النظام السوري ينتقم من خصومه بتغيير المناهج الدراسية

4 مايو , 2017

على مدى عقود مضت كان التعليم في سوريا أحد الأدوات الأيديولوجية التي اعتمد عليها نظام الأسد لترسيخ واقع سلطته، شأنه شأن غيره من الدول ذات الأنظمة الشمولية، التي توظِّف مختلف الوسائل من أجل تشكيل الأفكار وصياغة الرأي العام بما يتناسب مع رغباتها ومصالحها.

ومع انطلاق الثورة السورية واعتماد النظام على القوى الخارجية والدول الكبرى لكبح جماح الخارجين عليه، كان لا بد للنظام من إحداث تغييرات في الوسط السوري، من شأنها أن تبدي نوعًا من الوُدِّ لمن يساعده، وتغييرات أخرى كانت بمثابة رسائل للدول التي تساعد الشعب السوري في ثورته.

ولم تقتصر التحديثات التي ابتكرها النظام في سوريا على الجانب الاجتماعي أو الاقتصادي بل طالت حتى الجانب التعليمي كتعديل المناهج الدراسية واستحداث مواد جديدة في بعض المراحل.

 

تغيير ليس للتطوير

مع بداية الموسم الدراسي (2015 – 2016) تم البدء بتعليم مادة اللغة الروسية في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سوريا، لتكون بذلك اللغة الأجنبية الثالثة إلى جانب الإنكليزية والفرنسية، ويأتي استحداث مادة اللغة الروسية للمنهاج السوري، كمبادرة شكر ورد جميل لروسيا التي تساند النظام في قمع الثورة السورية، التي تقدم أيضًا له الدعم السياسي والعسكري واللوجستي، بحسب فراس النحاس (مدرس سابق للغة الإنكليزية في دمشق).

وأوضح فراس لنا، أن مادة اللغة الروسية ستكون كمادة اللغة الفرنسية في المنهاج السوري أي بمعنى أن الطالب لديه حرية الاختيار بينهما، مشيرًا إلى أن المادة ستدرس للمرحلة الإعدادية ابتداءً من طلاب صف السابع.

 

سبب إضافة اللغة الروسية

في هذا الإطار كان وزير التربية في حكومة نظام الأسد هزوان الوز، قد تحدث سابقًا في تصريحات إعلامية، أن “الوزارة قد انتهت من جميع الاستعدادات لتعليم اللغة الروسية في كثير من مدارسها ابتداءً من المناهج إلى المعلمين والمدرسين”، مضيفًا أنهم سيقومون باستقدام 450 معلمة روسية لتدريس المادة.

وحول تأثيرات هذه الخطوة قال أحمد باريش، وهو مشرف تربوي ويتحدث اللغة الروسية،  من ريف إدلب، أنه “يجب علينا جميعًا أن نحاول تعلم اللغات فهي مفيدة للشخص حيثما رحل، ولكن إذا دخلت الروسية في المنهاج التدريسي فبالطبع سيكون لها تأثير كبير على المنهاج بشكل عام وعلى الطالب بشكل خاص”.

وأوضح أحمد لنا أن إدخال مادة اللغة الروسية في هذا الظرف له تداعيات سياسية بالدرجة الأولى، كونه قرارًا سياسيًّا بامتياز بعيدًا عن الجانب التعليمي، لافتًا إلى أن اللغة الروسية مرتبطة في أذهان الكثيرين من الشعب السوري بموقف سياسي بالدرجة الأولى، مع أن الأدب الروسي لم يكن بعيدًا عن حياة السوريين الذين مضى جيلٌ منهم على الالتزام بالماركسية أو الاهتداء بها.

الأستاذ أحمد أردف بأنه مؤخرًا بدأ مؤيدو النظام يشكون من عدم اهتمام النظام بالتعليم بسبب العبث بالمناهج، إضافة إلى اكتظاظ المدارس، وتأخر طباعة الكتب المدرسية، وعدم توفير بنية تحتية مناسبة، كما أن أجهزة النظام الأمنية لا تتوقف عن متابعة المدارس، وتوجيهها واعتقال أي مدرس يشك بعدم موالاته للنظام الحاكم، حيث وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (منظمة سورية غير حكومية) منذ بدء الثورة مطلع 2011 اعتقال الآلاف من الكوادر المدرسية في سوريا لأسباب وصفتها سياسية.

 التربية الدينية تحت الأنظار

انتشرت مطلع العام الماضي (2016) أخبارٌ في وسائل الإعلام عن نية نظام الأسد في سوريا حذف مادة التربية الدينية من مناهج التعليم في سوريا، بذريعة “محاربة التطرف.”

وعزز هذه الأخبار حينها كلامُ عضو مجلس الشعب الناطق باسم النظام، نبيل صالح، إن بعض أعضاء المجلس تساءلوا في 28 يوليو/ تموز 2016 عن غياب توصيف الدولة بـ”العلمانية”، كما طالب بعضهم باستبدال مادة التربية الدينية بمادة “الأخلاق” ودمج الطلاب المسلمين والمسيحيين في درس الدين.

وكانت صحيفة “الوطن” الموالية للنظام قد نقلت عن الفنان السوري المعروف دريد لحام الموالي للنظام في 14 تموز 2016 إنه عضو في لجان تابعة لوزارة التربية في حكومة النظام، مهمتها تغيير المناهج، وقال إن “مناهج سوريا تعلم الطائفية، معترضًا على تسمية مادة التربية الدينية في المناهج، ومطالبًا بجعلها التربية الإيمانية”.

أما مفتي النظام في سوريا أحمد بدر حسون فمنذ عام 2013 دعا إلى الاستبدال بمادة التربية الدينية في المناهج، وفي كانون الأول 2013 نقلت وكالة أنباء النظام “سانا” دعوته إلى “إلغاء مادة التربية الدينية والتركيز على مادة التربية الوطنية” لـ “الخروج من عقلية المذهبية والطائفية والمصلحية.”

وفي هذا السياق قال الأستاذ ناصر غزال، أستاذ التربية الدينية وإمام مسجد سابق، إن “السوريين يعرفون أن نظام الأسد جعل من مادة التربية الدينية مادة ثانوية، في مناهج التدريس، حيث كان لها حصتان في الأسبوع فقط، وبمعدل علامات منخفض، كما أن نتائج هذه المادة لم تكن تدخل ضمن المجموع العام لطلاب الشهادة الثانوية، ولم تكن تفيدهم في المفاضلة للتسجيل الجامعي، لذلك لم تكن تشكل لهم مجال اهتمام دراسي.”

ويضيف الأستاذ ناصر لنا أنه في نظرة سريعة للواقع التعليمي في سوريا في ظل حكم آل الأسد، نجد مدى البعد عن الحياة التعليمية والتربوية، حيث استخدم النظام كل المناهج التعليمية لشخصه ولإنجازاته المزعومة”.

يرى فارس طالب الثانوي من جانبه أن مادة التربية الدينية في سوريا لا تدرس شيئًا، وحصتها كانت للتسلية وليس للتعلم وذلك ما يرضي النظام، وقال “لا أظن أن طالبًا يدرس الثانوية يعطيها من وقته الكثير كونها لا تدخل في المجموع العام”.

 

العداء لتركيا من خلال المناهج

أجرت وزارة التربية في حكومة النظام مؤخرًا تغييرات على بعض المصطلحات التي تقدم لطلاب المدارس في كتب التاريخ والدين والاجتماع، وتحديدًا ما يتعلق منها بالمرحلة العثمانية.

وفي طبعة 2016 / 2017 من كتاب التاريخ للصف الثامن تم إلغاء صفة “الفاتح” عن السلطان العثماني “محمد الفاتح”، ليصبح اسمه “محمد الثاني”.

كما تم حذف مصطلح “فتح” واستبداله بكلمة “استيلاء” أو “سقوط” أو “دخول”، في عبارات تتحدث عن القسطنطينية أو الفتح العثماني داخل الكتاب ومنها: “ونبين أهمية فتح القسطنطينية”، لتصبح بعد التغيير، “ونبين أهمية الاستيلاء على القسطنطينية”، و”فتح القسطنطينية” ستصبح “سقوط القسطنطينية” أو “دخول القسطنطينية“، و”فتح البلقان” تصبح “دخول البلقان“، و”فتحها العثمانيون” تصبح “استولى عليها العثمانيون“.

ويأتي هذا التعديل وَفقًا لرؤية أستاذ التاريخ شاكر مصطفى (من مدينة حلب) ردًّا على مواقف تركيا الداعمة للشعب السوري في ثورته ضد النظام، الذي لم يجد وسيلة للانتقام من تركيا إلا عبر استخدام مصطلحات مزيفة للنيل من تاريخها في الفتوحات الإسلامية وللتشهير بقادتها الأوائل.

أما بتول الصفدي (موجهة ثانوي) رأت أن عِداء النظام لتركيا وتزويره للوقائع التاريخية التي تخص الدولة العثمانية شيء طبيعي، فالنظام حتى لو لم تكن تركيا من بين الدول التي ساعدت الشعب السوري الثائر، فإنه كان يكره أن تنسب أي إنجازات تاريخية  لغيره في المناهج التي يشرف عليها.

وأوضحت بتول لنا أن أغلب المناهج التدريسية في سوريا، كانت وما زالت لا تخلو من سؤال حول “إنجازات” نظام الأسد، حيث تأتي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال “القائد” بشكل متلازم مع بعضها، بصورة تشوش فكر الطالب.

وأضافت أن نظام الأسد أحدث مادة خاصة بتمجيد سياسته أطلق عليها اسم “القومية” ليستبدل بالاسم فقط فيما بعد؛ لتصـير “الوطنية”، مع بقاء المضمون الذي اختص بعرض إنجازات النظام المزعومة.

وكانت الغاية من تدريس تلك المادة بحسب بتول، هي زرع أفكار “القائد الرمز” وحزب البعث الحاكم في عقول الطلاب، وأشارت بالقول “مع كونها مادة مكروهة لدى الطلاب إلا أنها مادة ضرورية لتحصيلهم الدراسي ليس فقط في مراحل التعليم الابتدائي والثانوي، بل حتى في مرحلة التعليم الجامعي.”

 

المناهج في مناطق المعارضة

أما في مناطق المعارضة فالأمر أكثر تعقيدًا، فمع أن السياسية التعليمية المتبعة في تلك المناطق لا تختلف كثيرًا عن مناطق النظام، إلا أن مناطق المعارضة لا تخضع لقائد واحد لتتغنى به ولتغني المناهج ببطولاته وإنجازاته، كما أن الاختلاف الأيديولوجي يرخي بظلاله على المناهج المفروضة على الطلاب، فالمعارضة السورية بمختلف مشاربها وعلى الرغم من اتفاقها العلني على إسقاط النظام؛ إنها لم تتمكن حتى الآن من بلورة نظام تعليمي واضح منفصل عن المنهج الرسمي، حيث عملت وزارة التربية في الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني المعارض مع بعض الهيئات العلمية المعارضة المهتمة بالمجال التعليمي على تنقيح المنهاج السوري النظامي، وإزالة خطابات وصور رئيس النظام بشار الأسد، وإلغاء مادة “الوطنية” كونها تمجد الأسد، كما حذفت بعض دروس التاريخ، التي يراها المعارضون مزورة، خاصة فيما يتعلق بدور رئيس سوريا السابق حافظ الأسد في بناء سوريا الجديدة بعد الاستقلال.

كما تتجلى مشكلة التعليم بشكل واضح في المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل العسكرية الإسلامية، التي قامت بحذف العديد من المواد بذرائع مختلفة، بين مخالفتها للشريعة الإسلامية أو عدم أهميتها، بالإضافة إلى إدخال ثقافة غريبة على أهالي تلك المناطق وعملها على أدلجة التعليم، عملًا على تهيئة بيئة حاضنه لوجودها في تلك المناطق بين جيل الشباب اليافع؛ ليكون جاهزًا للانخراط مستقبلًا في مشاريعها التي تسعى إلى تطبيقها في المناطق المحررة.

 

غياب المنهاج الموحَّد

الأستاذ سامي أبو اللبن (أكاديمي ومشرف سابق على تعديل المناهج في المناطق المحررة)، تحدث لنا في هذا الخصوص قائلًا، “لعلَّ عوامل أخرى لا تقل أهميَّة عن المالية والأمنية، تتسبّب كذلك في عدم انتظام العملية التعليمية في المناطق المحررة، وتعرقل سيرها نحو الأفضل وأبرزها هو المناهج المختلفة التي تدرَّس للطلاب؛ إذ لا نجد مناهج موحدة في مدارس المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في درعا، ولا في ريفَي دمشق الشرقي والغربي أو في ريفَي حمص وحماه الشماليين أو محافظة إدلب أو شرقي مدينة حلب مع ريفَيها الشمالي والجنوبي، بالإضافة إلى مناطق محدودة في ريف اللاذقية الشمالي”.

وتابع سامي قائلًا: إن مدارس ومراكز الأطفال التعليمية في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية، كثيرًا ما تعمد إلى تدريس المنهاج نفسه الصادر عن وزارة التربية في حكومة نظام الأسد بعد تنقيحه وحذف فصول دراسية أخرى تتعلق خصوصًا بالسياسية والتاريخ، لافتًا إلى أن بعض المدارس، خصوصًا في محافظة درعا ومناطق أخرى، ما زالت تُدرِّس المنهاج نفسه، إذ إنَّ كادرها التدريسي وكذلك الإداري يتقاضيان حتى اليوم المرتبات من النظام في دمشق.

سامي كشف لنا عن أنه قبل تشكيل الحكومة المؤقتة في سوريا، كانت العملية التعليمية تُدار من قبل منظمات أهلية تتلقَّى تمويلها لإدارة المدارس بطرق منفصلة، إلى جانب المجالس المحلية في البلدات والمدن التي شكَّلتها المؤسسات التي طردت قوات النظام من هذه المناطق.

أمَّا بعد تشكيل الحكومة المؤقتة ودخول وزارة التربية والتعليم على الخطّ، فباتت “الإدارة ثلاثية”؛ فالوزارة تحدد المناهج وتنسِّق هيكل العملية التعليمية من جهة، فيما تتولى المجالس المحلِّية تجهيز المدارس وتأهيلها لاستقبال الطلاب في العام الدراسي الجديد، فيما تتولَّى المنظمات توزيع القرطاسية والملابس على التلاميذ ومساعدتهم في التخلُّص من المعوقات التي تحول دون قدرتهم على الدراسة.

تجدر الإشارة إلى أن هذه المؤسَّسات نجحت ولو جزئيًّا في إدارة المدارس وإتمام امتحاناتها، لكنَّها تواجه مصاعب أكبر على صعيد الأمن المتمثل في قصف النظام والطيران الروسي للمناطق المحررة، الأمر الذي يتطلَّب منها البحث عن حلول بديلة، وفي مقدّمتها تأمين مبان آمنة من القصف لاستقبال الطلاب.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك