كيف وقع طلاب غزة ضحية لشهادات دولية “مزيفة”؟

16 يوليو , 2017

“الآن بـمبلغ بسيط يمكنك إتقان اللغة الإنجليزية عبر دبلوم معتمد من كبرى المؤسسات البريطانية أو الأمريكية”

ليست جملة ترويجية لإعلان، بل هي عبارات تستخدمها العديد من المراكز والمؤسسات التي تعنى بالتعليم في قطاع غزة للإعلان عن برامج أكاديمية في مجالات مختلفة كالإدارة والتنمية البشرية واللغة الإنجليزية.. وغيرهم من المجالات.

ظهرت خلال السنوات الماضية العديد من المراكز التي انتحلت صفات مؤسسات تعليمية مرموقة في الخارج ومنح بعضها شهادات باسم مراكز ومؤسسات تعليم عالي في الخارج لا سيما مؤسسات في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فسقط الطلاب ضحية لإعلاناتها ووعودها بأن شهاداتها معتمدة.

ويلجأ الكثير من الشبان الغزيين إلى بعض المراكز من أجل الحصول على شهادات معتمدة من مؤسسات خارجية أملًا في أن تساعدهم في تطوير أنفسهم وإرفاقها ضمن سيرتهم الذاتية لكسب المزيد من النقاط في مقابلات التوظيف، إلا أن الكثيرين منهم صعقوا بأنهم سقطوا ضحية لعمليات نصب أو احتيال.

 

تجارب طلابية

الطالبة إيمان محمود تروي لـ “فريق زدني” تجربتها مع المراكز التدريبية المنتشرة في القطاع وكيف وقعت ضحية لإحدى المراكز بعد أن اختارت الحصول على دبلوم مكثف (سلسلة دورات) في مجال اللغة الإنجليزية، كونها معتمدة من وزارة التربية والتعليم ومؤسسات خارج فلسطين.

وتقول إيمان محمود: “فوجئت بعد الدراسة بفترة من ضعف مستوى التدريس الموجود داخل المركز وعدم مناسبته مع لختلف المستويات، بالإضافة إلى أن الدورات تخرج معتمدة فقط باسم المركز دون أي أختام أخرى كوزارة التربية والتعليم أو المؤسسات الخارجية التي صاحبت الإعلان الأصلي”.

وتضيف العشرينية أن: “الكثير من المراكز ظهرت في الآونة الأخيرة في القطاع حيث تعلن عن دورات وبرامج على أساس أنها شريكة لمؤسسات خارجية ثم يصدم المشتركون فيها بأنها برامج عادية لا ترتقي إلى المستوى المأمول من قبلهم، والهدف الأساسي منها فقط هو كسب المال.

وتنوه إلى أنها والكثير من الشباب والشابات الغزيات فقدوا الثقة في الكثير من الدورات والبرامج التطويرية التي يجري الإعلان عنها وطرحها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو المؤسسات الإعلامية المختلفة بعد تجربة مريرة مع مثل هذه المؤسسات.

 

تطالب إيمان وزارة التربية والتعليم والمؤسسات القائمة على شؤون التعليم في القطاع بضرورة متابعة هذه المؤسسات وبرامجها والتأكد من وجود شراكات حقيقية مع المؤسسات الخارجية التي يعلن عن برامجها قبل الإعلان عنها للتسجيل من قبل الطلاب.

 

أما الشاب العشريني جهاد زهدي لم يكن أفضل بكثير من سابقته، إذ أنه أصيب بالإحباط بعد أن أنهى برنامجًا مكثفًا في مجال الإدارة على أمل أن يعتمد من إحدى المؤسسات في تونس بالإضافة إلى اعتماده من قبل وزارة التربية والتعليم في غزة.

وصُدم جهاد زهدي أن الأمر لا يعدو كونه برنامجًا محليًّا فقط جرى اعتماده من قبل وزارة التربية والتعليم ومنح الشهادات على أنها برنامج تدريبي مكثف، دون وجود لأي اتفاق حقيقي مع مؤسسات لاعتماده بشهادات أخرى من خارج المؤسسة العاملة في القطاع.

ويقول جهاد زهدي لـ ” فريق زدني”: “إن العديد من المؤسسات أضحت تستخدم البرامج التدريبية والعملية التعليمية كوسيلة لكسب المال من قبل الطلاب الذين يقبلون على مثل هذه البرامج أملًا في تطوير وصقل قدراتهم لتتواكب مع سوق العمل في ظل شح الوظائف وندرة قبول المتقدمين لها”.

ويدعو الشاب العشريني إلى ضرورة أن تكون هناك مراقبة حقيقة على عمل مراكز التدريب والتطوير والمؤسسات التعليمية الأكاديمية التي تقدم البرامج التدريبية وشهادات الدبلوم المهنية والتحقق من مدى التزامها بمعايير المهنية ووجود اتفاقيات حقيقية تربطها مع مؤسسات خارجية من أجل تقديم البرامج.

 

لماذا المراكز المشبوهة؟

بحسب إحصائيات وزارة التربية والتعليم العالي في غزة فإن نحو 30 مؤسسة جامعية وأكاديمية تقدم برامجًا متنوعة على مستوى الدبلوم المتوسط والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه، فضلًا عن عشرات المراكز التدريبية والتطويرية المنتشرة في القطاع الذي لا تزيد مساحته عن 365 كيلو متر مربع.

 

وعن أسباب اللجوء لمثل هذه المراكز أو المؤسسات يوضح الشاب أن: “صعوبة الحركة عبر المعابر الحدودية وإغلاقها بشكل شبه كامل، يحول دون خروج الشباب الغزي من أجل تلقي الدورات أو البرامج التدريبية المتطورة خارج القطاع المحاصر إسرائيليًّا للعام الحادي عشر على التوالي.

 

 

ويبين أن بعض المراكز خلال السنوات الماضية عملت على توفير برامج تدريبية وتطويرية متطورة، في الوقت الذي استخدم البعض الآخر هذه البرامج من أجل كسب أكبر قدر ممكن من الربح على حساب الجودة ومصداقية الالتزام بالبرامج المعلن عنها.

 

إجراءات وضبط

وخلال السنوات الأخيرة طالب العديد من المختصين والأكاديميين بضرورة وجود إجراءات من قبل وزارة التربية والتعليم تعمل على ضبط عمل المراكز ومؤسسات التعليم العالي بما يضمن مراعاة معايير الجودة ويحافظ على المستوى التعليمي والتدريبي المقدم للطلاب.

وفي هذا السياق يقول الأكاديمي الفلسطيني الدكتور عاطف سلامة: “إن عملية انتحال اسم أو صفة أي مؤسسة خارجية من قبل المؤسسات المحلية تتطلب معالجة لمثل هذا الخلل من قبل وزارة التربية والتعليم والعمل على محاسبتها بالطرق القانونية الرسمية”.

ويضيف عاطف سلامة لـ “فريق زدني”: ” العديد من المؤسسات المحلية سواء الأكاديمية أو الكليات مرتبطة ولها شراكات مع مؤسسات خارج فلسطين عبر اتفاقيات توأمه يجري توقيعها بين الجانبين من أجل تقديم بعض البرامج وبشهادات مشتركة تقدم من قبل الجانبين”.

ويرى الأكاديمي الفلسطيني بأنه لا مشكلة أن يسعى الطالب نحو الحصول على شهادات معتمدة من قبل مؤسسات تعليمية أو تطويرية تحمل أسماء مؤسسات في الخارج، حال كانت هذه المؤسسات مرتبطة باتفاقيات شراكة حقيقية، وغير وهمية كحال بعض المؤسسات المحلية.

ويشدد عاطف سلامة على ضرورة محاسبة بعض المؤسسات التي تنتحل صفة المؤسسات الخارجية أو تدعى وجود اتفاقيات شراكة، من أجل تحقيق المال وكسب الربح بدرجة أساسية لتفادي انعكاسها السيئ سواء على الطلاب أو المؤسسات العاملة في المجال.

 

أين وزارة التربية والتعليم؟

يؤكد وكيل وزارة التربية والتعليم بدوره د. زياد ثابت على أن الآونة الأخيرة كان هناك تعليمات واضحة من قبل وزارته بضرورة ضبط عمل المؤسسات التي تقدم البرامج المتنوعة في القطاع عبر وضع سلسلة من الشروط والمعايير المحددة ومتابعة مدى التزامها بها.

ويقول ثابت لـ “فريق زدني”: “إن وزارته وضعت معايير واضحة بهدف ضبط عمل المراكز بشتى أنواعها سواء المراكز التدريبية والتطويرية التي تقدم برامج في مجالات متنوعة والمراكز التي تعني بتقديم الدروس المدرسية للطلاب في قطاع غزة”.

وعن وجود شكاوى من مراكز أو مؤسسات تعليمية خارجية ضد مراكز محلية زجت باسمها في برامج أو دورات تابعة لها، يقر المسؤول الحكومي بغزة تلقيهم العديد من الشكاوى سواء من مؤسسات تعليمية داخل فلسطين وخارجها استخدم اسمها من قبل مؤسسات محلية من أجل جذب اهتمام الجمهور والعمل على كسب أكبر عدد ممكن من الملتحقين في برامجها المقدمة لهم.

إجراءات وعقوبات.. هل تكفي؟!

ويشدد وكيل وزارة التربية والتعليم على قيامهم بإغلاق العديد من المراكز والمؤسسات خلال الفترة الماضية خصوصًا تلك التي انتحلت صفة بعض المؤسسات الخارجية، أو المؤسسات التي لم تلتزم بمعايير الجودة والشروط التي وضعتها الوزارة أمام المؤسسات العاملة.

ويبين ثابت أن المؤسسات المخالفة تعطى فرصة محددة لتصويب أوضاعها ومعالجة الأخطاء الموجودة بها قبل اتخاذ أي إجراء أو عقوبات بحقها، ثم يجري بعد ذلك مراجعة مدى التزامها بمعالجة الملاحظات التي وضعت عليها واتخاذ القرار المناسب بحقها فيما بعد سواء باستمرارها في العمل أو وقف اعتماد برامجها أو إغلاقها بشكل كامل.

ويلفت المسؤول الحكومي إلى أن سحب التصريح يتم من خلال وقفها عن العمل من قبل وزارة التربية والتعليم ومخاطبة الجهات الأمنية في وزارة الداخلية من أجل استكمال باقي الإجراءات بحق المراكز على وجه الخصوص كونها تتحصل على تصريح العمل من خلال الوزارتين.

ويشدد على أن وزارته تكثف من إجراءاته بشكل كبير في الآونة الأخيرة لضبط عمل مختلف المؤسسات الأكاديمية والتدريبية في شتى المجالات من أجل ضمان جودة التعليم المقدمة وللحفاظ على الشروط والمعايير الموضوعة من قبل وزارة التربية والتعليم بغزة.

يقدر عدد الخريجين سنويًّا في قطاع غزة الذي يعاني من الحصار المشدد منذ عام 2006 بنحو 10 آلاف خريجي، في الوقت الذي لا يجد عددٌ كبيرٌ منهم فرصة للالتحاق في أي من الوظائف الحكومية وصعوبة الحصول على وظائف في القطاع الخاص.

ووصل بحسب إحصائيات اللجنة الشعبية لكسر الحصار (منظمة غير حكومية) مستوى البطالة في صفوف الخريجين الغزيين لأكثر من 60 في المائة، حيث بات الكثير من الشباب يتجهون نحو العمل في مجالات أخرى حرفية في ظل عدم مقدرتهم على العمل في مجال دراستهم.

ويتجه المئات من الشبان والشابات الغزيات خصوصًا من أوشكوا على إتمام دراستهم الجامعية نحو مراكز التدريب والتطوير أملًا في رفع مستوى مهاراتهم بما يمكنهم من الحصول أو حتى المنافسة على عدد من الوظائف البسيطة التي تطرحها بعض المؤسسات العاملة في القطاع.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Avatar

[…] كيف وقع طلاب غزة ضحية لشهادات دولية “مزيفة”؟ […]

أضف تعليقك