“جامعة الموصل”.. منارة للعلم أم مصنع أسلحة؟!

5 يونيو , 2017

شَهِدَتْ مدينة الموصل العراقية أحداثًا سياسية وعسكرية غيرت المشهد الاجتماعي والثقافي فيها بعد سيطرة تنظيم الدولة على المدينة في العاشر من حزيران / يوليو 2014 بعد انسحاب قطعات الجيش العراقي منها، ودخول المدينة في منعطف تاريخي غير مجرى الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية، العمليات العسكرية وممارسات تنظيم الدولة لم تترك ركنًا في المدينة إلا ووضع بصمته فيها، وقد نالت جامعة الموصل النصيب الأكبر من الدمار والتخريب والإهمال.

مرت جامعة الموصل بالكثير من الأحداث والمتغيرات السياسية منذ تأسيسها، وكانت أكثر الأحداث تأثيرًا فترة الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 حيث تعرض الكثير من أساتذة كليات ومعاهد جامعة الموصل إلى القتل والتهجير من قبل الجماعات المسلحة مما اضطر الكثير منهم إلى الهجرة خارج العراق حفاظًا على أرواحهم، الأمر الذي أدى إلى تدني المستوى التعليمي فيها إلى أبعد المستويات بسبب هجرة أغلب الكفاءات العلمية والثقافية منها، وتعتبر جامعة الموصل من أكثر جامعات العراق والشرق الأوسط التي تحتوي على مراكز الدراسات والبحوث والتطوير.

وتقع جامعة الموصل في الساحل الأيسر من مدينة الموصل، وقد تأسست عام 1967م، ويبلغ عدد الكليات والمراكز الاستشارية فيها 51 مركز استشاري وكلية، وأكثر من 8000 عدد التدريسيين والأساتذة المساعدين فيها، فيما يبلغ عدد طلاب الدراسات الأولية: 35000 طالب، وعدد طلبة الدراسات العليا: أكثر من 1200 طالب بحسب الإحصاءات الرسمية من رئاسة الجامعة، وتتخذ اليوم من محافظتي كركوك ودهوك وجامعة النور في برطلة مقرًّا بديلًا لها بعد سيطرة التنظيم على المدينة وتفجيره الكثير من مبانيها قبل سيطرة القوات العراقية عليها.

جامعة الموصل كان لها النصيب الأكبر من نسبة الدمار الذي لحق بالمدينة، فمعالمها المعمارية الشامخة ومكاتبها الذاخرة بمختلف كتب العلوم والمعرفة، أصبحت مدمرة جراء الحرب الدائرة في المدينة، حيث كان للحرب الدور في تدمير المدينة الجامعية التي يعود تاريخها لأكثر من نصف قرن مضى على تأسيسها؛ لتغرق المدينة في مستنقع الجهل والتخلف بعد فقدان أبنائها مقاعدهم الدراسية لـ 3 سنوات مضت، فضلًا عن تدمير مدارسها ومعاهدها التي كان آخرها تدمير مباني ودور الجامعة.

تعرضت معاهد وكليات جامعة الموصل إلى القصف المستمر من قبل الطيران الحربي العراقي وطيران التحالف الدولي بعد أن اتخذ التنظيم من مبانيها ورشًا ومصانع لتصنيع الأسلحة والصواريخ، ما جعلها هدفًا لقنابل وصواريخ تلك الطائرات، فضلًا عن تفخيخ التنظيم لما تبقى من مباني الجامعة قبل أن يقوم بنقل محتوياتها من أجهزة ومعدات طبية وهندسية وبيعها إلى جهات أخرى.

وتعتبر جامعة الموصل من أكبر جامعات العراق وأقدمها وقد كانت تستقطب الكثير من الطلبة العراقيين والعرب قبل الغزو الأمريكي للعراق، وبمعالمها العمرانية الشامخة أصبحت اليوم أثرًا بعد عين، وتم تسوية مبانيها مع الأرض جراء آلة الحرب العسكرية، فأغلب مباني الجامعة طالها الدمار والخراب لما شهدته من أحداث وعمليات عسكرية التي حدثت فيها وتعرضها للقصف الجوي والمدفعي المستمر، كما قام عناصر التنظيم بتفخيخ بعض المباني وتفجيرها تزامنًا مع دخول القوات العراقية إليها.

دخلنا إلى جامعة الموصل وتجولت في مختلف أنحائها واطلعت على الكليات والمعاهد التي نال منها الدمار الذي طال معظم أجزائها، وأصبح من الصعب إعادة تأهيلها في المستقبل القريب، وفتح جميع أقسامها وكلياتها نظرًا لنسبة الدمار الكبيرة التي لحقت بها بحسب ما صرح به بعض المسؤولين العراقيين من المدينة.

 

مستقبل الطلاب الدراسي

رئيس جامعة الموصل الدكتور أُبَي سعيد الديوه جي في حديثه معنا قال: تعرضت الكثير من مباني الجامعة إلى دمار كامل، ولكن نحن الآن نعمل على ترميم وإعادة المباني التي لم تلحقها أضرار كبيرة، مبينًا أن هناك عددًا من المختبرات لم تدمر أيضًا وبإمكاننا العمل على إعادتها، وأضاف الدكتور “الديوه جي” بأن حوالي 10 الآف طالب يباشرون العمل بجامعة النور الموقع البديل لجامعة الموصل، إضافة إلى 15 ألف طالب في مقرات الجامعة البديلة في محافظتي دهوك وكركوك.

ويوضح “الديوه جي” لعدم ضياع مستقبل الطلبة للسنتين الماضيتين سنستمر في الدوام حتى شهر تشرين الثاني القادم، ونحن بانتظار تحرير الساحل الأيمن من المدينة لضمان التحاق الطلاب المحاصرين والمباشرة في دوامهم في الكليات والمعاهد، وأشار سيتم فتح أبواب الجامعة للعام الدراسي الجديد واستخدام المباني التي لم تتعرض لنسب تدمير كبيرة، مبينًا أن جامعة الموصل فيها مباني كبيرة وكثيرة وبإمكاننا استخدام الكثير منها، مؤكدًا أن إعادة إعمار المباني المدمرة يحتاج إلى سنوات، كون المباني المدمرة كبيرة جدًّا وتحتاج إلى أموال طائلة.

إحراق المكتبة المركزية

 

عمد تنظيم داعش على إحراق المكتبة المركزية وإتلافه جميع الكتب والمجلدات التي تحتويها المكتبة، وهي التي يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من 200 سنة لأسباب قال إنها مخالفة للشريعة الإسلامية وفق معتقده، إحراق الكتب والمجلدات في المكتبة المركزية لا يقل سوءًا عن تدمير كليات ومعاهد الجامعة إن لم يكن أكثر تأثيرًا.

شهود عيان قالوا لنا عندما قام عناصر التنظيم بإحراق المكتبة المركزية تشكلت في سماء المدينة سحابة سوداء، غطت معظم أجزاء المدينة دلالة على ما كانت تحتويه المكتبة من كميات كبيرة ووفيرة من الكتب العلمية والثقافية والفلسفية التي أصبحت رمادًا، ولم تعد تملك جامعة الموصل أي رصيد علمي أو ثقافي بعد فقدانها المكتبة المركزية التي كانت تعد أحد أهم أكبر المراجع العلمية والثقافية في العراق.

 

تعرض أغلب مباني الجامعة للدمار

مسؤولون عسكريون تحدثوا لنا وأشاروا إلى أن نسبة الدمار التي تعرضت لها مباني جامعة الموصل تجاوزت الـ 75 % من جراء العمليات العسكرية التي حصلت في أغلب مبانيها واتخاذ التنظيم مقرات ومصانع لصنع العبوات والسيارات المفخخة؛ مما جعلها هدفًا عسكريًّا ، وأضافوا أن التنظيم أبدى مقاومة شديدة في الجامعة؛ مما زاد من نسبة الأضرار فيها، وأضافوا أن مسلحي التنظيم قاموا بنقل الأجهزة الطبية والهندسية من مباني الجامعة ونقلها إلى أماكن مجهولة قبل بدء العمليات العسكرية في المدينة.

شهود عيان من مدينة الموصل قالوا أن هناك عمليات نهب وسطو تتعرض لها جامعة الموصل لما تبقى فيها من أجهزة ومعدات من قبل مجهولين، وأضافوا عن دخول سيارات شحن تقوم بنقل الأجهزة من مباني الجامعة ونقلها إلى جهات خارج المدينة، وأكدوا على ضرورة نشر قوات منضبطة حول المدينة لمنع سرقة ما تبقى فيها من أجهزة ومعدات، وأشاروا إلى أن الكثير من بنايات الجامعة كانت تخلو من عناصر التنظيم، ولكن تم استهدافها أيضًا من قبل الطيران الحربي لأسباب مجهولة بحسب أقوال الشهود.

قال الدكتور في جامعة الموصل “علي الشمري” في حديثه لنا: شكلنا لجنة خاصة لجرد الأضرار التي لحقت بمباني وأقسام والجامعة وما زلنا نعمل على تقويم الأضرار، متحدثًا عن أن الدمار الذي لحق بمباني الجامعة كان بنسب متفاوتة، وأشار عن دمار بعض الكليات بالكامل، وتم تسويتها بالأرض أهمها كلية الطب البيطري وبعض أقسام كليات الإدارة والاقتصاد والآداب، وسرقة أكثر من 75 مليون وحدة إلكترونية مشفرة، ودمار أكثر من 90% من المكتبة المركزية، إضافة إلى تدمير وحرق مطبعة الجامعة.

وتابع بالقول: لم يتم الآن تقويم قيمة الأضرار أو موعد انطلاق عملية إعمار الجامعة خصوصًا وإن الدولة تمر بحالة حرب وتعاني من أزمة مالية.

إعادة إعمار جامعة الموصل

في خضم الأزمة المالية التي يعاني منها العراق ودخوله في صراعات وحروب استنزفت أمواله واحتياطاته النقدية إضافة إلى الفساد المالي والإداري المستشري في البلد لا يبدو أن إعادة بناء جامعة الموصل سيكون قريبًا بسبب عدم اهتمام الحكومة العراقية بالجانب العلمي بحسب ما يراه مراقبون ومهتمون بالشأن العراقي.

المهندس “أحمد عبدالله” الذي يعمل في هيئة إعادة إعمار المناطق المنكوبة في حديثه لنا تحدث قائلًا: إعادة إعمار جامعة الموصل يستغرق وقتًا طويلًا، ويتطلب أموالًا كثيرة نظرًا لحجم الدمار الذي طال معظم مبانيها، مضيفًا أن إعادة إعمار الجامعة يتطلب مبلغ أكثر من 4 مليار دولار إضافة إلى الأجهزة الطبية والهندسية التي سرقت وتدمرت بسبب العمليات العسكرية، واستبعد أن تكون جامعة الموصل مؤهلة لاستقبال الطلبة إذا لم تحصل الحكومة العراقية على معونات من الدول المانحة لإعادة إعمار الجامعة أو تتكفل الدول بإعادة إعمارها باعتبارها صرحًا علميًّا وحضاريًّا مهمًّا.

فيما أكد مسؤولون في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية أن هناك لجانًا تشكلت لرصد الأضرار التي لحقت بجامعة الموصل وتقدير حجم الأموال المتطلبة لإعادة إعمارها من أجل البدء في بنائها وإعادة تأهيلها لاستقبال الطلبة، وأضافوا لم يتم إلى الآن وضع موازنة مالية من أجل البدء بإعادة إعمار الجامعة لحين اكتمال تحرير المدينة وإرسال اللجان المختصة لرصد تكاليف إعادة إعمارها، وأشاروا بأن الرصد الأولي للأضرار أظهرت تدمير مباني العمادات التي تضم الأرشيف وكل ما يحتوي على قاعدة بيانات للطلبة لا سيما في كليات الصيدلة والإدارة والاقتصاد والمكتبة المركزية.

الدكتور أحمد الفكاك رئيس الموقع البديل لجامعة الموصل في كلية النور في ناحية برطلة في حديثه معنا قال: الجامعة في طور التنظيف من بقايا المتفجرات وبعض الكليات تم تنظيفها من قبل الإخوان الأساتذة والطلبة، مؤكدًا أنه سيكون اللقاء فيها حال جاهزيتها الأمنية وخلوها من المتفجرات والعبوات الناسفة، إضافة إلى التأكد عن عدم سقوط ووصول القذائف والصواريخ إلى أراضيها، لأن حياة الطلبة والمنتسبين يجب أن تكون هي الأمر الأول، مبينًا أن هناك إمكانية افتتاح أبواب الجامعة لاستقبال الطلاب خلال العام الدراسي القادم.

ويبقى الجانب العلمي في العراق هو الخاسر الأكبر من جميع هذه الأحداث؛ فتدمير البنى التحتية للمنشآت العلمية يتطلب سنين طوال لإعادة إعمارها في بلد مثل العراق، مع غياب الخطط الاستراتيجية للنهوض بالواقع العلمي والتربوي وتفشي سرطان الفساد الذي بات ينخر بجميع مؤسسات الدولة العراقية ولا سيما الجانب العلمي فيها الذي أصبح ضحية الصراعات والنزاعات بين الأطراف المتصارعة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

أضف تعليقك