

والنقطة الثانية مرتبطة بالمدة الزمنية المخصصة لإنتاج الكتب المدرسية والصعوبة القصوى لكسب رهان إصدار الكتب في مطلع الموسم الدراسي بالجودة التي ينتظرها المعنيون والرأي العام، وهو ما دفع بأعضاء من المكتب الوطني المعنيين بالتأليف إلى الانسحاب من هذه العملية.

محمد أمزيان باحث مغربي، وهو علماني مهتم بالشأن الديني، يرى أن قرار الوزارة بتغيير اسم “التربية الإسلامية” إلى “التربية الدينية” قرار صائب، مشيرًا إلى أن هذا القرار يأتي في إطار تنفيذ أوامر الملك محمد السادس، التي وجهها في وقت سابق إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق وإلى وزير لتربية الوطنية والتكوين المهني، بضرورة مراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الدينية.

وأوضح أمزيان في حديثه أن القرار يعد “إجراءً أوليًّا، ولا ينبغي تضخيمه وإعطاؤه أكبر من حجمه، بل المطلوب هو أن تتبعه إجراءات أخرى تنصب على إعادة النظر في مناهج ومضامين المقررات الدراسية وعلى رأسها مادة التربية الإسلامية، حتى تسير في اتجاه التحديث والانفتاح على مجتمع المعرفة ومستجدات العصر، وستنتهي هذه التدابير بطبيعة الحال برفع تقرير إلى الملك”.
وأضاف أمزيان أن “استعمال اسم التربية الدينية، ينسجم مع التعدد الديني بالمغرب، فهناك مغاربة يعتنقون ديانات أخرى مثل اليهودية والمسيحية، وينسجم أيضًا مع مؤسسة إمارة المؤمنين وليست إمارة المسلمين، والمؤمنون هنا هم المسلمون واليهود والنصارى، وأمير المؤمنين يضمن للجميع ممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية”.

وأشار أمزيان إلى أن “تغيير الاسم لن ينقص من شأن المسلمين ولا من إيمانهم، وإنما سيعطي انطباعًا جيدًا بأن المغرب بلد التعدد الإثني وتعايش الأديان، وأن “عقد المواطنة” هو الذي يلتزم به الجميع، دون أن ننسى أن من أهم توصيات “إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي” المنعقد بداية العام الجاري بالمغرب، هو دعوته للساسة وصناع القرار إلى “اتخاذ التدابير السياسية والقانونية اللازمة لتحقيق المواطنة التعاقدية، وإلى دعم الصيغ والمبادرات الهادفة إلى توطيد أواصر التفاهم والتعايش بين الطوائف الدينية في الديار الإسلامية”.

ودعا أمزيان إلى “تغيير اسم وزارة الشؤون الإسلامية إلى وزارة الشؤون الدينية حتى يقع الانسجام. والذي أخشاه هو أن يكون الذين يناهضون هذه الإصلاحات تحركهم مصالح سياسية آنية.” على حد قوله.

وتابع بالقول “الأكيد أن كثيرًا من المداد سيسيل جراء التعاطي مع هذا الملف، وربما ستكون هناك اصطفافات معينة، أو حتى الالتجاء إلى طرق الاحتجاج من قبل المناهضين لتغيير اسم التربية الإسلامية أو تغيير بعض مضامينها”.

بينما يرى إبراهيم الفقيه من جهته، وهو أستاذ لمادة التربية الإسلامية وعضو “الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية” أن المقاربة التي تم اتخاذها من قبل الوزارة مقاربة أحادية، وذات طابع استعجالي، حيث لا يعقل أن يتم طبع الكتاب لمدرسي (مقررين للأستاذ والتلميذ) في شهر ونصف بين يوليوز وغشت 2016، حتى دور النشر قالت إن هذا الأمر غير ممكن في هذا التوقيت”.

وأضاف الفقيه في تصريح لنا أن “المعني بالأمر هو أساتذة التربية الإسلامية ولم يستشرهم أحد، والمفتشين لا علم لهم، مشيرًا أن عملية التجديد مست مكونًا يحتاج إلى نقاش عمومي”.

وحول الأسباب التي دفعت الوزارة إلى هذا التغيير يقول الفقيه “لا يمكن للمادة أن تشكل أي دعوة إلى العنف، شأن مادة الاجتماعيات التي يوجد بها دروس الحروب العالمية، موضحًا في هذا السياق أن الأستاذ له ضمير مهني هو ما يحركه داخل الفصل وليس المقرر المدرسي”.

وبيَّن الفقيه أن “الإشكال القانوني مطروح لأن طبع مقررات جديدة يحتاج إلى طلبات عروض، بينما ستعتمد الوزارة على دور النشر القديمة، كما أن هذا الأمر سيدخلنا في نقاش ثنائي بين من مع التربية الإسلامية ومن ليس معها وهو نقاش لا طائل منه”.

معتبرًا أن “المادة مستهدفة والدستور المغربي واضح ويشير إلى أن الإسلام هو دين الدولة وعليه فالمنطقي أن يكون الاسم هو التربية الإسلامية”.

عبد الحق الطويل هو أيضًا أستاذ للتربية الإسلامية وعضو في “الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية” حيث يذهب في الاتجاه نفسه زميله ويشرح لنا “إن المذكرة الرسمية التي تحث على تغيير اسم وصفة التربية الإسلامية بالتربية الدينية، يعتبرر أكبر تحد واجهته الجمعية وتطورًا خطيرًا على مستوى تعامل الجهات الوصية مع المادة اسما ومسمى، ومن هنا كانت انتفاضة الجمعية، وبروح من المسؤولية والوطنية، أمام محاولة تغيير اسمها وجعلها تربية دينية، خاصة في بلدنا الذي لا يعرف طوائف دينية، ولا رجال دين، ولا هي دولة دينية، وتسعى إلى التشبث بالوحدة الوطنية كقضية لها أولويتها، من خلال جمع شتات الأمة على منهج وسطي متوازن، نريد ترسيخه من خلال منهاج مادة التربية الاسلامية.”

ويضيف الطويل “وإذا كان المسؤولون قد اضطروا للتراجع عن تغيير صفة المادة، فإننا نعتقد أنه لا يكفي تغيير المصطلح، بل ننظر إلى ما يحمله كل مصطلح من دلالة، وما ينتجه من أثر؛ لأننا نجد أنفسنا أمام منهاج جديد لمادة التربية الإسلامية صيغ في ظروف، ووفق شروط، وخضع لضغوطات وإكراهات، جعلته قاصرًا عن تحقيق مطلب الأساتذة وحاجات المتعلمين في التطوير والتجديد في الطرق والمضامين …”.

كما دعت الجمعية للحفاظ على اسم مادة “التربية الاسلامية” واعتبرت أن عملية مراجعة مقررات التعليم في المغرب وبالخصوص مقررات “التربية الإسلامية” تم تعويضه بمصطلح غريب (التربية الدينية).

حدة هذا الجدال سيدفع الوزارة الوصية إلى العدول عن تغيير اسم الكتاب المدرسي من التربية الإسلامية إلى التربية الدينية، ولكن ستتشبث بتغيير مضمونه.

أهم التعديلات التي شملت مضامين مقررات التربية الإسلامية

شملت التعديلات في المغرب مقرر التربية الإسلامية في كل المستويات، فقد عملت وزارة التربية الوطنية بشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على “مراجعة المنهاج الدراسي لمادة التربية الإسلامية في المراحل التعليمية الثلاث (الابتدائية، والإعدادية، والثانوية التأهيلية)، وفق تصور جديد للمادة يروم تلبية حاجات المتعلمين والمتعلمات الدينية، التي يتطلبها سنهم وزمانهم ونموهم العقلي والنفسي والسياق الاجتماعي وتنشئتهم وبناء شخصيتهم بأبعادها المختلفة، الروحية والبدنية، وإعدادها إعدادًا شاملًا ومتكاملًا”.

مناهج الصفوف الابتدائية: “عمر أوشان” معلِّم في المستوى الابتدائي يُدرس اللغة العربية يقول لنا “إن خصوصية مادة التربية الإسلامية لا يخرجها من زمرة المواد الدراسية التي ينبغي في بناء منهاجها استحضار مجموعة من الأسس التربوية والعلمية الكفيلة بتحويل مادتها العلمية إلى مادة تعليمية تتماشى وواقع المتعلم وتراعي خصوصيات مراحل نموه النفسي على وجه الخصوص، وهذا ما استنبطته من خلال المناهج الجديدة، فهذه المناهج تخطَّت عيوب وسلبيات المناهج القديمة”.

هاتين الصورتين  نموذج لمحتوى مقدمتين كلتاهما للسنة الأولى الابتدائية، الصورة الأولى تعود للمقرر القديم، والثانية للمقرر الجديد.

 

ويشرح “أوشان” عن سلبيات المنهج القديم: “فمن حيث المحتوى العلمي مثلًا إذا تأملنا المكونات العقدية لفقرات مادة التربية الإسلامية للمقرر القديم نجد غالبية الدروس مثل: “من صفات الله” و”الإسلام دين التوحيد” و”المعجزة والملائكة” و”الله رب العالمين”… تقدم مضامينها العقدية بعبارات فخمة وقوية وعميقة دلاليًا، لن يستطيع الطفل فهم معناها ولا مغزاها، فهي مفاهيم تفوق مجاله الإدراكي، فكيف له – على سبيل المثال- أن يستوعب دلالة الربوبية ودلالة الألوهية ودلالة الجلال، وإدراك مفهوم الصفات ومفهوم التوحيد، وهي مفاهيم استعصت على جهابذة الفلسفة والفكر الإسلامي، كما أدت بكثير منهم إلى الوقوع في شرَك التجسيم أو التعطيل”.

ويتابع “إن خطورة ترويج هذه المفاهيم بالمرحلة الابتدائية تتمثل في إمكانية حصول تشوه مبكر للمفاهيم العقدية لدى المتعلم، واستمرار هذه المفاهيم في ذهنه في المراحل العمرية اللاحقة؛ فيصعب فيما بعد تصحيح هذه التشوهات، لما لطفل هذه المرحلة من قدرة عالية على استضمار واستبطان جميع أشكال المعرفة في الذاكرة العميقة”.

ويضيف: “فإذا كانت مرحلة الطفولة هي اللبنة الأساسية لتكوين المفاهيم، والأساس الذي ينبني عليه كل تعلم مستقبلي، فيجب توخي الحذر من احتمال وقوع تلميذ المرحلة الابتدائية في التجسيم من خلال درس الصفات –على سبيل المثال- أو الشرْك من خلال درس المعجزة، للاعتقاد الشعبي بخوارق العادات في علاقتها بالأضرحة”.

ويتابع “أما من حيث البناء التربوي: يمكن القول إجمالًا أن دروس العقيدة لا تراعي الأساس التربوي في بنائها، ذلك أن المستوى الإدراكي للطفل لا يساعد على استيعاب المفاهيم العقدية المروجة في المرحلة الابتدائية.

أما على مستوى دروس العبادات، فهناك مجموعة منها لا تراعي هذا الأساس:

– فمن دروس العبادات للسنة السادسة ابتدائي على سبيل المثال: “مبطلات الصيام” وقد تم إدراج “الجماع” كأحد هذه المبطلات، وهذا لا يلائم ويراعي الأساس التربوي والنفسي للطفل، على أن يتم التطرق لباقي المبطلات في السنوات الموالية.

– دروس العبادات في السنة الأولى ابتدائي عبارة عن مجموعة من التكاليف التي يجد فيها الطفل مشقة قد تؤدي به إلى النفور من المادة، بل مما تدعو إليه هذه المادة نفسها؛ ذلك أن علماء التربية يؤكدون على أن تكليف الطفل بما لا يطيق سبب رئيس في عزوفه.

فـ”الوضوء عمليًّا” (وهو درس للسنة الأولى ابتدائي، ويقدم في الأسبوع العاشر أي بداية شهر دجنبر، مع ما يتصف به هذا الشهر من برودة الطقس)، و”الصلاة عمليًّا” دروس فيها إثقال لكاهل الطفل ذي الست سنوات، فكان من الأجدر تأجيلها إلى سنوات موالية.

– تلميذ هذه المرحلة لا يدرك معنى الفريضة وبالتالي فلن يستطيع استيعاب وإدراك المضمون وتمثله في الواقع. وتأكيدًا على ذلك لو سألنا أنجب تلاميذ المرحلة الإعدادية عن فرائض الصلاة أو الصيام فلن يستطيع الإجابة -علمًا أنه درسها لسنوات في المرحلة الابتدائية- لأن تلك المفاهيم لم يستوعبها بل حفظها حفظًا مؤقتًا.

من حيث التنظيم: ففقرات برنامج مادة التربية الإسلامية بالمرحلة الابتدائية يستطيع بكل يسر الوقوف على مجموعة من الملاحظات:

-دمج مكون العقيدة مع مكون العبادات، وانفصالهما عن مكون الآداب.

– ضعف الوعاء الزمني ومحدودية دروس مكون الآداب في المستويات: 3 و4 و 5 و 6، مع العلم أن مرحلة الطفولة أساس إنبات القيم الإسلامية و ترسيخها في سلوك الناشئة.

– شبه القطيعة بين منهاج المادة للمرحلة الابتدائية مع المرحلتين المواليتين للتعليم المدرسي. فإذا كان منهاج مادة التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية بسلكيها الإعدادي والتأهيلي مبني بمنطق الوحدات والأنشطة، وتم فيه استحضار مدخل الكفايات تطبيقًا لمقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فإن منهاج المرحلة الابتدائية للمادة تم بناؤه بمنطق الأهداف والدروس.

– تقدم مكونات المادة (العقيدة والعبادات والآداب الإسلامية) وكأنها جزر متناثرة، يتم البدء دائمًا (في جميع المستويات) بمكون العقيدة في بضعة أسابيع، ليتم القطع معها بصفة نهائية طيلة السنة.

إجمالًا يمكن القول إن دروس العقيدة والعبادات بالمرحلة الابتدائية تتسم بالتضخم من حيث المفاهيم والتكاليف وعدم العناية بربط مكونات المادة بعضها ببعض، فأصبحت المعرفة المقدمة للتلاميذ مفككة ومجزأة.

وينهِي أوشان شرحه عن سلبيات ومحتويات المنهاج القديم التي تخطاها المنهاج الجديد ويثني على التعديلات التي شملها مقرر التربية الإسلامية للمستوى الابتدائي “أما بالنسبة للمنهاج الجديد فبرأيي ورأي الأغلبية فهو جدير بأن يوصف بالنقلة النوعية في مجال تدريس مادة التربية الإسلامية لاعتماده على تقنيات الأنشطة البنائية والوسائل الجديدة المصاحبة”.

فهذه أهم التغييرات التي شملها المنهاج الجديد، فدرس القرآن الكريم مثلًا قسم إلى خطوات مترابطة متصاعدة، إذ يبدأ باختيار نشاط أو أكثر للإنجاز ومن هذه الأنشطة المعروضة الاستماع إلى الآيات مرتلة برواية ورش عن طريق جهاز التسجيل، أو الاستماع إليها مع مشاهدتها على شاشة الحاسوب، أو قراءتها على المصحف قراءة سرية أو عادية. وبعد هذا النشاط ينتقل إلى أنشطة الفهم ثم أنشطة التدبر والاستثمار، تتلوها أنشطة الحفظ والترتيل لتنتهي بإعلان سلوكي.
وبالإضافة إلى الطريقة التنشيطية الجديدة عزز الكتاب المدرسي برسوم وصور ملونة ذات علاقة بالمكونات المدروسة خاصة في العبادات والآداب الإسلامية والسيرة النبوية، وفي خاتمته وضع معجم لغوي يسجل الكلمات والمعاني الجديدة المأخوذة من القرآن الكريم.

أما بالنسبة للعبادات فقد حذف الشرح التفصيلي لفريضة الصلاة من القسم الأول واقتصر على هذا الدرس فقط.

وحولوه إلى القسم الثاني، ولكن أقل تفصيلًا من المقرر القديم. وهذا نموذج لدرس فريضة الصلاة للقسم الثاني.

فالتغيرات في مناهج التربية الإسلامية للسنة الابتدائية كثيرة ومتشعبة لا يمكن ذكرها كليًّا، ولكن لنأخذ مثال كتاب السنة الرابعة ابتدائي فقد قُسِّم الكتاب إلى أربعة أجزاء حسب مكونات وحدة التربية الإسلامية بالسنة الرابعة الابتدائية، وهذه الأجزاء هي مكون القرآن الكريم ومكون العقيدة والعبادات ومكون الآداب الإسلامية والحديث النبوي الشريف ومكون السيرة النبوية.

ويشتمل كل جزء على أنشطة دروس المكون المقررة للدورة الأولى، وأنشطة التقويم والدعم والأنشطة الموازية المرتبطة بدروس الدورة الأولى، وأنشطة دروس المكون المقررة للدورة الثانية، وأنشطة التقويم والدعم والأنشطة الموازية المرتبطة بدروس الدورة الثانية.

وحرص المنهاج الجديد على تحديد الكفايات المستهدفة في كل مكون من المكونات.

ووزع  المنهاج الكفايات النوعية والخاصة على المجالات المعرفية والوجدانية والسلوكية، ففي مكون القرآن الكريم مثلًا ذكر المنهاج أن الكفايات المقصودة هي فهم المعاني الإجمالية للسورة المقررة، وحفظ المقرر من القرآن الكريم، وتعزيز الرصيد اللغوي، والاقتناع بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى، ومحبته وتمثل القيم والمواقف الواردة في السور المقررة، وتعزيز حسن الاستماع للقرآن الكريم، وتعزيز حسن التلاوة بتحقيق بعض قواعد الترتيل، وتعزيز حسن كتابة القرآن الكريم، وتعزيز التواصل باللغة العربية.

يعتبر المدخل الوحداتي خطوة مهمة نحو إزالة الحواجز بين المكونات “المنفصلة” وتحقيق تكامل المعرفة لمادة التربية الإسلامية بالمرحلة الابتدائية، ويقصد بالمدخل الوحداتي مزج وصهر مكونات المادة الدراسية مزجًا تامًّا بإدماجها في بعضها بحيث تزول الحواجز التي بينها، بشكل يشبه المزج والتفاعل الذي يحدث عند اتحاد العناصر في التفاعلات الكيميائية. ثم بناء المنهاج على شكل وحدات أو مجالات تتصل بمحاور معينة قد تكون مفاهيم أو مشكلات معاصرة لها دلالة في واقع المتعلم، أي بناء المنهاج على شكل وحدات يتم فيها إدماج مكونات المادة بشكل ينصهر فيه الجانب العقدي والعبادي والأخلاقي القيمي انصهارًا كاملًا وليس فقط تجميع هذه الأجزاء داخل غلاف كتاب واحد.

ومثل هذه العلاقة الترابطية بين المفاهيم العقدية والعبادية والأخلاقية غالب في محتويات دروس مادة التربية الإسلامية. وهذا المزج بين هذه المكونات تجعل المتعلم مستشعرًا للعلاقة التكاملية بين مكونات المادة التعليمية، وبالتالي بين مكونات الدين الإسلامي، وبذلك يبقى متعلم المرحلة الابتدائية دائم الارتباط بدروس العقيدة والعبادات والآداب طيلة السنة الدراسية، ويبقى كذلك حضور هذه المكونات متصلًا بعضها ببعض.

مناهج التعليم الثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي: أهم ما رصدناه عن تعديل المنهاج في المستوى الإعدادي وأثار جدلًا واسعًا هو حذف الآيات من بعض الكتب وتعويض سورة الفتح في مقرر المادة لمستوى الثالثة الإعدادية، بسورة الحشر فيي مدخل “التزكية”، وهو أحد خمس مداخل رئيسة لتدريس “التربية الإسلامية” وفق قرار وزارة التربية الوطنية، وهو الحذف الذي تم تبريره بكون سورة الفتح تضم آيات الجهاد، فيما سورة الحشر مليئة بآيات “التزكية”.

وتتمحور سورة الفتح، “المحذوفة” من مقررات التربية الدينية، حول الجهاد من خلال إحدى غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام، وموقف بيعة الثبات والموت تحت ظل الشجرة، وحفلت بالعديد من الآيات الكريمات التي تتحدث عن النفير والقتال والجهاد والمغانم.

ووردت في السورة ذاتها آيات من قبيل “قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا”، وأيضا: “وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ”.

يقول أستاذٌ للتربية الإسلامية في المستوى الإعدادي ذو توجه سلفي في هذا الشأن  “إن حذف آيات الجهاد بدعوى أنها تحرض على الإرهاب أكبر خطأ لأن المقررات لو تضمنت دروسًا في الجهاد لحصنَّا المتعلم من أي طرف خارجي سواء المتطرف والذي يستغل هذه الآيات ويضعها في غير سياقها من أجل أغراضه الشخصية ولأمن ناحية المحرضين على الدين الإسلامي بدعوى أنه يدعو إلى الإرهاب والتطرف”.

ويضيف حول بعض سلبيات المنهاج الجديد “كما أنه لم يعط الحيز الزمني الكافي لبعض الدروس مثل الصلاة وأحكام ومقاصدها فكيف يمكن تدريس فرائضها وسننها ومبطلاتها وأحكام السهو وقضاء الفوائت وأحكام المسبوق في حصتين”.
ويتابع “نجد أن الذي يهم هذه الفئة المستهدفة ليس هو الجانب الأكاديمي للمعرفة، وإنما كيف تحقق مبدأ: التزكية، والاقتداء،، والاستجابة، والقسط، والحكمة من خلال القرآن الكريم والعقيدة والسيرة النبوية والعبادات”.

أما مناهج الصفوف التأهيلية فقد صرح أستاذ التربية الإسلامية للمستوى التأهيلي عبد الحق الطويل لـنا أن القيم والأخلاق هي الحلقة الأضعف في مناهج التربية الإسلامية القديمة.

وأشار إلى مختلف الجوانب الإيجابية والسلبية حول المنهاج الجديد قائلًا: “ومن الأمور الإيجابية للمنهاج أن برنامج التربية الإسلامية ينفذ بكافة المستويات بمعدل ساعتين رغم قلتها، كذلك تقديم سورة واحدة في كل سنة دراسية مما يشجع ويحفز المتعلم لحفظ القرآن الكريم، مثلًا “سورة الكهف” في مستوى الجذع المشترك، و”سورة يوسف” في السنة الأولى بكالوريا، و”سورة يس” في السنة الثانية بكالوريا.

كذلك تم إعادة الاعتبار للسنة المشرفة في المقررات الدراسية بعد إجحاف حقها في المقررات السابقة، وأنه غني وفيه مجالات لتمرير وبناء القيم التربوية والأخلاق الإسلامية حيث أعطى للقرآن الكريم أولوية كبيرة و دروس السيرة النبوية أيضًا”.

هذا نموذج لسورة يوسف وهي مبرمجة في السنة أولى بكالوريا، تُدرس في سنة كاملة مع الشرح المعمق للسورة.

 

أما عن الجانب السلبي فيضيف “في المقابل لدي تحفظٌ على استغناء المنهاج عن دروس الأنشطة والتطبيقات، كما تم حذف الدروس التطبيقية والأنشطة من المقررات؛ مما يجعلها مادة للوعظ والإرشاد، وحذفه لدروس المواريث التي ظلت تدرس في المنهاج المغربي لسنوات، والمشكلة في هذه الظرفية التي تشهد فيها الساحة حربًا طاحنة عليه ولو استبدل بمقاصد الإرث لكان أفضل حتى يتمكن المتعلم من مواجهة كل الشبهات المثارة حول الإرث، وأيضًا أتحفظ على تحويل دروس الطلاق والزواج من السنة الثالثة إلى السنة الثانية، فكان الأجدر أن تُترك في السنة نفسها التي كانت مبرمجة فيها؛ لأن متعلمي السنة الثالثة أكبر سنًّا وأكثر استيعابًا لمثل هذا النوع من الدروس”.

ويتابع “وإذا حاولنا لمس هذه التوجيهات من الداخل فإننا نجد أن نظام الوحدات قد استبدل به نظام المداخل، وتم تعريف المداخل الخمس مما يدفع أي تأويل خاطئ حول مضامينها، رغم التلاعب ببعض المصطلحات مثل التزكية وهي العقيدة نفسها والاقتداء وهي السيرة نفسها. ومن خلال هذا المنهاج يمكن تمرير المنهاج الخفي للمدرس بسهولة عبر الدروس، فالسلفي يدخل عبر مدخل التزكية والصوفي عبر مدخل الحكمة والشيعي من مدخل الاقتداء عبر إثارة الشبهات”.

مؤكدًا على ضرورة تجاوز سلبيات المنهاج الجديد خلال السنة المقبلة باعتبار هذه السنة تجريبية في تنزيله.

نظرة شاملة حول مناهج التربية الإسلامية لجميع المستويات

استعرض لنا أستاذ وعضو في الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية نموذجين لدرسين في مدخل التزكية (العقيدة) الأول: الإسلام عقيدة وشريعة (الثالثة الإعدادية) والثاني: الإيمان والغيب (الأولى بكالوريا) مركزًا في بنائهما أولًا على الجانب المفهومي والعلاقة بين المفاهيم في إطار الخرائط المفاهيمية وصولًا إلى وظيفتها في بناء الإنسان؛ فيصبح المفهوم بذلك جسرًا نحو تحقيق الثمرة والغاية، وهي التزكية التي وظيفتها بناء الإنسان.

وأشار الأستاذ نفسه إلى موجهات تقويم الكفاية، مشددًا على أن تقويم قدرة المتعلم لا ترتكز على استرجاع مجموعة من الجزئيات، بل الغرض منها مثلًا في مدخل الاقتداء هو: تقويم قدرة المتعلم على استجلاء قيم ومقاصد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا تقويم قدرته على بناء مواقف منسجمة مع القيم والمقاصد المستخلصة من السيرة النبوية. وفي مدخل القسط: بناء مواقف تجاه أي تجاوز يمس هذه الحقوق.

وهكذا سيحلل لنا الدكتور “نجيب الهواري” جملة من الملاحظات عن المنهاج الجديد للتربية الإسلامية التي يقول عنها يمكن تداركها وتصويبها مستقبلًا.

“-مدخلا التزكية والاتباع فيعتبران من حسنات هذا المنهاج الكبرى، وقد اعْتُمِد القرآن الكريم والعقيدة السنية المادة الأساس في مدخل التزكية، ووُسِّع من الوعاء الزماني للقرآن الكريم، فشمل الثانوي التأهيلي عكس المنهاج السابق الذي كان محصورًا في الثانوي الإعدادي، كما زيد في عدد السور القرآنية المعتمد في كل سنة دراسية في الإعدادي، ولا يخفى على أحد أهمية القرآن الكريم في بناء شخصية التلميذ العقدية والسلوكية والوجدانية…
– أما دروس العقيدة: فهي وإن كانت متسلسلة ومتكاملة إلا أنه طغى عليها البعد القيمي، وضَعُف فيها الأثر المطلوب في التفاعل مع الواقع، باستثناء درس “الإيمان والإلحاد” ودرس “الإيمان وعمارة الأرض”، كما أنه كان من المناسب إدراج دروس متعلقة بفضل الصحابة ومحبتهم، والإمامة العظمى، وذلك لتعميق العقيدة السنية عند التلاميذ في مواجهة المخاطر المحدقة بفلذات أكبادنا، وإن حاول المنهاج تدارك ذلك في مدخل الاقتداء حيث اخْتِيرَ بعناية محطات تربوية بارزة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرة الخلفاء الراشدين الأربعة للتأسي والاقتداء، ولكن ذلك لا يغني عن تخصيص درس مستقل للتعريف بفضل الصحابة وعدالتهم وجهودهم في حفظ القرآن الكريم والسنة المطهرة.
– أما مدخل الاستجابة: فقد تم الاقتصار فيه على دروس فقه العبادات والأحوال الشخصية، وحذفت مادة الإرث على أهميتها وقيمتها، كما تم تناول فقه المعاملات في درسين يتيمين، ركز فيهما على المقاصد والضوابط وغابت فيهما الأحكام والشروط والضوابط، كأن التلميذ غير معني بأحكام الحلال والحرام في المعاملات المالية، أو أنه سينعزل عن المجتمع ولن يجري معاملات مالية، ولن يساهم في التنمية الاقتصادية والمالية لمجتمعه وأمته فكيف سيعرف الحلال والحرام في غياب فقه المعاملات المالية؟ وكيف سيعرف ما وضعه الشرع الحنيف من أحكام وقوانين تصون الحقوق العامة والخاصة، وتقي المجتمع من الجرائم والموبقات في غياب تدريس الفقه الجنائي ومقاصده وغاياته في الإسلامي؟

– أما مدخل القسط: فقد تم التركيز فيه على تربية الناشئة على استشعار أهمية حق الله والنفس والناس والبيئة من حولنا، وهي دروس بلا شك تربي التلاميذ على مبدأ أداء الحقوق ومراعاة الواجبات، وتغرس فيهم حب الله والناس والبيئة، غير أن ما يلاحظ في هذه الدروس غياب دروس تعتبر دعامة لأداء حقوق الغير والتعايش معهم وهي دروس التواصل والحوار وضوابط الاختلاف التي غيبت بشكل كلي، والتي تؤهل التلميذ للتواصل مع الآخرين ومراعاة الفروقات الفردية بين الناس في التفكير والإبداع والاختيار في الحياة. كما غابت الدروس المتعلقة بالمقارنة بين حقوق الإنسان في الإسلام وحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليًّا، الشيء الذي يمكن التلميذ من تبني منظومة حقوق الإنسان في الإسلام عن قناعة وبصيرة.

-أما مدخل الحكمة: فقد اتخذ بعدًا تربويًّا صوفيًّا منسجمًا مع تربية أهل السنة، منطلقًا من نصوص القرآن والسنة، بعيدًا عن المغالاة والخرافة التي طبعت عصور التقليد والجمود، وتهدف إلى ربط المسلم بالقيم الأخلاقية الإسلامية السمحة”.

وينهي الوزاني ملاحظاته قائلًا: “هذه بعجالة مقارنة في مجال القيم، بين المنطلقات والتوجهات، والتنزيل العملي لها في برنامج دراسي موزع على شكل دروس ومواد، وما من عمل وإن تحرى أصحابه الدقة وتحرى الصواب إلا ويعتريه النقص والتقصير، وقد أبى الله عز وجل أن لا يكون الكمال إلا له ولكتابه”.

“علي الطاكي” مفتش وخبير تربوي يشرح لنا عن مبدأ التكامل فيما بين المناهج لجميع المستويات الابتدائي والثانوي (إعدادي وتأهيلي) “إن المناهج الجديدة تتميز بالعلاقة التفاعلية والتكاملية بين مكونات المادة فقد قامت على إزالة الحواجز بينننن مختلف الوحدات، فتكون هذه المجالات وحدة متصلة، فكل مجال يبنى على ما سبقه ويعد أساسًا لما يليه وفق مبدأ الترابط والتكامل بين فقرات المنهاج”.

والمقصود به حسب المفتش طاكي هو التكامل بين المداخل الخمسة، وهذا يقتضي محورية السورة المقررة وأن المداخل ليست جزرًا متناثرة ومتنافرة، وإنما متكاملة فيما بينها لتحقيق المقاصد المرجوة والمعنى المسطر، فلا مجال للاشتغال على الاستجابة بمعزل عن التزكية والاقتداء والقسط والحكمة وهكذا دواليك.

وخلص الطاكي “إلى أن المهارات الأساسية المستهدفة بالتدريس والتقويم هي: اكتساب المفاهيم الشرعية، فهم النصوص الشرعية وتحليلها والاستدلال بها، استنباط القواعد والأحكام من النصوص الشرعية، استخراج المضامين والقضايا الرئيسة الواردة في مختلف النصوص، تمثل أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم باستثمار وقائع السيرة، إتقان أداء العبادات، التعبير عن الرأي في وضعيات تواصلية أو في أثناء المناقشة، اتخاذ مواقف نظرية أو سلوكية مسؤولة، بناء قيم المبادرة والإيجابية لتحقيق النفع العام”.

وختم الأستاذ علي طاكي تفسيره “بالتأكيد على أن مادة التربية الإسلامية تعتبر مادة واحدة مندمجة ومتكاملة ومداخلها ليست بنيات مستقلة في المنهاج وإنما هي مقاربات سيكوبيداغوجية وديداكتيكية لاكتساب المعارف وبناء المفاهيم وتملك القيم في تكامل لبناء شخصية المتعلم، وأن الفصل بين المداخل ما هو إلا فصل منهجي ولتحقيق البعد الوظيفي للمادة والمعرفة، مما يفرض على أستاذ مادة التربية الإسلامية ضرورة استحضار الأبعاد الثلاثة (المعرفي، والمهاري، والقيمي) في بناء الدروس”.

مهتم بالتربية والتعليم يضيف لنا في هذا الشأن “أن مدخل الكفايات يستلزم بالضرورة تقويم معارف ومهارات، وقيم ومواقف، من خلال وضعية مشكلة تقويمية. ومن ثم وجب:

ـ وضع المتعلم أمام تحديات معرفية وقيمية، لقياس مدى توظيف مكتسباته في حل مشاكل حياتية، مما يستدعي التركيز على وضعيات:

ـ دالة (ذات سياق ومعنى بالنسبة للمتعلم).

ـ ذات ارتباط بمسارات تعليمات المتعلم ومكتسباته السابقة.

ـ معبئة للموارد المكتسبة بحيث تتجاوز الأسئلة الاسترجاعية المباشرة.

وكل هذا يتم وفق مبدأ التدرج في بناء المفاهيم، فالمناهج الجديدة تطابق نظريات التعلم الحديثة التي تقر أن المفاهيم تبنى في أذهان المتعلمين بناءً تدريجيًّا، وتتطور تطورًا لولبيًّا تصاعديًّا في أذهانهم، ويستمر المفهوم في الاتساع إلى أقصى الحدود، ومراعاة هذا التدرج في البناء حسب مراحل التعليم من مرحلة الابتدائي إلى العالي”

وفيما يلي تمثيل لنموذج التوزيع الوحداتي للمادة:

الجزء الثاني

الجزء الثالث



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك