غزة.. رسوم جامعية مرتفعة أمام متوسط دخل يومي لا يتجاوز 1$

18 سبتمبر , 2017

لم تتمكن الطالبة الفلسطينية من قطاع غزة “غدير مراد” من إتمام دراستها الجامعية بفعل الواقع المعيشي والأزمات الاقتصادية التي يعاني منها سُكَّان القطاع، هذا القطاع الذي تفرض “إسرائيل” حصارًا مشددًّا عليه، بالإضافة لارتفاع الرسوم الجامعية مقارنة مع واقع الأجور المتدنية.

وبحسَبِ إحصائيات رسمية فإن متوسطَ دخلِ الفردِ اليومي لا يتجاوزُ دولارًا أمريكيًّا واحدًا، في الوقت الذي يعتمد غالبيةُ سُكَّان البُقعة الجغرافية التي لا تتجاوز مساحتها 365 كيلو متر مربع على المساعدات الإغاثية التي تقدمها المنظمات الدولية والأممية.

ويعاني مئات الطلاب المسجَّلين في نحو 29 مؤسسة جامعية ومؤسسة تعليم عالٍ يعانون من الرسوم الجامعية وصعوبةِ توفيرها، خصوصًا في ظِلِّ ارتفاعِها ودفعِها بعملة الدينار الأردني مقارنةً مع الدخل المتدني للأجور وشُحِّ الوظائف وارتفاعِ معدَّلات البطالة بشكلٍ كبيرٍ.

 

توقف عن الدراسة

وتقول غدير مراد لـ “فريق زدني” إنها بوصفها طالبة جامعية: “لا تستطيع دفع الرسوم جميعِها بسبب الظروف الاقتصادية” خاصةً أنه يوجد في عائلتها أكثر من شخص في الجامعة، وقد اضطرت للتوقف عن الحياة الدراسية بسبب الظروف الصعبة وعدم قدرة والدها على دفع الرسوم للجامعة.

وتضيف أنه ضمن سياسات جامعاتها التي تدرس بها في حال عدم تسديد الرسوم بشكل كامل فإنه يجري حرمان الطالب من دخول الاختبارات، أو التأخير والمماطلة حتى إحضار ورقة بالسماح للطالب أو الطالبة بالدخول من خلال قسم القبول والتسجيل.

وتشير إلى أنها تتوقف عن الدراسة في الفصل الأخير لها من الجامعة حيث لم يتبقَّ عليها سوى 10 ساعات دراسية فقط، وهو ما يتطلب أن تتدخل رئاسة الجامعة والقائمين عليها لمراعاة الظروف الاجتماعية التي يعيشها الطلاب ووقف أي إجراءات تعسفية بحق الطلاب.

 

تأجيل للامتحانات

“أعان الله الناس على ظروفها”

بهذه العبارة تُجمل نورهان محمد حديثها لـ “فريق زدني” عن واقع الأسر الفلسطينية، وعدمِ مقدرتها على دفع الرسوم الجامعية، واللجوءِ في بعض الأحيان للاستدانة من هنا وهناك لضامن الاستمرار في العملية التعليمية وعدم الحرمان من دخول قاعة الاختبارات.

وتقول الطالبة نورهان محمد إنها بصفتها طالبةً جامعيةً تدفع رسومًا دراسية في الجامعة التي تدرس بها مقابل الساعة الدراسية نحو 20 دينارًا أردنيًّا، وينبغي عليها أن تدفع الرسوم الكاملة مقابل 18 ساعة دراسيةً في الفصل الواحد 360 دينارًا، وقد يصل في بعض الأحيان لأكثر من 400 دينارٍ.

وتوضح أن هناك صعوباتٍ أخرى تواجه الطلبة، تتمثل في ضرورة دفعِ مبلغٍ من 20 إلى 60 دينارًا خلال امتحانات الفصل الأول والثاني، وفي حال عدم دفعه يتم التقدم بطلب للحصول على إذن لدخول قاعة الاختبارات، وهذا الأمر لا يزيد عن 3 مرات فقط.

 

وتلفت الطالبة الغَزِّيَّة إلى أن الكثير من الطلاب يُضطرون للاستدانة في الكثير من الْمَرَّات من أجل ضمانِ الدخول لقاعات الاختبارات، أو اللجوء لبعض الأساتذة والكادر الأكاديمي في الجامعة من أجل إضافة أسمائِهم ضمن كشوفات الطلبة المسموح لهم بدخول قاعة الاختبار.

وبحسَب الأمم المتحدة فإن القطاع الذي دخل العام الحادي عشر على التوالي من الحصار فإنه لن يكون صالحًا للحياة بشكل كاملٍ بحلول العام 2020 نظرًا للأزمات المتفاقمة التي تضربه كتلوث المياه وأزمات التيار الكهربائي والبطالة والفقر وغيرها.

طلبة الدراسات العليا

أما الطالبة أسماء سامي التي تدرس الماجستير بأحد الجامعات المحلية بغزة فتقول في بداية التحاقها بالجامعة قبل عام: “تم رفع رسوم الساعة الدراسية لتخصصها في الدراسات العليا إلى 80 دينارًا للساعة الواحدة، وفي الفصل الأول -كنوع من التشجيع من الجامعة للطلاب الجدد- عَمِلَتْ الجامعة على تقديم تسهيلات حيث يدفع الطالب 60% من الرسوم ويقسط الباقي حتى نهاية الفصل.

وتتابع سامي في حديثها لـ “فريق زدني”: “بعدها بدأت الصعوبة، في بداية الأمر عدم معرفة العلامات، والصعوبة الأكبر هي التسجيل للفصل الثاني؛ فقد تم منعي من التسجيل بسبب نقص 70دينارًا فقط من الرسوم من أصل 770دينارًا؛ لأن على طالب الفصل الثاني دفع الرسوم كاملةً، وبعد عدة مفاوضات مع شؤون الطلبة للتسجيل، تم التسجيل مع توقيع تعهد بدفع الباقي قبل نهاية الفصل”.

وتُوضح أن ما تعانيه بوصفها طالبةَ دراساتٍ عُليَا عاطلةً عن العمل هو توفيرُ رسوم الفصل الدراسي، من خلال تجربتها وزميلاتها، حيث تلجأ طالبة الدراسات العليا لتوفير الرسوم لعدة خيارات إما بيع الذهب، أو الدَّين، أو الذهاب لمؤسسات لتقسيط الرسوم، لكن تصبح تكلفة الدراسة الضعف.

وتكمل أسماء سامي بقولها: “ما أوجهه للجامعة وشؤون الطلبة بشكل خاص هو أن يكونوا مع الطالب لا عليه، من خلال مساواتهم مع طلاب البكالوريوس على الأقل من حيث رسوم الساعات الاستدراكية؛ حيث ندفع 25 دينارًا للساعة في المقابل طالب البكالوريوس يدفع 15دينارًا أو أقل، وأيضًا توفير المنح الدراسية على الأقل منحة الامتياز؛ لأن طالب الدراسات العليا لا يُعفَى من دينارٍ واحد من الرسوم حتى لو حصل على امتياز مع مرتبة الشرف”.

 

واقِعٌ سَيِّءٌ

يقول المحامي والناشط الشبابي عبد الله شرشرة من جانبه لـ “فريق زدني” إن الأوضاع المعيشية التي يعيشها المواطنون في غزة تنعكس بالسوء على قُدرتهم على توفير تكاليف الدراسة الجامعية، خاصة في ظل البطالة وتقليص 30% من رواتب الموظفين وإحالة عشرات الآلف منهم للتقاعد.

ويؤكد شرشرة في حديثه أنه: “حتى الجامعات والكليات الحكومية التي يفترض أن يكون فيها التعليم مجانيًّا وفقًا للمادة 24 من القانون الأساسي الفلسطيني التي تنص على أن التعليم مجانيٌّ في المدارس والمعاهد والمؤسسات العامة الفلسطينية إلا أنه في الواقع هذه الجامعات هي جامعات غير مجانية وتكاد أقساط الدراسة فيها تقارب الجامعات الخاصة.”

ويِلْفِتُ إلى أن: “عدم مَقْدِرَة الطلاب على دفع تكاليف الدراسة ينعكس بالسوء على قدرة الجامعات ذاتِها على تقديم خدمات تعليمية جيدة، ودفع رواتب موظفيها في ضوء اعتماد العديد من الجامعات حاليًّا على القروض والتبرعات لتمويل نشاطاتها وسداد التزاماتها.

ومؤخرًا أصدرت السلطة الفلسطينية قرارًا بخصم 30% من رواتب موظفيها العاملين في القطاع ما تسبب في تفاقم الأوضاع الاقتصادية المتردية أصلًا بفعل الحصار وتَلَاحُق الحروب الإسرائيلية على غزة خلال السنوات العشر الماضية وما نتج عنها من آثار خطيرة”.

 

الواقع الاقتصادي

في هذا السياق يؤكد الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب على أن الواقع المعيشي السيء الذي يعيشه أكثر من مليوني مواطن يعيشون في القطاع ينعكس بشكل واضح على العملية التعليمية لا سيما الجامعية، عبر عَجْزِ الأُسَر عن دفع رسوم أبنائها والأزمات المالية التي بدأت تضرب الجامعات.

ويقول أبو جياب لـ “فريق زدني”: “إن متوسط الدخل الفردي اليومي وفقًا للتقارير الرسمية لا يتجاوز 1 دولارًا أمريكيًّا للفرد العامل، في الوقت الذي تزداد الضغوطات على أرباب الأسر الغزية نظرًا لحالة التعطل عن العمل وارتفاع معدلات البطالة والفقر بشكل كبير.”

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن معدلات البطالة بلغت 60% في صفوف الشباب، و50% بشكل عام في القطاع، عَدَا ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي والاعتماد على المساعدات التي تمنحها المؤسسات الإغاثية والدولية الموجودة بغزة.

ويشدد أبو جياب على أن: “الواقع الاقتصادي السيء للغَزِّيِّين ينعكس بشكل واضح على واقع العملية التعليمية بشكل كامل، حيث تضطر الأسر للاستدانة أو الاقتراض من هنا وهناك من أجل تسديد رسوم أبنائها وضمان إتمامهم لدراستهم الجامعية، في الوقت الذي انعكس هذا الواقع بشكل واضح على المؤسسات التعليمية.

 

التعليم العالي يوضح

يقول وكيل وزارة التربية والتعليم العالي في غزة زياد ثابت من جانبه لـ “فريق زدني”: “إن واقع العملية التعليمية من ناحية الرسوم في القطاع يُعَد أفضلَ بكثير عن الضفة الغربية خصوصًا في ظل وجود الجامعات الحكومية وما تقدمه من منح دراسية”.

ويؤكد زياد ثابت أن: “الجامعات الحكومية الموجودة في غزة تكاد تنخفض فيها الرسوم الدراسية عن نصف الموجودة في الجامعات الخاصة والأهلية، فضلًا عن وجود فترات سماح وإمكانيات للتقسيط الميسر للطلاب والطالبات بما يتوافق مع أوضاعهم المعيشية.”

 

ويبين المسؤول الحكومي أن: “الجامعات الحكومية تقدم إعفاءات لأبناء العاملين في المجالات التعليمية كما توفر إمكانية التقسيط عبر مستحقات الموظفين العمومين في غزة مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة وعدم تقاضيهم لرواتبهم بشكل منتظم.”

ويتابع: “هناك عملية تسوية تتم حتى للرسوم للدراسية لا سيما في الجامعات الحكومية حيث يجري خصم الكثير من الأموال المستحق تحصيلها من الطلاب وفقًا لظروفهم ومراعاةً للأوضاع المعيشية المتردية، حيث يصل الخصم في بعض الأحيان لنصف الرسوم وأكثر”.

ويلفت وكيل وزارة التربية والتعليم إلى وجود صعوبة لدى الجامعات الخاصة في إمكانية تقديم إعفاءات كاملة؛ لكونها مرتبطة بالتزامات مالية للعاملين فيها، وتحتاج إلى تسديدها أولًا بأول، إلا أنها باتت توفر بعض الفرص أمام الطلاب لتسوية أمورهم المالية في ضوء تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للطلاب.

وينوه زياد ثابت إلى أن هناك تسهيلاتٍ عديدةً تعمل الجامعات والتربية والتعليم على توفيرها لآلاف الطلاب المنتشرين في 29 مؤسسة جامعية بعدد يفوق 100 ألف طالب، متنوعين في مجال الدبلوم المتوسط والبكالوريوس والماجستير حتى الدكتوراه.

وطيلة السنوات الماضية ظهرَتْ العديدُ من المطالبات والحملات المحلية في غزة التي تدعو إلى مجانية التعليم العالي ومراعاة الأوضاع المعيشية التي يعيشها الغَزِّيِّينَ من أجل تعزيز صمودِهم في ظل اشتداد الحصارِ وتَلَاحُق الحروب الإسرائيلية عليها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك