المدرسة السعودية تنشئ أجيالًا من العرب والأعاجم في باكستان

1 مارس , 2016

شهد العقدين الأخيرين، من القرن الماضي، على قوة العلاقة بين دولتي باكستان والسعودية، والتي كانت تمر بفترة أشبه بمرحلة “شهر عسل“؛ وطدت فيها الدولتان روابطهما السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ حتى أن حلاوة العلاقة تسربت لتطوير علاقة الدول العربية عامة مع باكستان؛ مما أدى لزيادة عدد الجالية السعودية والعربية فيها، فبرزت الحاجة لوجود مدرسة عربية تحتضن أبناء تلك الجالية في بلاد تختلف ثقافتها ولغتها وأسلوب الحياة فيها عن العرب، ومن هنا جاءت فكرة تأسيس المدرسة العربية السعودية في إسلام آباد لتحل هذه المشكلة.

 

من “راولبندي” إلى “إسلام آباد”:

لقد كانت المدرسة السعودية في باكستان، أول مدرسة تفتتحها المملكة العربية السعودية خارج حدودها، ولقد مرت بمراحل تطوير عدة حتى تواكب احتياج العرب المتزايد لإرسال أبنائهم إليها.

12435730_10207985281330753_442402046_n (1)

في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٥م، زارت “شبكة زدني” المدرسة السعودية في باكستان، في إسلام آباد، والتقت بمديرها “محسن صالح البقعاوي”، الذي حدثنا عن لمحة تاريخية حول المدرسة، مشيرًا إلى أنها “أُنشئت بداية عام ١٩٩٤م، في “راولبندي”، لطلاب المرحلة الابتدائية فقط، لكن استمرار تزايد العرب القادمين إلى باكستان، دفع المدرسة لتنتقل أولاً إلى العاصمة إسلام آباد، ومن ثم افتتحت صفوف المرحلة المتوسطة والثانوية، وبعدها أخيرًا خصصت مبنى كامل للبنات وآخر للأولاد”.

ويلفت “البقعاوي”، وهو حاصل على درجة الماجستير في التربية من جامعة الملك سعود، وقد قضى في باكستان أربعة أعوام، وخدم في التربية والتعليم لأكثر من ١٧ عامًا، إلى أن “المدرسة غيرت المبنى عدة مرات منذ إنشائها، وذلك لتواكب العدد المتزايد من الطلاب العرب وغير العرب القادمين للدراسة فيها، فهي تستقبل بشكل سنوي من ٣٠٠ إلى ٤٠٠ طالب وطالبة على الأقل، ٥٠٪ منهم غير سعوديين من عرب وأجانب، من أكثر من ٢٢ دولة، وذلك يعكس نجاح المدرسة في كسب ثقة العرب وغير العرب هنا” على حد تعبيره.

 

تعدد الثقافات: من تحدٍ إلى فرصة لإيصال الرسالة

من المؤكد أن التعامل مع طلبة من عدة جنسيات وثقافات وأعمار كان بمثابة تحدٍ كبير أمام المدرسة، فلقد خرّجت المدرسة السعودية منذ إنشائها في باكستان ما بين ٩٠٠ إلى ١٢٠٠ طالب عربي وغير عربي، على أيدي أساتذة من جنسيات متعددة فالمدرسون السعوديون يشكلون ٣٠٪ فقط من إجمالي عدد المدرسين فيها؛ فمنهم المصري والسوري والفلسطيني والسوداني والباكستاني، وآخرون.

يؤكد “البقعاوي” على أن المدرسة استطاعت التغلب على هذا التحدي بتحويله إلى فرصة لتقريب أواصر العرب في الغربة وتعزيز تبادل الثقافات بين الطلبة من مختلف الجنسيات. مشيرًا إلى أن “هدف المدرسة يتبلور في أربع نقاط أساسية:

أولًا: توفير فرصة الدراسة لأبناء السعوديين والعرب في باكستان.

ثانيًا: التعليم وفق المنهاج السعودي.

ثالثًا: تعميق الانتماء والولاء للوطن.

رابعًا: تحقيق الأسلوب الدعوي الوسطي إلى الله فرسالتنا تربوية تعليمية إسلامية تتبع منهاج الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام”.

وبالفعل كانت هذه الأهداف تلبي احتياج أبناء الطلبة العرب وغير العرب في باكستان، حيث قالت الدكتورة “حنين بشار”، من سوريا، والتي تخرجت من المدرسة عام ٢٠٠٦، إن “المدرسة أكسبتني خبرة في التعامل مع شتى الجنسيات والثقافات، وأن ما يزيد من تميزها هو ثقافتها الدينية الواسعة التي في الغالب لا نجدها في باقي المدارس”.

أما الخريجة “نسيبة الحوامدة” من الأردن، والتي درست هندسة الإلكترونيات لاحقًا، وتعمل حاليًا في المدرسة كمدرسة رياضيات، للمرحلة الابتدائية، فتؤكد دور المدرسة في تعزيز تبادل الثقافات بين الطلبة فتقول: ينتمي طلاب المدرسة لجنسيات مختلفة، وهذا يتيح لهم الانخراط في مجتمعات جديدة والتعرف على ثقافات بلدان أخرى وهذا ما تميزت به المدرسة.

أما مبنى المدرسة بالنسبة لـ”هند العبيدي”، من العراق، فقد كان المكان الذي جمع كل تلك الأعراق والثقافات؛ لتجعل من حياتها في المدرسة تجربة رائعة “لن تتكرر”، على حد قولها.

العربية ميزة تشد الطلاب الأعاجم 

ومن الواضح، أن تعدد الثقافات والرسالة الإسلامية لم تكونا النقطتين الوحيدتين اللتين تميزت بهما المدرسة السعودية في باكستان، فللغة العربية أهمية كبيرة في جذب عدد كبير من الطلاب الغير عرب إليها. وحول هذه النقطة، يوضح مدير المدرسة “البقعاوي” لـ”شبكة زدني” سياسة المدرسة في احتضان طلبة باكستانيين وأفغان وغيرهم، لتعليمهم اللغة العربية السليمة؛ حيث أشار إلى أن “هناك عدد كبير من الباكستانيين والأجانب اللذين يأتون للمدرسة بهدف تعلم العربية، فنقبل من يتقدم لصفوف المرحلة الأولى، ونوظف لهم برنامج خاص مكثف لتأسيسهم، ولتقوية لغتهم حتى يواكبوا مستوى زملاءهم في المدرسة”.

التقت “شبكة زدني” بحالات مميزة لطلاب من وسط آسيا وأفغانستان وباكستان، ممن تخرجوا من المدرسة بلغة عربية قوية وسليمة.

وفي هذا السياق، حدثتنا الطالبة الباكستانية “حفصة غازي”، عن ما يميزها كطالبة باكستانية، تخرجت من المدرسة قائلةً: إن “التفوق والتميز باللغة العربية السليمة ميزني كطالبة للعلوم الإسلامية، في مرحلتي البكالوريوس والماجستير، بالجامعة الإسلامية في إسلام آباد، وهو تخصص لطالما حلمت أن أدرسه. أضف إلى ذلك تأسيسي دينيًا بشكل قوي في المدرسة؛ وبذلك استطعت أن أتفوق في جامعتي أيضًا”.

أما الطالبة “سياحة” من طاجكستان، التي تخرجت من المدرسة عام ٢٠١٢، فتقول: “أنني كغير عربية، تعلمت الكثير في المدرسة، وأكبر ما قدمته لي هو تعليمي اللغة العربية السليمة، واللغة العامية؛ حتى أنني أتحدثها بطلاقة وبطريقة العرب أنفسهم، وليس كأجنبية، وهذا جعلني أنخرط في المجتمع العربي؛ وأكون صداقات دائمة معهم حتى اليوم”.

وتؤكد الطالبة الأردنية، “آلاء جلامدة”، والتي درست في المدرسة، عام ٢٠٠٥، على أن المدرسة كانت ملاذًا لها، حتى لا تتأخر أكاديميًا في سنة وجودها في باكستان، ووصفت تجربتها في المدرسة السعودية بالرائعة؛ حيث أنها تتلمذت لعام كامل على منهاج غير المنهج الأردني، وهو ما أضاف لمعرفتها واطلاعها، كما قالت.

المنهاج السعودي يتلمذ أجيالًا

افتتحت المملكة العربية السعودية، مدارس في العديد من البلدان في العالم، وخصوصًا في البلاد التي يقل انتشار المدارس العربية فيها، وفي باكستان توجد ثلاث مدارس عربية فقط: سودانية وإماراتية وسعودية، وهذا ما دفعنا لأن نسأل “البقعاوي”، عما يميز مناهج المدرسة السعودية في باكستان، فأجاب: “نعتمد على منهج سعودي يؤسس الطلبة دينيًا وثقافيًا بشكل عميق، ونعتمد على أساتذة أكفاء، كما نسعى دائمًا لتطوير سياساتنا ومنهاجنا”. ويشير إلى أن “المدرسة تحضر لاعتماد سياسة “البكالوريا الدولية” والتي ستعتمد منهجًا مكثفًا للطلاب، يجعلهم يُقبلون بسهولة بأي جامعة بالعالم، دون الحاجة لاجتياز امتحان القدرات أو حتى تقديم السنة التحضيرية في الجامعة”.

وعن الآليات والسياسة العامة التي تتبعها المدرسة، فيؤكد “البقعاوي” على أن المدرسة “تتبع استراتيجيات حديثة في التعليم، مثل التعليم التعاوني، والتعليم المصغر، وتحضير مختبرات مجهزة بأهم الأدوات لإثراء التعليم العملي للطلاب، وكل ذلك يصب في الهدف الأخير وهو تجهيز طلاب أكفاء يكونون لبنة صالحة في مجتمعاتهم؛ ونحن علينا كقيادة ومعلمين أن نمثل المملكة في جميع تعاملاتنا وسعينا لاحتواء الطلاب، وأنا هنا خادم للمدرسة، والطلاب أبنائي أكثر من أن يكونوا طلابًا عاديين، وهذا التعامل الراقي من الاساتذة والإدارة، هو ما يميزنا ويجذب أولياء أمور الطلبة إلينا”، على حد قوله.

 

مشكلة اللغة الإنجليزية

وينوه “البقعاوي”، مدير المدرسة، إلى أن”المنهج السعودي يحتل المرتبة الخامسة عشر عالميًا، في مواد الرياضيات والعلوم”. لافتًا إلى أن المدرسة “تواجه مشكلة في ضعف التركيز على اللغة الإنجليزية؛ لذلك بدأت المدرسة في تكثيف حصص اللغة الإنجليزية، لتجهيز الطلاب للانخراط في حياة الجامعة بشكل أسهل”.

ويعتقد الطالب الأفغاني “فضل الرحيم وزين”، والذي تخرج من المدرسة عام ٢٠١٠م، بأن مشكلة المدرسة في ضعف منهاج اللغة الإنجليزية، التي لم تحل أثناء فترة دراسته في لمدرسة، وهي ما جعلته يواجه صعوبات في الجامعة. ويرى بأنه يتوجب “على المدرسة أن تدمج الإنجليزية بشكل أقوى في المنهج؛ فدراسة الطب تحتوي على الكثير من المصطلحات الإنجليزية التي من الصعب استيعابها دون أن يكون الطالب معتادًا على اللغة الإنجليزية أكثر”.

وتقول الطالبة الأردنية، “خنساء بركات”، إنها اضطرت بعد التخرج، لأن تأخذ دورة تقوية في اللغة الإنجليزية، قبل أن تلتحق بالجامعة حتى تستطيع مواكبة زميلاتها في الدراسة”.

 

حكومة باكستان، مصدر دعم أم عائق؟

يشيد مدير المدرسة، “البقعاوي”، بدور حكومة باكستان وشعبها في إظهار الاحترام والتقدير للمدرسة العربية السعودية في باكستان، وعندما سألته “شبكة زدني”  إن كانت المدرسة قد تعرضت لمضايقات بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر،  أكد على أن ذلك لم يحصل أبدًا، بل كانت الحكومة دائمًا متعاونة. وأضاف “البقعاوي” بأن المدرسة تشارك مدارس أخرى في باكستان نشاطات وفعاليات ومنافسات تكون فيها المدرسة في الغالب في المركز الأول، مثل مسابقة تسلق جبال مرغلا، ومسابقة الطبق الخيري ونشاطات أخرى.

 

خريجي المدرسة، أين هم اليوم؟

بالنظر إلى جهود المدرسة في تحقيق أهدافها، لتأسيس وتخريج طلاب عرب وغير عرب، نجد اليوم أن أغلب المتخرجين استطاعوا أن يبلوا بلاءً حسنًا في الجامعات، فمن خلال حديث عدد كبير من خريجي المدرسة لـ”شبكة زدني”، وجدنا أن منهم الطبيب والمهندس وخريج الإعلام والعلوم السياسية، وغير ذلك، ممن استطاعوا أن يتفوقوا ويتميزوا في جامعاتهم ويثبتوا أن “التحديات بالفعل يمكن تحويلها إلى فرص”، كما يقول المثل الصيني القديم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك