بين الأسباب والمظاهر.. الحركة الطلابية الجامعية في دائرة الاستهداف الإسرائيلية

25 مارس , 2018

تُعتبر الحركة الطلابية الجامعية العمودَ الفِقْري الذي أوقف الثورة الفِلَسطينية على قدمَيْها في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وكانتْ في قوة العقل الموجِّه لجسد الانتفاضات الحديثة؛ ولأن أجهزة المخابرات الإسرائيلية عرفت مبكرًا ديناميكية هذه الحركة، وتنبهَتْ سريعًا لمحورية دورها الفكري والميداني في الصراع؛ وضعتها تحت سمعِها وبصرها، وكان لها الأوَّلية في عمليات استهداف الكل الفلسطيني.

 

وعند التدقيق مليًّا في هذه الحركة، نجد أن عناصرها من فئة الشباب، الأكثر وعيًا وحماسًة والأقل تقيدًا وحسبانًا لاعتبارات السياسية ودهاليزها والاقتصاد ومؤشراته، ومما زاد من مكمن الخطورة بالنسبة للاحتلال أن الشعب الفلسطيني “فتي” في عمومه، فحسب جهاز الإحصاء الفلسطيني فإن نسبة الشباب بين عمري (15-29) عامًا بلغت 30% من إجمالي عدد السكان حتى نهاية 2016.

 

الجامعات.. نقطة تواصل ومحطة انطلاق

 

المهندس منذر مشاقي رئيس مجلس الطلبة خلال فترة التسعينات في جامعة النجاح في نابلس شمال الضفة الغربية، قال:

“في منتصف ستينيات القرن الماضي، انطلق الدور النضالي الفعلي للحركة الطلابية؛ فالثورة الفِلَسطينية عمومًا هي نتاج عملٍ طلابيٍّ تزعمه الرئيس الراحل ياسر عرفات من خلال اتحاد طلبة فِلَسطين في كل من مصر والكويت، فكان النواة التي تشكلت منها منظمة التحرير”.

 

ويشير إلى أن الجامعات الفِلَسطينية شكَّلَتْ نقطةَ التقاء هامةً جمعَتْ الطلاب من مختلف المدن والمخيمات والقرى، وصارت مركز تواصل بين شمال وجنوب الضفة وقطاع غزة والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، الأمر الذي أسهم في تبادل الخبرات والتجارب بين الأقاليم المختلفة.

 

ويكمل منذر مشاقي خلال حديثه مع فريق “زدني”: “من هنا وجد الاحتلال في هذا الالتقاء الكبير للشباب خطرًا من الممكن أن يعرقل خططه ومشاريعه التصفوية؛ فعمل ولا يزال على إضعاف الحركة الطلابية واستهدافها واستنزافها، عبر جملة من الإجراءات كان من بينها محاولة اختراق الجسم الطلابي عبر زرع العملاء، الإضافة إلى استخدام الوسائل الإلكترونية لجعل الجامعات صفحة مكشوفة أمامه”.

 

وعلى حد تصريح منذر مشاقي فإن:

الحركة الطلابية كان لها دورٌ محوريٌّ في تكريس الثقافة الوطنية بين عموم الطلبة وتنظيم المعارض والفاعليات الجماهيرية كالمسيرات والمواجهات مع الاحتلال، والاحتفال بالمناسبات الوطنية المختلفة، وتنظيم حملات إعلامية لمقاطعة منتجات الاحتلال، هذا بخلاف الدور الخِدْماتي والنقابي لمجالس الطلبة، التي تهدف لدعم صمود الطالب الفِلَسطيني، والمشاركة المجتمعية من خلال العمل التطوعي.

 

ويضيف منذر: “أما على الصعيد المقاوِمة، فقد نفَّذَ مئات الطلبة الجامعيين خاصة خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، عمليات عسكرية سواءٌ من خلال خلايا منظمة أو بشكل فردي، أوقعت عشرات القتلى الإسرائيليين، فالحركة الطلابية كانت مواكبة لمستوى التصعيد والثورة وهي انعكاس للحالة الفِلسطينية عمومًا “.

 

وتابَع: “كما يسجل للحركة الطلابية بمختلف أطيفها سواء الإسلامية أو الوطنية أو اليسارية، أنها كانت بعض الروافد التي أمدت الشعب الفلسطيني بعدد من القيادات التي كان لها وزن سياسي وعسكري خارج أسوار الجامعة، فعلى سبيل المثال يعتبر القيادي في حركة حماس جمال منصور الذي اغتاله الاحتلال عام 2001 ود. ناصر الدين الشاعر نائب رئيس الوزراء الفلسطيني في الحكومة العاشرة من الأشخاص الذين أسسوا الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح مطلع الثمانينيات، وكان الأخير رئيس مجلس طلبتها”

 

وقال كذلك: “ويمكن الإشارة أيضًا إلى الأسير القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي، الذي كان أحد قيادات الشبيبة الطلابية في منتصف الثمانينيات في جامعة بيرزيت، كما يعتبر الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل عام 1948 أحد مؤسسي الكتلة الإسلامية في جامعة الخليل(…)، ومن هنا نرى أن القيادات الفلسطينية المختلفة التي لها دور سياسي وعسكري وتعبوي كانت في السابق قيادات طلابية، وهو ما يعني أن القيادات الطلابية الحالية ستكون مرشحة لأن تصبح قيادات مستقبلية”.

 

ويلفت الانتباه إلى أن الانتخابات الطلابية لاختيار مجالس الطلبة كانت دومًا محط أنظار واهتمام محلي وعربي وحتى دولي؛ لأنها تمثل عينة كبيرة تعكس توجه الشارع الفلسطيني ومزاجه العام.

 

تعددت الأساليب والهدف واحد

 

تحدث أحمد العايش من جانبه، عن أشكال التضييق الإسرائيلي على الحركة الطلابية في الجامعات والمعاهد والكليات الفِلَسطينية، مؤكدًا في الوقت ذاته على أن الاحتلال لن ينجح في ثنيها عن مواصلة دورها الوطني والنقابي.

 

وأوضح عايش لفريق “زدني” أن هذه الحركة قدمت طوال العقود الماضية آلاف الشهداء والجرحى، خاصة في الانتفاضتين الأولى عام 1987 والثانية عام 2000 وانتفاضة القدس الحالية 2015، إضافة إلى عشرات آلاف الأسرى الذين مَرُّوا بتجربة الاعتقال في سجون الاحتلال.

 

وتابع: “الاعتقالات الإسرائيلية بحق كوادر الكتل الطلابية وأعضاء مجالس الطلبة مستمرة على مدار الساعة، فاليوم لا يزال أكثر من 200 طالب من عناصر الكتلة الإسلامية وحدها معتقلين في سجون الاحتلال، نصفهم تقريبًا من جامعة النجاح والبقية من جامعات بيرزيت والبوليتيكنك في الخليل والقدس المفتوحة والأمريكية في جنين والخضوري في طولكرم وفلسطين الأهلية في بيت لحم”.

 

ولفت رئيس مجلس طلبة بيرزيت المنتخب الانتباه إلى أن هذه الاعتقالات طالت أيضًا طالبات ووجهت لهن ذات التهم، كالطالبة آلاء عساف عضو مجلس الطلبة في بيرزيت التي اعتقلها الاحتلال.

 

ومن الجدير بالذكر أن النيابة الإسرائيلية في محاكمها العسكرية، تعتبر العمل في مجلس الطلبة تهمة توجب السجن لفترة تتراوح بين العام والعامين، فضلا عن فرض غرامات مالية مرتفعة.

 

وفي تطور لافت، بيَّن عايش أن الاحتلال أصبح يلجأ مؤخرًا إلى سياسية جديدة تقوم على إبعاد الطلبة عن أماكن سُكناهم، كما حصل مع نهاد سليم الذي أُبعد من مدينة رام الله إلى طولكرم، في حين منع آخرين من مواصلة تعليمهم الجامعي لفترة مؤقتة كحالة عضو مجلس الطلبة والأسيرة السابقة أسماء القدح التي مُنعت من دخول جامعتها بيرزيت لمدة خمسة شهور، والطالبة في جامعة الخليل سجود الدراويش التي سلمها الاحتلال قرارًا يقضي بحظر دخول جامعتها لمدة ستة شهور.

 

وذكر أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يحترم مباني الجامعات، وصار لا يتورع عن اقتحامها ليلًا ومقرات الكتل الطلابية ومصادرة أغراضها، كما حصل في جامعتي بيرزيت والخضوري، واقتحام المعارض الطلابية وتفكيكها كما حدث في جامعة القدس أبو ديس نهاية العام الماضي، هذا بخلاف مداهمة سكن الطلاب وتفتيشه وتدميره، واقتحام مراكز الخدمات الجامعية والمطابع ومصادرة كتب ولوازم تعليمية متنوعة.

 

وأكمل: “من الواضح أن الاحتلال يتبع سياسية متدرجة في استهداف الجامعات، فقد كان حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي يخشى من اقتحام مبانيها بشكل مباشر خوفًا من الانتقادات الدولية، ومن الجيد الإشارة هنا إلى الحصار الذي تعرضت له جامعة النجاح عام 1992 والذي استمر ثلاثة أيام بهدف اعتقال عدد من الطلبة المطلوبين حسب زعمه، دون مداهمة الجامعة، أما اليوم فصار الاقتحام أمرًا عاديًّا ودوريًّا دون أي اعتبارات”.

 

أما عن أسباب تجرؤ الاحتلال على الجامعات بهذه الطريقة، ذكر منذر مشاقي “أن تصرفات الأجهزة الأمنية الفلسطينية تعتبر أحد أهم هذه الأسباب، فالسلطة بعد أشهر معدودة من إنشائها اقتحمت جامعة النجاح عام 1996 وذلك للمرة الأولى في تاريخها، وأطلقت الغاز المسيل للدموع على الطلاب، واعتقلت بعضهم واعتدت على آخرين، ومن وقتها صارت الجامعات مستباحة وفقدت رمزيتها الحضارية والعلمية”.

 

استهداف مشاريع التخرج التقنية والمختبرات العلمية

ولم يتوقف عنف الاحتلال تجاه الحركة الطلابية عند هذا الحد، بل شمل خطوات أخرى مستهدفة مشاريع التخريج التقنية المختلفة لكليات الهندسة وتصنيع المواد والمخارط الحديدة، فعلى سبيل المثال، اعتقل الاحتلال نهاية العام 2013، (13) طالبًا من كلية الهندسة في جامعة بوليتكنك الخليل؛ لأن مشروع تخرجهم كان عبارة عن صناعة طائرة من دون طيار، حيث خشي الاحتلال من استخدامها لأغراض أمنية وعسكرية.

 

كما يمنع الاحتلال إدخال بعض المواد الكيماوية التي يستخدمها الطلبة في مختبراتهم العلمية، في حين يجد طلبة آخرون صعوبةً كبيرة في توفر بعض القطع الإلكترونية التي تدخل في مشاريع التخرج، مما يضطرهم للاستبدال بها أخرى متوافرة في السوق الفلسطينية، ولا تكون عادة بالجودة نفسها ولا تعطي الكفاءة المطلوبة.

 

المشاركة في المسابقات العلمية.. ممنوع أيضًا

كما لم يقتصر الاستهداف الإسرائيلي للحركة الطلابية عند هذا الحد، بل تعداه ليشمل منع الطلبة الجامعيين المبدعين من السفر للمشاركة في المسابقات والمؤتمرات العلمية سواء العربية أو الدولية.

 

الطالب في كلية هندسة “الميكاترونكس” في جامعة النجاح هاشم إبراهيم شماسنه، كان واحدًا من هؤلاء الذين طالهم المنع، وحرمه الاحتلال قبل فترة من المشاركة في مسابقة كانت مقررة في الأردن.

 

وبيَّن أن المخابرات الإسرائيلية منَعَتْه من السفر عبر مَعْبَر الكرامة (المنفذ البري الوحيد الذي يربط سكان الضفة الغربية بالعالم الخارجي) للمشاركة في مسابقة تنظمها الشبكة العربية للابتكار، لافتًا إلى أن مشروعه كان من ضمن 24 مشروعًا مميزًا، تم اختيارهم من بين (1024 مشروعًا) قُدمت من 17 دولة عربية.

 

وعن طبيعة هذا المشروع، أوضح شماسنه لفريق “زدني” أنه عبارة عن جهاز “روبوت” يقوم بالكشف عن أمكان الأنابيب والأسلاك الكهربائية المدفونة تحت الأرض دون الحاجة للحفر، وهذا يساعد المهندسين والمقاولين على تحديد مخطط كامل لمكان العمل ويوفر كثيرًا من الوقت والجهد.

 

هل تراجع دور الحركة الطلابية؟

وفي المقابل أمام هذه الأدوار المتعددة التي أدتها الحركة الطلابية منذ نشأتها حتى اليوم سواء على مستوى مقاومة الاحتلال أو على الصعيد الفلسطيني الداخلي، هناك من يقول إن دور هذه الحركة تراجع مؤخرًا، ولم يعد كسابق عهده من حيث الحيوية وقوة التأثير.

 

مصطفى الشنار، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة النجاح الوطنية، تحدث من جانبه قائلًا: “منذ بداية الاحتلال كانت الحركة الطلابية في الجامعات، حجر الزاوية الذي اعتمدت عليه مختلف القوى الوطنية والإسلامية لتجنيد عناصرها، ولكن هذا المستوى أخذ يتقهقر بشكل عام بعد أوسلو عام 1993 وشكلت نقطة فارقة، في حين بلغ أعلى مستويات هذا التراجع بعد حزيران/ يونيو 2007 وهو عام الانقسام الداخلي الذي شهد سيطرة حماس على قطاع غزة وتفرد فتح في الضفة”.

 

ورأى الشنار أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الصفة الغربية تعاملت منذ ذلك التاريخ مع فصائل المعارضة عمومًا والإسلامية تحديدًا، وكأنها خارجة عن القانون وشنت حربًا أمنية بلا هوادة ضدها وضدَّ أذرعها الجامعية، حتى أن الاعتقالات السياسية أخذت مظهرًا طلابيًّا عمومًا.

 

وتابع: “كما لا نستطيع أيضًا تبرئة السياسات التي تبنتها غالبية إدارات الجامعات في تعاملها مع الحركة الطلابية، حتى صارت الإنذارات الأكاديمية وقرارات الفصل التعسفي تلاحق الطلبة، مما أسهم في تجفيف منابع العمل الطلابي، كما تم مصادرة حق الانتخابات الطلابية في غالبية المؤسسات التعليمية التي تسيطر عليها السلطة أو تديرها بشكل مباشر أو غير مباشر، تحت حجج ومبررات واهية”.

 

وحسب الشنار فإن الحركة الطلابية التي كانت تاريخيًّا متقدمة على قياداتها الفصائلية، وكانت النواة التي تشكلت منها الفصائل المختلفة ومنظمة التحرير وبقية المنظمات النقابية التابعة لها، وأسست العمل والأدب المقاوم سواء الرسمي والشعبي؛ صارت اليوم تابعة للسلطة، حتى فقدت الكثير من أدوارها.

 

وذكر: “للأسف هذه الحركة كانت في ظل الاحتلال أكثر تأثيرًا وفعالية منها في زمن السلطة الفلسطينية، وإذا أردنا عودة الحياة الطلابية لبريقها السابق؛ فلا بد من إعادة روح التوحد حول المشروع الوطني، ونزع الشك المتبادل بين مكونات المجتمع الفلسطيني، وإذا لم تحدث المصالحة الوطنية الشاملة؛ فستبقى الحركة الطلابية مغيبة ومشلولة بمركزية القرار الرسمي”.

 

وأنهى الشنار حديثه مع فريق”زدني”: “إن من أخطر ما تعانيه المؤسسات التعليمية الفلسطينية، هي عسكرة الجامعات وتطبيق النماذج الاستبدادية في التعامل مع الطلبة والكتل الطلابية المخالفة للتوجهات الرسمية الفلسطينية” .

 

فرضية غير دقيقة

وقد اعتبرت دلال باجس الباحثة المختصة في شؤون الحركة الطلابية أن أنصار فرضية ضعف وتلاشي قيمة الحركة الطلابية بعد اتفاق أوسلو، هم في الحقيقة لا يميزون بين الكتل الطلابية التابعة لفصائل منظمة التحرير التي تلاشت قوتها وتشتت جهودها، وبين الكتل الطلابية الإسلامية. التي تحاول سد الثغرة الناجمة عن خسارة قوة شبابية كبيرة تم تهميشها بعد أوسلو.

 

وطالبت الباحثة بضرورة إنصاف هذه الحركة الطلابية التي قدمت الكثير، ليس على الصعيد السياسي والنضالي فحسب، بل على الصعيد النقابي والاجتماعي أيضًا.

 

واستدركت: “لا يمكن إنكار أن تغيرًا قد يطرأ على وظيفة الحركة الطلابية في أي مكان في العالم، وهذا شيء طبيعي، ولكنه ليس دليلًا على تراجع دورها؛ فهذا مرده إلى تغيير دوائر التأثير في أي مجتمع تبعًا لتطور الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري”.

 

وأوضحت دلال باجس لفريق “زدني”: “الحكم على هذه الحركة بمعايير ثابتة منذ خمسينيات القرن الماضي غير مبرر ولا منطقي، وإنما يجب محاكمتها بناء على الدور الحديث للجامعة، فهي لم تعد المؤثر التوعوي والتثقيفي الوحيد في المجتمع الفلسطيني”.

 

وختمت حديثها: “من هنا كان لزامًا إيجاد آلية جديدة لمحاكمة الحركة الطلابية، وتقييمها بناء على أدائها الحالي في ظل الظروف الواقعية للجامعات ومن خلال بيان مدى تحقيقها لأهدافها المرسومة سلفًا”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك