حينَ تحوَّلت غرف المستشفيات إلى قاعاتٍ صفية، مدارسُ “إصرار” الفلسطينية… الطلبةُ المرضى يتحدونَ أوجاعهم ويكملونَ تعليمهم

15 أبريل , 2018

 

لم يكن يعلم الطفل “مهند” المصاب بمرض سرطان الدم، أن كلماته الحزينة في حضرة وزير التربية والتعليم الفلسطيني د.صبري صيدم، خلال زيارة قام بها لمستشفى النجاح الوطني في نابلس؛ ستكون الشرارة التي أطلقت فكرة إنشاء غرف صفية خاصة بالطلبة المصابين بأمراض خطيرة، ويمكثون فترات طويلة في المستشفيات لتلقي العلاج.

 

 

“مهند” ذو السبعة أعوام، والقادم من قطاع غزة لنابلس شمال الضفة الغربية لاستكمال العلاج، أجاب الوزير بكلمات بسيطة عندما سأله عن أمنيته:

“نفسي أكمل دراستي قبل ما أموت”

 

هذه العبارة التي دمعت لها عيون الحاضرين، كانت البداية لتأسيس مدارس إصرار في مستشفيات الضفة الغربية عام 2015.

 

مدارس إصرار.. أهداف وغايات

الناطق باسم وزارة التربية والتعليم الأستاذ صادق الخضور، تحدث من جانبه عن بدايات تأسيس مدارس إصرار، فقال: “قبل قرابة عامين، وبعد لقاء الوزير صيدم بالطالب “مهند” بوقت قصير؛ نظّمت إدارة مستشفى المقاصد في القدس إفطارًا جماعيًا في شهر رمضان، على شرف الأطفال المرضى المصابين بأمراض مزمنة، وعلى هامش اللقاء اقترح أولياء الأمور إقامة غرفة صفية لأبنائهم وتدريسهم؛ لأنهم يقضون فترات طويلة في المستشفى وينقطعون عن الدراسة”.

 

ويتابع الخضور لمراسل “شبكة زدني”: “بعد دراسة مستفيضة من قبل وزارتي التربية والتعليم والصحة، تمت الموافقة على هذا الاقتراح، حيث تكفَّلت وزارة التربية بتوفير الكادر التعليمي، في حين أعلنت وزارة الصحة عن تأمين أمكنة مناسبة وغرف صفية للطلبة المرضى، لتتوالى بعدها افتتاح المدارس في عدد من المشافي”.

 

 

أوضح مدير عام المستشفيات في وزارة الصحة الفلسطينية د. حمدي النابلسي من جانبه أن وزارته افتتحت منذ بداية العام الدراسي 2015، أربع مدارس في مستشفيات المقاصد، والمطلع في القدس، والنجاح الوطني في نابلس، ومركز هدى المصري في مستشفى بيت جالا في بيت لحم.

 

لافتًا إلى أن وزارة الصحة عملت على تأمين الأمكنة المناسبة في كل مستشفى، وتوفير سبل الراحة ولوازم هذه المدارس.

 

وأكمل النابلسي لمراسل “شبكة زدني”: “هناك أطفال مرضى يعانون من أمراض مستعصية وخطيرة، كالسرطان بأشكاله المختلة والقلب والفشل الكلوي، أو الطلبة الذين يضطرون للتغيب عن المدرسة لفترات طويلة؛ بسبب إصابتهم بكسور في الأطراف أو حروق بالغة، وهؤلاء يبقون فترة طويلة داخل المستشفيات لاستكمال العلاج، ومن هنا جاءت هذه فكرة مدارس إصرار”.

 

وعن الفائدة المرجوة من هذه المدارس، يشير مدير عام المستشفيات إلى أن الأهمية الأساسية متعلقة بالجانب النفسي، حيث يشعر الطالب المريض أنه لا يزال جزءًا من هذا المجتمع، وأن المرض لا يشكل عائقًا أمام طموحاته ومواصلة حياته، والتغلب على الأوجاع (..)، هي تمثل بصيص أمل وترفع من معنويات الطلبة المرضى، ومحاولة لإشغال تفكيرهم  بأمور أخرى غير المرض”.

 

وتابع: “رغم أننا ما زلنا في مرحلة البداية؛ إلا أننا متأكدون من أن هذه الفكرة ستترك آثارًا إيجابية على نفسية الطلبة، وهذا سيزيد من فرص شفائهم، أو عدم حدوث مضاعفات على أقل تقدير (…)، نحن بصدد إجراء دراسة علمية على هؤلاء الطلاب قبل الخروج بنتائج قطعية قابلة للتعميم”.

 

ويؤكد الخضور على أن تأسيس هذه المدارس وافتتاحها، يتماشى مع سياسية وزارة التربية الضامنة لحق التعليم، باعتباره حقًا مقدسًا كفله القانون الأساسي الفلسطيني لجميع الطلبة، سواء كانوا مرضى أو أصحاء، وبصرف النظر عن أماكن تواجدهم، فالتربية تسعى أيضًا للوصول إلى المدارس الواقعة خلف الجدار الفاصل، أو في منطقة الأغوار التي تتعرض لانتهاكات إسرائيلية متواصلة.

 

وبحسب الخضور فإن الطالب من خلال هذا النوع من التعليم، يستطيع أن يسير بالتوازي مع بقية الطلاب حال التحق بمدرسته الأصلية بعد أن يشفى من المرض، وتعويض ما يفوته من دروس، ويشكل بديلًا عن الدوام في المدارس العادية.

 

كما لا ينقطع الطالب المريض عن الدوام المدرسي، فالقانون المدرسي ينص على ترسيب الطالب الذي يتغيب عن المدرسة لفترات طويلة في صفه، حتى وإن كان بعذر، وهو ما يعني أن هذا النوع من التعليم يعتبر أحد الحلول للخروج من معضلة التغَيُّب بسبب تلقي العلاج.

 

مدارس بلا امتحانات

 

وعن عدد الطلبة المسجلين في مدارس إصرار، يشير الخضور إلى أن الأعداد تتفاوت وتتذبذب بشكل يومي، فهي مرتبطة بأوضاعهم الصحية وخضوعهم لجلسات العلاج، ولكن في المتوسط يزيدون عن 150 طالبًا وطالبة من مختلف المراحل الدراسية.

 

ويشدد الخضور على أن الوزارة وفَّرت كادرًا خاصًا من المعلمين لتدريس هؤلاء الطلبة، تم اختيارهم بعناية، ويعتمدون على أساليب تعليم بصرية وتدريبية بعيدة عن التلقين، كما لا تُجرى امتحانات في هذه المدارس؛ فالاختبارات -بحسب خضور- قد تزيد من القلق والاضطراب النفسي لهؤلاء الطلبة، الذين هم أساسًا بحاجة لدعم معنوي مضاعف، لذلك نلجأ لأساليب تقويم أخرى لقياس مستوى الطالب.

 

ويلفت الناطق باسم وزارة التربية، إلى أن مدة الحصة وطبيعتها تحددها كل مدرسة، وذلك بحسب عدد الطلبة، وطبيعة المكان المخصص لها في كل مشفى.

 

نظرة عن قرب

ويزور هذه المدارس -بشكل دوري- أخصائيون اجتماعيون يقدمون الدعم النفسي اللازم للطلبة المرضى، من خلال أنشطة وفعاليات مختلفة ومنوعة، كالرسم على الوجوه، والأشغال اليدوية، وعروض الدمى والمهرجين والموسيقا والغناء وغيرها، فضلًا عن الدعم النفسي الذي توفره المستشفيات نفسها.

 

مراسل “شبكة زدني”، زار مدرسة “إصرار 3” في مستشفى النجاح الوطني، واطلع عن قرب على واحدة من هذه النشاطات التي شارك فيها مجموعة من المرشدين النفسيين التابعين لوزارة التربية، بمشاركة قسم الإرشاد النفسي في المستشفى، وخلال هذا النشاط بدت الفرحة على وجوه الطلبة المرضى، رغم اختفائها خلف “الكمادات” الطبية.

 

تذكر الأخصائية الاجتماعية من جانبها وهي مسؤولة قسم الدعم النفسي في مستشفى النجاح (دنيا القدومي)، أن الدعم النفسي هو جزء استكمالي مهمٌّ للعلاج الطبي، فكما هو معروف طبيًا؛ إن تحسن الجانب النفسي والمعنوي؛ يؤدي تلقائيًا لارتفاع درجة مناعة الجسم.

 

في حين تحدث (موسى أبو غليون) مدير مدرسة “إصرار 3″، فقال: “هذه النشاطات مهمة جدًا للطلبة المرضى، وهي رسالة لهم أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الأمراض التي تفتك بهم (…)، الطلاب هنا والذين يزيد عددهم عن 35 طالبًا وطالبة؛ يتلقون تعليمهم مع وجود أولياء أمورهم، وهذا يعطيهم مزيدًا من الإسناد النفسي، والتعليم هنا يكون من خلال الدراما والنشاط البدني، بعيدًا عن الطرق التقليدية”.

 

ويؤكد أبو غليون أن الأستاذ في هذه المدارس يمارس دورًا تعليميًا، وآخر نفسيًا يشمل زيارة الطلبة في منازلهم، وإقامة صداقة معهم، لحين تجاوز الأزمة الصحية التي يمرون بها. ويتابع: “المعلم هنا يؤدي رسالة دينية أولًا، وإنسانية ووطنية إلى جانب الرسالة التعليمية”.

 

ويشدد أبو غليون على أن مهمة الأساتذة في هذه المدارس ليست بالسهلة، فهم يتعاملون مع طلبة غير عاديين ولا يستطيعون الكلام أحيانًا، خاصة بعد تلقيهم الجرعات الكيماوية أو بعد جلسات غسيل الكلى.

 

ويكمل: “كما لا يُسمح للمعلمينَ بدخول الغرف الصفية إلا بعد تعقيم أيديهم، ويُمنعون من لمس الطلبة في بعض الحالات؛ لأن مناعتهم ضعيفة، وهذا يتطلب التعامل معهم بحذر شديد، كما أن وضعهم النفسي متوتر، ومزاجهم حاد عمومًا، ولديهم حساسية عالية، لذلك يحرص المعلمون على اختيار كلماتهم بعناية”.

 

وكان وزير التربية والتعليم د. صبري صيدم، قد أكد خلال افتتاح إحدى هذه المدارس على أن هذا النوع الجديد، يجسد روح الإصرار الحقيقي لتقديم خدمات تربوية وتعليمية للأطفال المرضى، موضحًا أن هذه المدارس تضمن حصول الأطفال على فرص تعليمية مناسبة أسوة بزملائهم الأصحاء.

 

ونوّه صيدم إلى الحرص الذي توليه الوزارة في سبيل دعم التعليم في كافة المناطق، والعمل على وصول جميع الأطفال إلى مدارسهم، إيمانًا بالنهج القائم على التعليم الشمولي الذي لا يستثني أحدًا، معربًا عن شكره لإدارة المستشفيات التي استضافت هذه المدارس، وللمؤسسات والفعاليات والشخصيات الداعمة والمساندة لفكرة مدارس الإصرار.

 

إصرار في غزة قريبًا

وحول توجه الوزارة للافتتاح هذه المدارس في غزة؛ كشف الخضور لـ”شبكة زدني”: “بعد أجواء المصالحة؛ هناك نية حقيقية لنقل هذه الفكرة إلى القطاع، خاصة أن نسبة كبيرة من الطلبة هناك أصيبوا بإعاقات جسدية وعقلية بسبب الحروب الثلاثة التي شنت على القطاع خلال العقد الأخير، كما لا يستطيع نسبة كبيرة من الطلبة المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة من السفر بسبب الحصار”.

 

وأعرب الخضور عن أمله بأن يكون ذلك في الفصل الدراسي الثاني بداية شهر شباط/ فبراير القادم، منوهًا إلى أن الوزارة في مرحلة رصد عدد الحالات وطبيعتها، وتدرس الأماكن المناسبة لانطلاقها.

 

وختم الخضور: “أزعم أن مدارس إصرار فكرة فلسطينية خاصة، ليس لها مثيل في الدول المجاورة المستقرة، وهي خطوة رمزية تحمل دلالات إنسانية رائدة، وغاية وطنية نبيلة (…)، رسالة هذه المدارس أكبر من عدد طلابها”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

أضف تعليقك