صعاب لا حصر لها تواجه العاملين في قطاع التعليم بموريتانيا

5 يناير , 2016

يشير العديد من الأستاذة والمعلمين في موريتانيا إلى أنه وعلى الرغم من صعوبة عملية التدريس في البلد، وما يصاحب أدائها من المشاكل، فقد حاول بعض العاملين في القطاع خلال السنوات الماضية أن يؤدوا واجبهم المهني، رغم الصعاب التي تقف أمام ذلك، أملاً منهم في تحرك رسمي لتخفيف المعاناة، وتقريب الهوة بين الحاضر وآلامه، والمستقبل وطموحاته.

ويأمل العاملون في قطاع التعليم بموريتانيا  -أساتذة ومعلمين- بتلبية الكثير من المطالب التي يعتبرونها من المصاعب التي تواجه تطوير ونجاح العملية التربوية، مؤكدين أن الضبابية في المناهج التعليمية، وضعف الوسائل التقنية، وصعوبة توصيل المعلومات للطلاب عبر طرق التدريس المحلية، بالإضافة إلى ضعف مستويات بعض المدرسين، وغياب التكوين، وانعدام الشفافية، كلها أمور تسببت في ضعف مستويات الطلاب وعرقلت نجاح مسيرة قطاع التعليم، وسببت الكثير من المشاكل والأزمات لدى العاملين في قطاع التعليم بموريتانيا.

 

موريتانيا بالمركز الأخير في جودة التعليم

ويفيد مركز التنافسية العالمية (GCI) في تقرير صادر عنه لعام 2015، بأن موريتانيا احتلت المركز الأخير في جودة التعليم من إجمالي 140 دولة على مستوى العالم. (1)

 

ويؤكد التقرير الذي يصدر سنويًا عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بأن موريتانيا احتلت المركز الأخير في جودة التعليم، بينما جاءت نيوزلندا في المرتبة الأولى.
ويرتب مؤشر رأس المال البشرى، الدول وفقًا لعدد من المعايير من بينها الالتحاق بالتعليم ومدى جودته، وأماكن الدراسة، ورعاية المواهب، وتنمية المهارات، والمشاركة الاقتصادية للفئات العمرية المختلفة، ويحتوي على أكثر من 40 مؤشرًا فرعيًا من بينها جودة المدارس ونظم التعليم.

 

وتوضح الحكومة الموريتانية بأنها تخصص 23% من دخلها القومي السنوي للإنفاق على التعليم، بينما صنف البنك الدولي من جهته الحالة التعليمية في موريتانيا ضمن الأضعف عربيًا.

 

مصاعب جمة

يوضح أستاذ التعليم الاعدادي، سيد الأمين ولد باب، مشاكل المدرسين بموريتانيا، مشيرًا إلى أنها “تنقسم بين الجانب المادي والمعنوي، فهناك المشاكل المتعلقة بالفضاء المدرسي، أو المحيط المدرسي وأبرزها كلاكتظاظ الذي يؤثر سلبًا على أداء المدرس، نظرًا للصخب الذي يجعل الأستاذ أمام ضجة كبيرة يصعب عليه بسببها توصيل المعلومات إلى الطلبة بالطريقة المناسبة، أو يصبح عاجزًا عن اكتشاف قدراته”.

وأعتبر “ولد باب”، أن هناك مشاكل تعترض المدرسين خارج المحيط المدرسي، “ومنها مسألة علاقة المدرس بالمجتمع -آباء التلاميذ- وهذه العلاقة تنعكس سلبًا في الغالب على أداء المدرس؛ لأن آباء التلاميذ إن كانوا على صلة بالمدرس، يتحتم عليه منح تقييم غير مناسب في الأحيان للمتعلم، وهنا تتجلى هذه العلاقة في منح معدلات للطلبة، قد يكونوا لا يستحقونها، نتيجة العلاقة بين المدرس وآباء التلاميذ؛ حيث يتعرض المعلم أو الأستاذ للإحراج أمام آباء التلاميذ وفي حالة تدني مستوى التلميذ، فإن منح تقييمًا أكثر من المناسب تجعل المدرس قد أخل بمهنته وخان وظيفته، وإن أعطى التقييم الحقيقي للتلميذ يكون بذلك أساء إلى علاقاته خارج المدرسة بآباء التلاميذ”.

ويشير”ولد باب”، في حديثه لـ”شبكة زدني” إلى أن الصعاب والمشاكل التي تواجه المدرسين، من الناحية المادية، “تتمحور حول تحسين راتب المدرس الذي يعتبر أهم معين على أدائه لوظائفه”، لافتًا إلى أن “المدرس إذا منح راتبًا يغطي احتياجاته، لن يتغيب عن مهامه التعليمية في المدرسة، أو ممارسة التعليم الحر، أو الانشغال بأي مهنة أخرى قد تؤدي به أحيانًا إلى التغيب عن مهامه”.

وقال أستاذ التعليم الاعدادي، إنه وعلى الرغم من المشاكل التي تعترض عمل الطواقم التربوية في موريتانيا “إلا أن المدرس الذي لا يغيب عن الحصص الرسمية -ساعات التدريس المحددة- لا يكون للعجز المادي أثر نفسي على أدائه لوظيفته، لأن استمرار التغيب عن الوظيفة هو الذي يؤثر سلبًا على أداء المدرس”.

وأكد “ولد باب”، على أن “المدرس الموجود في المدينة يواجه إكراهاتها التي من أهمها التأخر غير المقصود، الناتج عن عدم توفر النقل وزحمة السير”.معتبراً أن هناك أيضًا مشاكل تتعلق بتوزيع المدرسين على المناطق، “فالمدرس الذي يمضي أكثر من ثلاث سنوات في محيط واحد، أو منطقة واحدة، يكون أكثر عرضة لإكراهات المجتمع، بسبب التعارف والانفتاح التي تحرج المدرس أحيانًا عند تقييمه للتلاميذ، ثم أن الأستاذ الذي يكون في منطقة نائية عن أهله قد يتأثر من ذلك البعد أحيانًا، في حالة ما إذا حدثت مشاكل في محيطه الاجتماعي كمرض أحد أفراد عائلته، أو غير ذلك من المشاكل مما يضطره للتغيب، أو عدم الارتياح، إذا لم يتغيب مما يؤثر على أدائه أمام التلاميذ.

 

وخلص “ولد باب” إلى القول بأن هناك أيضًا نقطة أخرى تؤثر على المدرس في أغلب الأحيان، وهي “انشغاله بالعمل السياسي في محيطه، أو في محيط آخر، مما يسبب له مشاكل وأزمات مع آباء التلاميذ وأبنائهم، أحيانًا تكون حقيقة، وناتجة عن الانحياز إلى طرف، وأحيانًا تكون وهمية ناتجة عن إساءة الظن بالمدرس”.

 

تشخيص الواقع

يشخص، محمدن ولد الربان،  نقيب أساتذة التعليم الثانوي المشاكل التي تواجه العاملين في قطاع التعليم بموريتانيا، مشيرًا إلى أنها عديدة ومتنوعة ومن أبرزها: “ضعف مستوى الاكتتاب، حيث ما زالت السلطات تكتتب العاملين في القطاع بشهادات ضعيفة (ختم الدروس الإعدادية -المعلمون المساعدون- البكالوريا –المعلمون- شهادة الدراسات الجامعية العامة أو الليسانس -الأساتذة المساعدون- شهادة المتريز -الأساتذة)، في حين أن تجارب العديد من الدول المتقدمة صارت تقصر اكتتاب المدرسين على أصحاب الشهادات العليا طلبًا للتميز العلمي”.

 

وقال “ولد الرباني” في حديثه لـ”شبكة زدني” إن ضعف التكوين الأولي الذي يتلقاه المدرس المتدرب، ينجم عنه تخرج كثير من المدرسين يعانون من قصور تربوي كبير. ويشير إلى أن سبب ذلك “ضعف التكوين الذي تلقوه، وغموض مقاربة الكفايات التي يعتمدها النظام، نظرًا لعدم استيعاب كثير من المؤطرين لها، إضافة إلى ضعف التأطير والإشراف التربويين حيث لا يتلقى المدرس غالبًا أكثر من ثلاث زيارات سنوية في أحسن الأحوال على مستوى التعليم الأساسي، أما على مستوى التعليم الثانوي فإن الأستاذ قد يقضي السنوات دون مصادفة مفتش تربوي”.

 

واعتبر “ولد الرباني”، أن ضعف وندرة التكوين المستمر من أهم المشاكل التي تواجه المدرسين، “حيث يشكو الكثير منهم من عدم استفادتهم من أي تكوين مستمر، منذ تخرجهم كما يشكو المشاركون غالبا من ضعف نوعية التكوين ومن عدم الشفافية في انتقاء المستفيدين منه، كما أن هشاشة البنى التحتية عامل آخر فالحجرات متهالكة خاصة في المناطق الداخلية، والاكتظاظ قد يتجاوز أحيانا 100 تلميذاً في الفصل في المدن الكبرى ووسائل الإيضاح ضعيفة وغالبا منعدمة”.

 

ويلفت”ولد الرباني”، إلى إن الوضع المادي السيء للمدرسين يعتبر مشكلة تضاف لما سبقها، “فما يتقاضاه المدرس لا يلبي له ربع الحاجيات الملحة، مما يجعله مضطرًا للبحث عن مصدر بديل لتلبية حاجات الحياة الملحة، وهو ما جعل المدرس يقضي أغلب أوقاته خارج قاعة الدرس، والتحضير في القطاع التعليمي الخاص، أو في ممارسة نشاطات غير مصنفة وهو ما ترتب عليه ضعف أداء المدرس والنظر إليه من قبل المجتمع نظرة لا تلائم رسالته النبيلة”.

 

التربية والتعليم: ظروف المدرسين في تحسن متسمر

وينفى مصدر داخل وزارة التعليم بموريتانيا، أي تقصير من طرف الجهات الوصية على العملية التربوية تجاه العاملين في القطاع، وخصوصًا من المشرفين على عملية التدريس في البلد، باعتبار أنها تحظى دومًا باهتمام بالغ من الوزارة الوصية.

 

وقال المصدر الذي تحدث لـ”شبكة زدني” إن “ظروف المدرسين في تحسن متسمر، وإنهم يستفيدون بشكل مستمر من زيادات معتبرة للرواتب، كما تمنح لهم علاوات متعددة كعلاوة البعد، وعلاوة الطبشور، وعلاوة النقل، لمن يدرس في مناطق نائية” على حد تعبيره.

 

واعتبر المصدر أن الجهود الرسمية للرفع من واقع المدرسين بموريتانيا “أثمرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، وإن الطواقم التربية شعرت بذلك، وتحدثت عنه في أوقات مختلفة. مشيرًا إلى أن “الحكومة مستمرة في تحسين واقع التعليم في البلد، وأن هناك مشاريع قيد التطبيق سيكون لها الأثر البالغ على التعليم بشكل عام”.

 

مطالب لم تتحقق

يأتي ذلك في وقت تقول المعلمة فاطمة بنت الشيخ أحمد، إن حلم تغيير الواقع المتردي للمدرس بموريتانيا تبخر، “فلم تحرك الجهات الرسمية المسؤولة عن تطوير وتفعيل ملف التعليم بالبلد أي ساكن، من أجل الرفع من الجوانب المعنوية، والمادية، المتدهورة لدى معظم العاملين في قطاع التعليم بشكل عام”.

وتلفت “بنت الشيخ أحمد” في حديث لـ”شبكة زدني” إلى أن إصلاح المنظومة التربوية بموريتانيا “مرتبط بتحسين ظروف الأساتذة، والمعلمين، ماديًا، ومعنويًا، عبر زيادة الرواتب، ومنح علاوات مالية معتبرة لمن يدرسون في أماكن نائية من البلد، تخفف من عبئ النقل، والسكن، والعمل على رسم مناهج تعليمية تتسم بالوضوح لدى جميع المدرسين”.

 ويرى المعلم سيدي ولد محمد، بأن “تأهيل البنية التحية الهشة من شأنه أن يجلب الطمأنينة وراحة البال للمدرس”. معتبرًا أن “معظم مؤسسات التعليم الأساسي المنتشرة في أنحاء البلد تعاني من الانهيار وتحتاج للتأسيس”. مشيرًا إلى أن “بناء المدارس والثانويات وإصلاح ما تعاني أمر ضروري على الجهات الرسمية العمل عليه في أقرب الآجال”.

وطالب ولد محمد في حديث لـ”شبكة زدني” “توفير الطاولات المدرسية، وبناء مكاتب إدارية، وتجهيز ما يتطلب تجهيزه من المدارس التي شيدت حديثًا”. معتبرًا أن “ضبط البنية التحتية وتهيئتها يدخل في إطار المشاكل التي يعاني منها المدرسون في موريتانيا”.

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك