المدارس والجامعات في الموصل.. تحديات وأمل

8 يناير , 2018

تنطلق (مريم علي) كل صباح؛ للذهاب إلى مدرستها التي دمرت الحرب الأخيرة -لاستعادة مدينة الموصل شمال العراق- جزءً كبيرًا منها، مريم ذات الأربعة عشر ربيعًا تستيقظ كل صباح لتجهز كتبها القديمة المتهرئة لتضعهم داخل حقيبتها المدرسية، وهي تستعد للذهاب إلى مدرستها في منطقة “وادي حجر” في الجانب الأيمن من مدينة الموصل.

 

والد (مريم)، أخبرنا أن مدرسة ابنته -التي استأنف الدوام فيها منذ نهاية شهر أيار الماضي-؛ تفتقر إلى الكثير من مستلزمات الدراسة، فنوافذها مكسرة، وأثاث المدرسة قد حطمته الحرب، فضلًا عن نقص كبير في الكوادر التدريسية.

وأشار “والد مريم” إلى أنه -ومع طرق الشتاء أبوابه- تبرز مشكلة تدفئة الصفوف، فالمدرسة تفتقر إلى وسائل التدفئة وليس فيها حتى وقود “كاز”، ومما يفاقم الأمر أكثر؛ عدم وجود زجاج للنوافذ في أغلب الصفوف؛ لكونها تكسرت بفعل الحرب الأخيرة، وليس هنالك من نية لإعادة إصلاحها كما يبدو.

معاناة المدارس في نينوى تتفاقم، ولا حلول في الأفق

أكثر من 20 ألف مدرسة يحتاجها العراق بحسب بيان وزارة التخطيط العراقية؛ لسد النقص الحاصل في المدارس، حتى يقتصر الدوام على الصباحي فقط، وتتخلص المدارس من دوام الدمج الموجود حاليًا، والذي يعتمد على الصباحي والمسائي، ووصل الحال في بعض المدارس إلى دوام ثلاث وجبات (صباحي وظهري ومسائي)، ومدينة الموصل مثل باقي المدن العراقية؛ حيث تعاني من نقص كبير في الأبنية المدرسية، والحرب الأخيرة دمرت الكثير منها، خصوصًا في أيمن الموصل.

 

المستشار التربوي “أحمد الجبوري”، يقول: “مدينة الموصل المستعادة حديثًا تعاني نقصًا حادًا في الأبنية المدرسية، ما تسبب باكتظاظ غير مسبوق للطلبة في الصفوف الدراسية منذ أعوام، قبل دخول تنظيم داعش للمدينة”.

 

وأضاف الجبوري لـ”شبكة زدني“: “سابقًا كان الصف الواحد يضم ما بين 25 إلى 30 طالبًا، أما اليوم فالعدد تضاعف، وبعض الصفوف تضم 60 إلى 70 طالبًا، وهذه كارثة، فلن يستطيع الطلبة استيعاب الدروس في هذا الوضع، فضلًا عن أن كثيرًا من الطلبة يجلسون على الأرض”.

 

هذا ويواجه المدرسون صعوبات بالغة بسبب أعداد الطلاب، ما يحملهم مزيدًا من الجهد، ويقول المعلم الجامعي “فائق الخاشع”: إن “مشكلة اكتظاظ المدارس سببها الدمار الذي لحق بالأبنية المدرسية، وهذا يحملنا طاقة هائلة، وينتج عنه ضَعف في استيعاب الطلبة لدروسهم؛ بسبب العدد الزائد في كل صف دراسي”.

 

وتابع الخاشع: “إذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه، بأن يحتوي الصف الواحد على 70 أو 80 طالبًا، في الوقت الذي لا يتجاوز استيعابه أكثر من 40 طالبًا، فلن تكون هنالك نسب نجاح تتجاوز 18 إلى 20 %، فأغلب الطلبة يجلسون على الأرض لعدم وجود ما يكفي من المقاعد المدرسية، وعلى الحكومتين المركزية والمحلية ووزارة التربية أن تجد حلًا لهذه المأساة التعليمية الخطيرة”.

 

المعلم في إحدى مدارس الموصل الريفية “غانم محمد”، أشار إلى معاناة مدرسته من نقص في التجهيزات المدرسية وخاصة الكتب المنهجية، الأمر الذي أثر سلبًا على مستوى التعليم في مدرسته ومدارس أخرى، موضحًا: “رغم مراجعاتنا لمديرية تربية نينوى؛ إلا أنها ما زالت متباطئة في سد احتياجاتنا، ونحن نستغرب توفر الكتب المدرسية في الأسواق، وعدم توفرها في مخازن التربية”.

 

هنالك أسباب مختلفة ما تزال تعيق وصول التجهيزات والمستلزمات التعليمية للمدارس في محافظة نينوى، تحدث عنها الموظف في قسم التجهيزات بمديرية تربية المحافظة “علي ذنون”، موضحًا أن من أهم أسباب عدم وصول المستلزمات والتجهيزات المدرسية في وقتها؛ “هو بطء إجراءات الوزارة، إذ تصلنا المواد على شكل دفعات ومراحل، وليس دفعة واحدة، وأيضًا هناك مشاكل النقل والطرق وغير ذلك”.

 

مبانٍ مدرسية : دمار بلا إعمار.. وخطوات ثقيلة

تعرضت مئات الأبنية المدرسية في الموصل بشقيها الأيمن والأيسر إلى التدمير كليًا أو جزئيًا، في وقت ما تزال فيه الحكومة المركزية منشغلة بصراعاتها السياسية، فضلًا عن ضعف الميزانية وقلة مخصصات إعادة الإعمار.

 

المهندس الاستشاري “أحمد الدوري”، أخبرنا أن:

“الحرب أسفرت عن تدمير أكثر من ثلاثة آلاف مدرسة في المدن المستعادة في عموم العراق”.

 

الدوري أضاف، أن: “عدد المدارس المدمرة في مدينة الموصل بلغ 308 مدارس؛ ما يعني حرمان نحو 200 ألف طالب على الأقل من مقاعد الدراسة في المدينة، فضلًا عن الدمار الذي لحق عشرات المدارس في مناطق أخرى عديدة”.

 

ويوضح، أن: “وزارة التربية لم تضع خطة واضحة لإعادة إعمار المدارس المدمرة؛ لعدم وجود مخصصات مالية، وهذا يعني اكتظاظ الطلبة في الصفوف الدراسية، ولجوء المدارس إلى الدوام المزدوج، ما يؤثر على نسب النجاح المتدنية أصلًا من العام الماضي”.

 

وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي في العراق ذكرت، بأن البلاد تعاني منذ ثمانينات القرن الماضي من قلة المدارس، ما يجعل أكثرها يتبنى نظام الدوامَين أو ثلاثة دوامات، من دون أن تُحل المشكلة. هذا البيان قوبل بعدم الرضا في الأوساط الموصلية، حيث أعرب أهالي الموصل عن استيائهم من وضع المدارس التي يوجد فيها أولادهم، متسائلين:

أين هو دور وزارة التربية وجهد الحكومة المحلية؟

 

من جهته صرح مدير عام تربية نينوى/ وكالة “وحيد فريد عبد القادر” لــ”شبكة زدني” بأنه: “يتم -وبتوجيه من وزير التربية العراقي د. محمد إقبال- العمل على إعادة تأهيل المدارس المتضررة كخطوة أولى، وأنه جرى إلى الآن إعادة تأهيل أكثر من 77 مدرسة في شقي الموصل”.

 

وأضاف “عبد القادر” في تصريحه الخاص: “إن مدارس الجانب الأيمن من مدينة الموصل هي من تضررت بشكل أكبر، حيث إن الضرر في أيسر المدينة أقل”، وعن مناطق جنوب الموصل التابعة إلى مديرية تربية نينوى، تحدث عبد القادر: ” أنها لم تسلم من الخراب، لكن يبقى الضرر في أيمن الموصل هو الأكبر”.

 

التعليم بعد داعش

10 ملايين تلميذ في كل من المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية في عموم العراق توجهوا إلى مقاعد الدراسة قبل نحو ثلاثة أشهر، نحو نصف مليون منهم كانوا قد تعلموا تحت حكم تنظيم داعش، على مدى السنوات الثلاث الماضية، مع الإشارة إلى إلغاء التنظيم الإرهابي المناهج الحكومية السابقة، وفرض مناهج جديدة.

 

المستشار التربوي “أحمد لطيف”، وفي حديث مع “شبكة زدني“:

“هؤلاء التلاميذ سيحتاجون إلى جهد مضاعف، بعد غسل أدمغتهم بمواد متطرفة، وأخرى ليست ذات أهمية”.

 

ويضيف لطيف: “هذه المهمة ستكون صعبة؛ لأنهم سيدرسون الدين في إطار أن (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا)، وليس جئناكم بالذبح التي علموها للأطفال، باعتبار أنه يجب قتل كل مخالف لهم”.

ويؤكّد على الاستعانة بمرشدين اجتماعيين ومتخصصين نفسيين داخل المدارس في عموم الموصل، في محاولة لمعالجة آثار تنظيم داعش.

 

“خليل إبراهيم” ذو العقد الخامس الذي يرافق أولاده صباحًا إلى مدرستهم القريبة من البيت، يقول: “ابنتي آمنة في الصف الخامس ثانوي، صحيح أنها تبلغ من العمر 17 عامًا، لكنني استمتع بمرافقتها إلى المدرسة، وأنا أراها تعود إلى مقاعد الدراسة بعد أن حرمها التنظيم الإرهابي أحقية التعليم”، لكنه يستدرك: “المدارس داخل المدينة تعاني، فهنالك نقص كبير في الكوادر التدريسية، ولا يعلم أين ذهب مدرسو المدينة ومدرساتها”.

 

“ميساء الخفاف” محاضرة في مدرسة “الكواكب” الابتدائية في حي “الثورة”، القريب من المدينة القديمة في أيمن الموصل، تحدثت لــ”شبكة زدني“: إنه وبعد استعادة الموصل شوهد هنالك نقص كبير في الكوادر التدريسية داخل مدارس الموصل؛ ما دفع الكثير من العاطلين عن العمل -ويحملون شهادة البكالوريوس في التربية وأنا واحدةٌ منهم- للعمل داخل المدارس على شكل محاضرين.

 

الخفاف تكمل حديثها قائلة:

“المحاضرون داخل مدينة الموصل لم يتقاضوا أي أجور، نحن نعمل منذ ثلاثة أشهر بالمجان، على أمل أن نحصل على تعيين، حتى ولو بشكل عقود شهرية”.

 

المدارس الأهلية داخل مدينة الموصل

عودة خجولة للمدارس الأهلية شهدته مدينة الموصل، فإلى الآن أكد الكثير من موظفي تلك المدارس، أنهم لم يستلموا رواتبهم بشكل منتظم، فضلًا على أن السنوات الماضية استنزفت أموال الكثيرين من الذين بقوا داخل المدينة أو غادروها، وأن المدارس الأهلية تحتاج إلى سيولة مادية.

 

“سعد محمد”، وهو تدريسي في مدارس الأوائل الأهلية تحدث لــ”شبكة زدني“: “إنه قبل سيطرة تنظيم داعش على المدينة كان هنالك أعداد كبيرة من الطلبة داخل المدارس الأهلية”، موضحًا بالقول: “مدرستنا مثلًا كانت تفتح لكل مرحلة أكثر من صف، ويكتمل عددها منذ العطلة الصيفية، أما هذا العام؛ فبالرغم من تخفيض أجور الدراسة؛ لم يكتمل حتى عدد صف واحد في المرحلة”.

 

محمد يأمل أن تتحسن أحوال الناس المادية؛ لتنتعش المدارس الأهلية من جديد، فهي على حد قوله تقدم تعليمًا نموذجيًا أفضل مما تقدمه المدارس الحكومية، خصوصًا وإن المدارس الأهلية تحوي على مختبرات علمية ومكتبات، فضلًا عن تقديمها ورشات عمل، وتفعيل النشاطات اللاصفية التي تفتقر لها المدارس الحكومية.

 

هذا وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” قد أصدرت تقريرًا حمل عنوان “التعليم تحت النار”، أظهر أن:

ثلاثة ملايين طفل عراقي خارج المدارس. وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، كان العراق في فترة ما قبل حرب الخليج الأولى عام 1991، يملك نظامًا تعليميًا يعد من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة، وكانت نسبة المسجلين في التعليم الابتدائي مرتفعة، إضافة إلى القادرين على القراءة والكتابة. إلا أن قطاع التعليم عانى كثيرًا بسبب ما تعرض له العراق من حروب وحصار وغياب الأمن.

 

مدارس نازحي الموصل في المخيمات

ليس ببعيد عن الموصل، شمالًا عنها حيث كانت وجهتنا، وتحديدًا مخيم “فان” للنازحين، التابع لمحافظة دهوك شمال العراق، حيث يوجد حوالي 93 ألف طالب نازح يحتاجون إلى التعليم، داخل أي بناء فارغ يمكن أن يؤدي الغرض بدلًا عن بعض الكرفانات التي حولت إلى مدرسة بتمويل من الحكومة المركزية في العراق، ووجد التلاميذ أنفسهم في أوضاع صعبة. والمدرسة تكافح من أجل البقاء، وإعطاء فرصة لطلابها من أجل أخذ أحقيتهم في التعليم.

 

“سلام حسين” نائب مدرسة نينوى للفتيات النازحات يقول: “لأنهن نازحات، فهن بحاجة للمساعدة، ومن الصعب التدريس، خصوصًا وهن يعشن في ظروف نزوح سيئة”.

 

“هيفاء محمد” إحدى المعلمات داخل المدرسة البسيطة في مخيم النازحين، تقول:

“لا شيء من هذا يهم الأطفال، فَهم سعداء لمجرد العودة إلى المدرسة، حتى مع قِصَر اليوم الدراسي؛ فالمدرسة التي تضم 500 طالب وطالبة، تعمل من الساعة الثامنة وحتى الثانية عشرة والنصف”.

 

“غسق”، ذات 12 ربيعًا، وهي إحدى طالبات المدرسة، أخبرت “شبكة زدني“: “أنه على الرغم من حماسنا؛ إلا أن المعلمين يخبروننا أن الأوقات صعبة هنا علينا كنازحين”.

 

جامعة الموصل : تاريخ عريق.. وحال مؤسف

حال جامعة الموصل لا يختلف كثيرًا عن مدارس المدينة، فأبنيتها التي تجاوز عمر بعض منها 6 عقود من الزمن؛ دُمِّر أغلبها بفعل الحرب أو الحرق، والبعض الآخر تعرض لعمليات سلب ونهب من قبل ضعفاء النفوس، فجامعة الموصل، ورغم عودة الحياة الدراسية فيها؛ إلا أنها تعاني أيضًا من نقص في الأبنية والأثاث، ومستلزمات الدراسة الأخرى.

 

المعيد في كلية طب نينوى -المعروفة محليًا بكلية “الطب الثانية”- “أوس محمد” يقول: “فوجئت بحجم الدمار الكبير الذي شاهده داخل الجامعة، خصوصًا كلية الطب القريبة من المجمع الطبي في أيمن الموصل؛ قد دمرت بالكامل”.

 

وعن الجامعة، يقول محمد: “إن اغلب الأبنية إما مدمرة أو محروقة أو تم سلبها من قبل ضعفاء النفوس، حيث يُرى للعيان دمار كبير في جامعة الموصل، ثاني كبرى جامعات العراق التي أسست عام 1967، ومع ذلك فقد تم استئناف الدوام فيها”.

 

هذا الصرح العلمي الرصين فيه أكثر من 40 ألف طالب، موزعين على نحو 20 كلية متعددة الأقسام العلمية والإنسانية، غير أن “ثامر معيوف” مدير إعلام الجامعة؛ أخبر “شبكة زدني” بأن: “نحو 20 بناية قد تم تدميرها بالكامل أو حرقها، فضلًا عن حرق مكتبة الجامعة المركزية، والتي كانت تحوي على أكثر من 30 ألف كتاب موزعة على طوابقها الثلاثة”.

 

“معيوف” أضاف، أنه: “رغم حجم الدمار هذا؛ عادت الحياة الجامعية إلى داخل الجامعة، وأن عمادات الكليات قامت بدمج الطلاب، ووزعتهم على البنايات التي لم تُصَب بأذى، أو كان الضرر فيها بسيطًا، رغم عدم وجود أي ميزانية تُذكَر لإعادة إعمار حقيقية لما دُمّر من أبنية الجامعة، في خطوة لبث الحياة من جديد داخل أروقة الجامعة التي يوجد فيها أكثر من 3 آلاف منتسب بين تدريسي وموظف، وتخرّج سنويًا ما يزيد على 10 آلاف طالب ليدمج داخل المجتمع وسوق العمل”.

 

معاناة من نوع آخر

وبالعودة إلى والد مريم؛ حيث أخبرنا أن أغلب المدارس في أيمن الموصل –تحديدًا- ليس فيها دورة مياه، وإن وجدت؛ فهي غير لائقة بطالب مدرسة. ويعاني الطلبة من هذا الأمر خصوصًا وأن ساعات الدوام طويلة.

 

وأكّد والد الطفلة مريم، أنه عند هطول الأمطار تغرق أغلب الصفوف ومعها الطلبة، ويضطر إلى الذهاب لجلب ابنته من المدرسة؛حيث يصبح السير في الطريق صعبًا؛ بسبب تجمع برك المياه؛ لعدم إصلاح الشوارع التي شهدت معارك عنيفة.

 

أنهينا يومنا مع مريم، التي تصر على النجاح رغم كل شيء؛ لتزرع في قلوب الكثيرين الأمل، رغم تردي الوضع التعليمي داخل مدينة الموصل.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

[…] مع تحقيق الزميل ضيف يزن، بعنوان (المدارس والجامعات في الموصل .. تحديات وأمل) ويتحدث فيه عن معاناة المدارس العراقية، والمشاكل […]

أضف تعليقك