المخدرات تغزو الوسط المدرسي في تونس.. فهل من رادع؟

12 أغسطس , 2018

ترافق السيدة “فضيلة” ابنتها “ريم”، إلى المدرسة صباحَ مساءٍ، مثل عديد من الأمهات التونسيات خلال السنوات الأخيرة، وبدل الاهتمام بدراستها باتت تسعى لحمايتها من ظاهرة تعاطي المخدرات التي انتشرت في الوسط المدرسي بشكل رهيب، في أماكن الدراسة وقاعات الرياضة وعلى مستوى محيط المؤسسات التعليمة، حيث صُنِّفَت بالجريمة الثالثة بعد السرقة في تونس، وتكشف كل التقارير أن الظاهرة في توسع مستمر، حيث إن 12 تلميذًا بين 30 يتعاطون مادة الحشيش، و30 بالمائة من الفتيات بالثانويات مدمنات على المخدرات، وضعية دفعت السلطات والأسرة التربوية والمجتمع المدني إلى دق ناقوس الخطر، والانطلاق في مواجهة الظاهرة من أجل حماية مستقبل تونس.

 

أرقام مخيفة:

لم يعد خافيًا في تونس انتشار ظاهرة استهلاك المخدرات في صفوف التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و17 سنة، انتشار مقلق دفع إلى دق ناقوس الخطر؛ بسبب تعاطي هذه المواد في سن مبكرة؛ مما يؤثر على الصحة العقلية للأطفال، وتؤكد الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المرصد التونسي للمخدرات والإدمان، أن 26.5 في المائة من هذه الفئة أُصيبَت بحالة اكتئاب، بلغت حد انتحار الأطفال في تحول مخيف.

 

وتقول الإحصاءات أن مادة الحشيش، هي الأكثر استهلاكًا وسط التلاميذ الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة، وذلك بنسبة 92 بالمائة، كما أن الحبوب المهلوسة باتت تهدد التلاميذ والطلبة بعد توسع دائرة تعاطيها، وبلغت 70 بالمائة، أرقام تؤكدها وزارة الداخلية التونسية بتسجيلها 8727 قضية مخدرات سنة 2017، منها 5086 قضية استهلاك، و3641 قضية ترويج، وأظهرت أن 12 تلميذًا بين 30 تلميذًا يتعاطون مادة مخدر الحشيش.

 

وكشفت التقارير أن 50 بالمائة من تلاميذ المؤسسات التربوية التونسية جربوا مادة مخدرة، على اعتبار أن أغلبهم يعيشون مرحلة المراهقة التي تعتبر صعبة جدًّا، والخروج منها أصعب، ومع المشاكل العائلية والأوضاع المعيشية المتردية يلجأ الطالب إلى استهلاك المخدرات للهروب من واقعه، وهو ما يستغله تجار المخدرات لتسويق سمومهم.

 

 

تقرير المرصد التونسي للمخدرات والإدمان يشير إلى أن تلميذًا بالثانوي من أصل خمسة سبق له تدخين سيجارة، وواحدًا من أصل عشرة تعاطى القنب الهندي، ونصف عدد تلاميذ الثانويات يعتبرون تعاطي المخدرات أمرًا عاديًا، في حين أن طالبًا من أصل ثلاثة بالمستوى الثانوي تلقى عَرْضًا بتناول مخدر قرب المؤسسة التعليمية، وأكد أن الظاهرة استفحلت بشكل كبير في المعاهد والمدارس التونسية، إذ يتعاطى نحو 50 في المائة من التلاميذ مواد مخدرة في المحيط المدرسي.

 

حوادث وعبر..:

ففي بن قردان جنوب تونس، اضطر مدير مدرسة إلى تعليق الدروس لبعض الوقت بسبب وقوفه على عمليات ترويج المخدرات قرب المؤسسة التربوية، الأمر الذي دفعه إلى الاتصال بالشرطة التي تدخلت وتمكنت من إلقاء القبض على شاب يبلغ من العمر 25 سنة، كان بصدد ترويج المخدرات بين التلاميذ، مشهد خَلَق نوعًا من الفوضى والهلع في محيط كان المنتظر منه أن يكون مقدسًا ملؤه الهدوء والسكينة.

 

وأوضحت إحدى المدرسات بمؤسسة “بلقاسم زغيدي” بتونس العاصمة لـ”شبكة زدني”، أنها وقفت لمدة طويلة على مشاهد لشباب في مقتبل العمر يلتقون خلسة وراء حائط المدرسة لاستنشاق وتدخين السموم، وذلك بتدخين سيجارة جماعية من القنب الهندي، والمعروفة عندنا بتونس الزطلة، ولولا تدخل الأولياء بالتنسيق مع مدير المدرسة لتوسعت دائرة استهلاك المخدرات إلى عديد من التلاميذ، حيث تم إعلام الشرطة التي تدخلت لفرض الانضباط.

 

وضبطت وحدات الحرس التونسي تلميذًا يبلغ من العمر 17 سنة بحوزته 14 قطعة من مخدر الحشيش، تم تكليفه من قِبَل شخص ثانٍ بترويجها في صفوف التلاميذ بإحدى معاهد منطقة الحرايرية بالعاصمة تونس، وفقًا لوزارة الداخلية، وهو ما أشارت إليه السيدة “فضيلة”، وهي تروي مخاوفها لـ”شبكة زدني”.

 

 

وفي هذا الإطار أوضح “عبد الرزاق شهاب”، عضو بالبرنامج التونسي لمكافحة الإدمان لـ”شبكة زدني”، أن آخر دراسة كشفت أن ظاهرة ترويج المخدرات أمام المؤسسات التعليمية وداخلها، لم تعد تقتصر على أشخاص من خارج هذه المؤسسات، بل بات التلاميذ أنفسهم يروجون المخدرات.

 

تلاميذ ضحايا المخدرات يستغيثون.. والإناث يدفعن ثمن المشاكل العائلية:

وذكر “أنيس” طالب بالثانوي لـ”شبكة زدني”، أن ظاهرة تعاطي المخدرات منتشرة في المؤسسات التربوية، وتمس عديدًا من التلاميذ، ودعا إلى إصلاح التوقيت المدرسي حتى يتمكن التلاميذ من ملئ أوقات فراغهم بالأنشطة الرياضية والثقافية، وتجنب مجالسة رفاق السوء والانحراف، وتابع أن الظاهرة ستتواصل ما دام التلاميذ يقضون أوقاتهم في الشارع أكثر مما يقضونه في المدرسة والبيت، محذرًا أن الفراغ يجعل التلاميذ عرضة لكل أنواع الانحراف، من التدخين واستهلاك المخدرات وحتى السرقة.

 

وأوضح والد أنيس لـ”شبكة زدني”، أن المؤسسة التربوية في حاجة إلى ربط علاقة جديدة مع التلميذ، ولا تقف عند تلقين الدروس، بل يجب أن تتجاوزها إلى تأطير التلميذ وتثقيفه وتوعيته، وتساءل: لما لا يتم تنظيم حصص حوار ونقاش في المؤسسات التربوية، تكون تحت إشراف مختصين يتم خلالها طرح مثل هذه المظاهر التي تهدد التلاميذ، وتنبه إلى مخاطرها.

 

آفة الإدمان لم تستثنِ الإناث، حيث كشف أنيس لـ”شبكة زدني” عن زميلات له في القسم مدمنات على المخدرات، وقدمت لنا إحداهن وهي “إيناس”، وروت أنها انتقلت من تدخين السيجارة إلى تعاطي المخدرات، وتابعت ردًا على سؤال حول الأسباب، أنها تحاول الهرب من المشاكل العائلية.

 

وقال “عبد الرحمن واعلي”، عضو النقابية للتعليم الثانوي: “إن 20 بالمائة من الدارسين في مؤسسات التعليم الثانوي بلغوا الإدمان” محذرًا أن المفزع هذه الآفة دخلت قلب المؤسسات التربوية بشكل فظيع وبسرعة مذهلة، لدرجة أن 30 بالمائة من الفتيات تتعاطين المخدرات.

 

تلاميذ العائلات الثرية لهم نصيب.. والخطر واحد:

ولا تنتشر هذه المادة بين الطبقة الفقيرة والمهمشة فقط، فحتى الطبقة الراقية يعاني أبناؤها الطلبة من المخدرات، واللافت بين الطبقتين طريقة استهلاكها ومكانها، وهو ما يؤكده “عبد النور”، أحد الأولياء المحسوبين على الأثرياء في منطقة تونس العاصمة، الذي رافق “شبكة زدني”، وقال: “إن أبناء العائلات الثرية وخاصة طلاب الثانويات، عادة ما يختارون تعاطي المخدرات في منازلهم بشكل فردي أو جماعي.”

 

وأشار “الطيب الطويلي”، أستاذ باحث في علم الاجتماع لـ”شبكة زدني”، إلى أن الشاب ينظر إلى المخدرات على أنها وسيلة تعبير عن قوته، بدليل أنه يفتخر بتسميات أنواع المخدرات التي يستهلكها، من “الزطلة” إلى “الصاروخ” إلى “القنبلة”، وهي دلالات على أن هذه السيجارة تمثل بالنسبة لمستهلكها انتقالًا من عالم الأرض، الذي يكون غالبًا مقيتًا، إلى عالم الحلم.

 

أسباب اجتماعية اقتصادية.. لكن تربوية أيضًا:

 

أوضحت السيدة “فضيلة”، أن الوضع لم يعد يخفى على السلطات ولا الأولياء، مشيرة إلى أن الحالة الاجتماعية والأزمة الاقتصادية التي تعرفها البلاد، أهم الأسباب التي أدت إلى انتشار الظاهرة وتوسع دائرة المستهلكين، وبلوغها الأوساط المدرسية والجامعية، على اعتبار أن هذه العوامل أدت إلى تفكك الأُسَر التونسية، وأحدثت شروخات بين أفراد العائلة، خاصة الوالدين والأبناء. انتشار الظاهرة وسط المحيط المدرسي أدت إلى تدهور النتائج المدرسية، وبذلك الانقطاع المبكر عن صفوف الدراسة.

 

ويرى الباحث في علم الاجتماع “الطيب الطويلي” أنه لا بد من تحسين ظروف المعيشة للشباب بشكل خاص، وإيجاد فرص عمل، من أجل زرع ثقافة الحياة وتجنب الاضطرابات النفسية التي تعتبر أول سبب يدفع إلى الإدمان، كما يجب محاربة -والضرب بيد من حديد- كل من يثبت تورطه في استدراج التلاميذ إلى دائرة استهلاك المخدرات، وقال: “إنه بات من الأهمية أن يتم وضع سياسة تُخرج الشباب من الحياة الاجتماعية المعطوبة إلى حياة بآفاق واعدة.”

 

ويرى رئيس الجمعية التونسية للوقاية من تعاطي المخدرات، الدكتور “عبد المجيد الزحاف”، أن تعاطي المخدرات في المدارس والمعاهد الثانوية يمثل غُولًا وجاثومًا (كابوسًا) يهدد الأجيال القادمة، ويسهم في تحطيم العائلات، وذلك انحلال في المجتمع وتفكك يهدد كيان البلاد، وأوضح أن تلاميذ تونس يتعاطون المخدرات وسط غياب الرقابة المدرسية والعائلية، حيث إن الأزمة الاجتماعية جعلت الأولياء يرفعون أيديهم عن أداء مهامهم إزاء أبنائهم، ولا يقومون بأدوارهم في حماية العائلة، وهمهم الوحيد البحث عن قطعة رغيف بدل التربية والمتابعة والحماية.

 

إن المؤسسات التقليدية كالمدرسة والأسرة تخلت عن دورها التربوي، فاكتفت المعاهد التعليمية بالدور التلقيني من دون إيلاء أهمية قصوى للجانب التربوي، فيما انشغل الآباء والأمهات تحت الضغط اليومي بتوفير الأموال لمجابهة المصاريف الأُسَرية المتزايدة، يضيف المتحدث، أن استهلاك المخدرات من قبل التلاميذ فيه نوع من التحدي، وإثبات الذات الذي يبحث عنه المراهق في مواجهة السلطة التي تبدأ من العائلة، وتصل إلى الدولة مرورًا بالمدرسة.

 

الحلول.. استعجالية ووقائية:

 

ومن أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه صادَقَ نواب مجلس الشعب التونسي شهر أفريل 2017 على مشروع القانون رقم 52 لسنة 1992، المؤرخ في 8 ماي 1992، المتعلق بالمخدرات، يعتمد على جملة من الإجراءات، من بينها: الوقاية من مكافحة المخدرات والعلاج من تعاطيها، كما يضع مقاربة صحية، نفسية واجتماعية لإنقاذ مستهلكي المخدرات.

 

وسارعت منظمات وجمعيات المجتمع المدني إلى المشاركة في مواجهة الظاهرة، من خلال التحرك على مستوى الوسط المدرسي، بهدف توعية التلميذ من مخاطر الإدمان، وقالت “مريم فكاين” عضو بالجمعية التونسية للوقاية من المخدرات، لـ”شبكة زدني”: إن الوضع الكارثي الذي بات يعيشه الوسط المدرسي يستدعي التحرك بقوة لحماية مستقبل تونس، “فنحن ننشط على مستوى الشوارع والمعاهد والأوساط المدرسية والجامعات، في حملات تحسسية وتوعوية، كما ننظم ورشات ولقاءات وندوات وورشات عمل، من أجل انتشال التلاميذ من أنياب المخدرات.

 

المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية وضع توصيات لمواجهة الظاهرة وحماية المدرسة، تتلخص في ضرورة مراجعة التشريعات الخاصة بمجال المخدرات وتنقيحها، ودعوة جميع المؤسسات العمومية والمجتمع المدني إلى رصد حالات الشبهة في الإدمان والإبلاغ عنها بقصد أداء دور وقائي، إضافة إلى مزيد من التعاون والتنسيق بين كل مؤسسات الدولة للتصدي والوقاية من الظاهرة، وبشكل خاص إحاطة المراهقين بين 15 و17 سنة، بالعناية الصحية والنفسية والاجتماعية والتعاون مع مختلف الأطراف المتداخلة؛ لمتابعة حالات استهلاك المخدّرات أو إدمانها، لما لها من مخلفات صحية واجتماعية خطيرة.

 

ويشدد الناشط “عبد المجيد الزحاف”، على قصور الحل الأمني في مواجهة ظاهرة المخدرات في الوسط المدرسي، داعيًا إلى تضافر الجهود الأمنية والتوعوية والصحية للحد من تغلغل الظاهرة التي انتشرت بصفة كبيرة، محملا الإعلام جزءا من المسؤولية، وقال: “إنه يجب على وسائل الإعلام المساهمة في مواجهة الظاهرة بكشف الظواهر السلبية على غرار المخدرات.”



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك