طلاب الموصل في “إجازة مفتوحة”بعد توقف التعليم الحكومي

26 ديسمبر , 2015

“لم يُحدد تنظيم الدولة الإسلامية إلى الآن موعدًا لانطلاق العام الدراسي 2015-2016، كما أننا لم نطلع على المناهج التعليمية الجديدة التي حددها التنظيم، “ديوان التعليم” التابع للتنظيم أبلغ إدارة المدرسة التي أعمل فيها أنهم سيزودنهم بالمناهج الجديدة على “الأقراص الليزرية”، وكذا الحال سيتم توزيعها على الطلبة”.
بهذه الكلمات، تلفت “فاطمة العبيدي” المعلمة من داخل مدينة الموصل العراقية، في حديثها لـ”شبكة زدني” إلى أنه وفي ظل هذه الظروف، غاب الإقبال على مدرستها في الموصل شمال العراق؛ فهي خالية من المدرسين والطلاب، فالمدرسين بين مُهجر ولاجئ، أو منشغلًا بالبحث عن رزقه من مكان آخر بسبب انقطاع الراتب.

 

وتقول “العبيدي” إن طلاب الموصل غير معترف بتعليمهم في وزارة التربية العراقية، وترفض الوزارة شهاداتهم التي حصلوا عليها من مدارسهم الواقعة في مناطق يسيطر عليها تنظيم الدولة، وهي بحسب ما تراه المعلمة من الأسباب التي جعلت الطلبة يفضلون الالتحاق بسوق العمل، بدلًا من التوجه إلى المدرسة.
محمد” (اسم مستعار)، لأحد الطلبة المتفوقين في القسم العلمي، والذي كان يحلم أن يكون مهندسًا، إلا أن الظروف والتغيرات التي طرأت على مدينته الموصل أبعدته عن الدراسة.
توجه “محمد”للعمل في معمل الخياطة الذي يمتلكه عمه الأكبر، في سوق السرجخانة، أحد أهم المراكز التجارية في المدينة، بعدما أدرك أنه لن يستطيع الالتحاق بدراسته الثانوية هذا العام أيضًا.
“محمد” نموذجاً لعدد كبير من طلاب الموصل، يُقدرون بحسب مصادر رسمية بـ 340 ألف طالب، في مدينة كانت تعرف بأنها مدينة الكوادر العلمية في العراق، حيث صنفت جامعتها في ثمانينات القرن الماضي من ضمن الجامعات الأولى على مستوى الوطن العربي.

 

توقف التعليم الحكومي في الموصل

يلفت ناشطون إلى أن “المسيرة التعليمية في الموصل توقفت بالكامل مع دخول تنظيم الدولة، الذي فرض سيطرته عليها في تموز/حزيران 2014، فدخول التنظيم تزامن مع الامتحانات النهائية لطلبة الجامعات وطلبة المراحل المنتهية، الأمر الذي أدى إلى توقف الامتحانات، ومن ثم فشلها”.

 

من جانب آخر، اعتبرت حكومة بغداد ووزارة التربية العراقية، أساتذة وطلبة الجامعات في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة”في إجازة مفتوحة”، إلى حين تحرير مناطقهم، وأنها لن تمنح شهاداتها للطلبة الذين درسوا تحت سيطرة التنظيم، في حين تم اعتبار السنة الدراسية لطلبة تلك الجامعات سنة عدم رسوب، وعدم نجاح في الوقت ذاته، أي تعطيل الدراسة لهم.

 

صعوبات أمام استمرار العملية التعليمية

أستاذ التاريخ، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، يروي في حديثه لـ”شبكة زدني” قصة قطاع التعليم في الموصل، ويشير إلى أن التعليم هو أكثر القطاعات تأثرًا بالأزمة، كونه يمس كل بيت وكل عائلة.
ويشير إلى أن “هنالك أضرارًا مادية ومعنوية جسيمة حدثت في هذا الإطار، فالأضرار المعنوية تتجسد بالصعوبات أمام استمرار العملية التعليمية، وانقطاع الطلاب عن الدراسة كل هذه المدة الزمنية، والذي يعني أن هناك أجيالًا أُميِّة ستخرج بالقريب العاجل”.
وعن الأسباب المادية، فأنها وبحسب أستاذ مادة التاريخ “تتمثل بالتدمير الذي لحق بالبنى التحتية للمؤسسات التعليمية في المدينة، ونزوح عدد كبير من الكفاءات العلمية، فضلًا عن استخدام عدد من المدارس للعمل العسكري، وتضرر عدد آخر جراء القصف، أو العمليات العسكرية”.

 

“ديوان التعليم” يغير النظام والمناهج التعليمية

مطلع 2015، أعلن تنظيم الدولة عن شروعه بطباعة مناهجه التعليمية الخاصة، وقال إن المناهج ستُطبع وتُصمم بإشراف عدد من الأساتذة الجامعيين، إضافة إلى عدد من الكوادر العلمية الوافدة إلى تنظيم الدولة من خارج البلاد، ولفت التنظيم أنه سيشرع بالعمل بالمناهج الجديدة في العام الدراسي المقبل 2015-2016.

كما أعلن التنظيم عن تغيير النظام التعليمي، فقرر تقليص سنوات الدراسة في جميع المراحل، فبعد أن كانت الدراسة الابتدائية ست سنوات، قُلصت إلى خمس سنوات، أما المرحلة المتوسطة فأصبحت سنتين بدلاً عن ثلاثة، والمرحلة الإعدادية كذلك هي الأخرى أصبحت اثنتين بدلًا عن ثلاثة؛ يمكننا القول إن التنظيم ألغى جميع الصفوف المنتهية والتي يكون فيها الامتحان مركزيًا لكل مدارس العراق.

 

إلغاء كليات وتغيير مناهج

يؤكد ناشطون، على أن تنظيم الدولة قرر إلغاء عدد من الكليات في الجامعات التي تقع تحت سيطرته، أبرزها كليات: القانون، والعلوم السياسية، والفنون الجميلة، كما شرع على تغيير مناهج كليات أخرى.
إضافة لذلك، قام التنظيم بفتح باب الانضمام لكليات الطب، أمام طالبات كلية الهندسة، وسمح لهن بالانتقال مباشرة إليها، إضافة إلى تغييره لسنوات الدراسة، فأصبحت دراسة الطب ثلاثة سنوات بدلًا عن ستة سنوات.
كما حدد التنظيم فتح باب القبول لجامعة الموصل هذا العام 2015-2016، بشروط المعدل والعمر، كما روّج عناصره داخل المدينة إلى أن الدراسة ستبدأ مع بداية العام الهجري الجديد 1437.
“رنا خلدون” (21 عام) طالبة موصلية، في كلية العلوم السياسية، سابقًا، تحدثت لـ”شبكة زدني”، وقالت إنها قررت الالتحاق بكلية التربية، بدلًا من كليتها التي أغلقها التنظيم.
وتشير “خلدون” إلى أن الإقبال على التسجيل في الكلية كان شبه منعدم، كما أن الإجراءات، داخل أروقة الجامعة كـ”الفحص الطبي” ومتطلبات القبول الأخرى كانت فوضوية، الأمر الذي جعلني أتنبأ بفشل الدوام، لهذا العام الدراسي.

 

طلاب الموصل: لا تعليم جديّ في المدينة

وسيم حامد” (20 عام)، طالب موصلي في قسم الكيمياء، قال لـ “شبكة زدني” إن الطلاب وقعوا في حيرة من أمرهم، فلا تعليم جديّ داخل المدن، ولا قدرة ميسرة لهم للالتحاق بمؤسسات تعليمية خارج المدينة.
ويلفت “حامد”إلى أنه فضل التوجه للعمل، في إحدى صالات الإنترنت، على أن يبقى منتظرًا مستقبله المجهول، ويقول:إنه وعلى الرغم من أن أجور العمل منخفضةً جدًا “2500” دينار عراقي (حوالي 2دولار يوميًا)، إلا أنني ابحث عن كياني وقدرتي على العمل، غير أنني فُجأت بالاستغناء عن خدماتي سريعًا، بسبب ركود سوق العمل.
ويمر”حامد” بخيبة أمل كبيرة، بحسب قوله، مشيرًا إلى أن مدينته تعيش ظروفًا صعبة، “بلا جامعات نذهب إليها، ولا سوق عمل جاد نعمل فيه، وأصبحت حياتنا متوقفة، إلا من الأكل والنوم والذهاب والقدوم البسيط، في حين لا يزال حلمي بأخذ “براءة الاختراع” في مرحلة الماجستير يراودني ليل نهار”.
وتفضل عينة من طلاب الموصل، التقت بهم “شبكة زدني”، التوجه إلى تعلم الحرف والصناعات، بدلًا من التعلم في المدارس والجامعات، وهو ما يعتبرونه “أمرًا بات ملحًا، في ظل توقف الحياة الأكاديمية والوظيفية، خصوصًا أن الموصل كانت مدينة صناعة وزراعة وتجارة، نظرًا لموقعها الاستراتيجي، وثراءها الاقتصادي”.

 

التعليم في الموصل إلى أين؟

يشير الدكتور “بشير الباججي“، المدرس في كلية التربية الأساسية، بمدينة الموصل، في حديثه لـ”شبكة زدني”إلى أن”النظرة حول مستقبل التعليم في مدينة الموصل، تعتمد على التطور السياسي الذي ستشهده المدينة، وعموم العراق، فلا يمكن بناء تجربة تعليمية ناجحة في بلد تعيش أوضاع سياسية مضطربة”.

 

ويلفت “الباججي” إلى أن “العراق عمومًا، يفتقد إلى الرؤية الاستراتيجية، التي يعتمد عليها الكيان التعليمي، لذا فمن الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه أمور التعليم، في وضع مضطرب تعيشه مدينة الموصل، لكن مما لا شك فيه أن الموصل تنتظرها عقود صعبة، يتوجب على جميع أبنائها، العمل سويًا وبنظرة علمية ودؤوبة، لبناء كيان تعليمي، يُعيد بناء نفسية الإنسان الموصلي المحطم”.
وبحسب الدكتور في كلية التربية الأساسية، فإن”الموصل تمتلك من الكوادر، والقدرات، والمؤهلات، ما يُمكنها من إعادة هيكلة بنيانها التعليمي، إذا توفرت لدى القيادتين السياسية والتعليمية في الموصل الرغبة والإرادة اللازمتين لنجاح العملية التربوية في المدينة”.
ويرى الناشط الإعلامي “ريحان الموصلي“، في حديثه لـ “شبكة زدني”، أنه “بالرغم من كل الذي جرى للتعليم، ومسيرته المتوقفة في مدينة الموصل، إلا أنه لم يمت، والكفاءات التي غادرت المدينة قادرة على تحريك عجلة التعليم من جديد، كما أن طلاب المدينة ينتظرون تحرير مُدنهم من سيطرة تنظيم الدولة، للعودة إلى مقاعدهم الدراسية بأسرع وقت”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك