في موريتانيا.. 4 جامعات ولا تحلم بالدراسات العليا!

25 سبتمبر , 2018

أربعة جامعات فقط؛ هي حصيلة التعليم العالي في موريتانيا، مما نتج عنه نقص في التخصصات التي يقبل عليها الطلاب، فيضطرون للجوء إلى خارج البلاد طلبًا للعلم، لكن الحكومة ألغت المنح الجامعية المنوط بها سفر الطلاب للخارج بحسب عزة بنت محمد، الطالبة الجامعية التي كم تمنت إكمال دراستها الجامعية، ونيل شهادَتَي الماجستير والدكتوراه أيضًا.

وتضيف عزة في حوارها لـشبكة زدني، أنها تتمنى إكمال دراستها في مجال القانون الدولي، لكن لا تستطيع السفر لأسباب عديدة، منها: إلغاء المنح، ورفض أهلها أن تسافر، وفي ذات الوقت لا توجد دراسات عليا في موريتانيا، كما أنها لا تستطيع التسجيل في الجامعة اللبنانية في موريتانيا؛ بسبب ارتفاع مصاريف الدراسة فيها، التي تجاوزت الـ3 آلاف دولار أمريكي.

وتتابع، أنها ليست الطالبة الوحيدة التي تواجه مشاكل ومصاعب عديدة في تعليمها، فهناك الآلاف من الطلبة والطالبات اللذين يعانون بسبب ضعف المستوى التعليمي في موريتانيا من قلة الجامعات والتخصصات والكفاءات التي يحتاجونها.

ممنوعون من إكمال دراسات العليا!

وتتفق مريم بنت داها طالبة جامعية مع زميلتها عزة، أن الطلاب الجامعيين في موريتانيا ممنوعون من إكمال دراستهم العليا، لخلو الجامعات من فتح باب التقدم لها، مما يضطرهم للسفر خارج البلاد، وبسبب وقف المنح ووضع شروط تعجيزية، حُرِمَ آلاف الطلاب من السفر لإكمال دراستهم العليا، واللجوء للاعتصامات والإضراب في ساحة جامعة نواكشط.

وتضيف في تصريحها لـشبكة زدني“: “أصدر الطلاب الموريتانيون متمثلين في نقابات طلابية واتحادات بيانًا مشتركًا، يطالب بضرورة فتح باب للتقديم للدراسات العليا، أو ابتعاث الطلاب للخارج مجانًا، لأن السفر على حساب الطالب يكلفه الكثير”.

وتتابع أن: “البيان رفض أيضًا، عسكرة الجامعة، وتستعد لجولات نضالية، قادمة ما لم تتراجع الجامعة عن قراراتها المجحفة بخصوص النقل والخدمات الجامعية ومواجهة قضايا الطلاب بـحلول أمنية”.

وتشير إلى أن البيان، قال:

إن معاناة الطلاب تفاقمت بسبب مشكلات النقل، وانعدام الخدمات الجامعية، وأبرزها الوجبات التي تقدم لهم، ولعدم وجود سكن جامعي، فهناك زيادة التعرفة على تذاكر النقل، وقد أجبرتهم الإدارة على دفع ما لا يطيقون، من خلال قوات الأمن التي تصاحب الباصات في جو من الهلع والخوف.

وتؤكد بنت داها، أنه لا يمر يوم حتى يعتصم طلاب الماجستير المحرومون من التسجيل، وينظموا وقفة احتجاجية أمام إحدى الكليات، يشددون فيها على رفضهم للحالة المسدودة التي وصل إليها مستقبلهم الأكاديمي جراء منعهم من مواصلة الدراسة، رافضين سياسات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي حرمتهم من المنح الخارجية، وحرمتهم أيضًا من التسجيل في الدراسات العليا للعام الثاني على التوالي.

ماذا تقول الإحصائيات رسمية؟!

وبحسب إحصائيات رسمية تابعة للحكومة الموريتانية، فإن موريتانيا لديها أربع جامعات فقط، منها جامعة خاصة، ولديها 17 ألف طالب في جامعة نواكشط، على الرغم من أن نسبة الاستيعاب السنوي 3600 طالب فقط، ويتخرج سنويًا زهاء 1500 طالب، يحصل 12% منهم فقط على فرصة عمل، ويعمل بالتدريس الجامعي 400 أستاذ فقط، و 435 معاونًا.

ويبلغ عدد الطلاب الموريتانيين في الخارج قرابة عشرة آلاف طالب، يزيد عددهم في دولة السنغال، تليها المغرب وتونس والجزائر والسعودية والسودان وفرنسا وتركيا وألمانيا وإسبانيا ثم الأردن ومصر والصين والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.

كما يبلغ عدد المؤهلين للمنح في العام الجامعي 2015- 2016 قرابة 194 منحة، من بينها 118 مقعدًا للمتفوقين في مرحلة الثانوية العامة، و76 للمتفوقين من مرحلة الإجازة، ووصل عدد الطلاب الموريتانيين في السنغال إلى 2700 طالب تقريبًا، و2400 طالب في المغرب، و100 طالب في جامعات تونيس، يزيد العدد وينقص حسب الدفعات السنوية التي تتراوح ما بين 400 أو 600 طالب.

وتشير الأرقام الحكومية إلى وجود نحو ثلاثة آلاف و682 مدرسة في كل مراحل التعليم ما قبل الجامعي، 73% من هذه المدارس تعاني عجزًا واضحًا في التجهيزات والبنية الأساسية المدرسية.

فيما تبلغ نسبة التحاق التلاميذ بالمدارس 84%، غير أن 40% من هؤلاء التلاميذ لا يكملون دراستهم الابتدائية بل ينقطعون عن التعليم، أما التعليم الجامعي فيبلغ عدد الطلبة فيه 19862 طالبًا، منهم 2400 تزيد أعمارهم عن 30 سنة، يؤمن دراستهم ما يناهز 700 أستاذ جامعي، 60% منهم معاونون.

المشاكل لا تتوقف هنا…!

أما المشاكل التي تواجه التعليم العالي في موريتانيا فهي مشاكل عديدة، كضعف المستويات والاكتظاظ قلة التخصصات، هكذا قالت الباحثة العلمية الموريتانية أسماء بنت مختار، في حديثها لـشبكة زدني.

وتضيف، من أهم المشاكل أيضًا غياب قاعدة بيانات صحيحة عن الطلاب وأعمارهم وتخصصاتهم ومستوياتهم، مشيرة لجهل الأساتذة أيضًا بالكثير من المعلومات عن بعضهما لبعض، ومستواهم الحقيقي وأصل شهاداتهم، وتسود علاقة الكثيرين منهم بالمحسوبية ولا يوجد شفافية في تعيينهم واختيار عمداء الجامعات.

وعن البحث العلمي في موريتانيا؛ تشير بنت مختار إلى أن البحوث تكاد تكون معدومة في موريتانيا، على الرغم من أنه الحاضنة الأساسية للتعليم العالي وتطوره، وبدلًا من البحث العلمي يتم تسييس الجامعة، حيث نجد أن الجامعة تشهد صراعات سياسية عديدة بين الطلاب بعضهم مع بعض، مما يؤدي لحدوث مشاكل عديدة تربك العملية التعليمية، وتؤدي لضعف تحصيل الطلبة وضعف أداء الأساتذة.

وتشدد الباحثة على أن من أهم المشاكل التي تواجه الطلاب المبتعثين للخارج، مشكلة اللغة، فالطلاب داخل موريتانيا يدرسون باللغة العربية فقط، وعند سفرهم تواجههم صعوبات اللغة، فعلى سبيل المثال: المغرب والسنغال تدرسان باللغة الفرنسية، مما يضطرهم لدراسة لغة الدولة التي يريدون الذهاب إليها أولا.

هجرة المعلمين.. مشكلة أخرى!

وتعاني مدارس موريتانيا من مشكلة أخرى تضاعف الصعاب على الطلبة، وهي هجرة المعلمين، بحسب قول المعلم أحمد صدام ولد يزيد، ويضيف، أن المعلم في موريتانيا يضطر لترك مهنته ليلتحق بعمله الخاص؛ ليحصل على أجر إضافي أو أكبر؛ لأن أجره الحكومي ضعيف جدًا.

ويضيف ولد يزيد في تصريحاته الخاصة لـشبكة زدني، أن: “التعليم الموريتاني يعاني أيضًا من فشل البرامج الإصلاحية المتتالية، مشيرًا إلى أن الإصلاحات التربوية المتبعة في موريتانيا، تكون غير خاضعة للدراسة، وغير مبنية على أساس عقلاني؛ وإنما منبعها المحاكاة وإغراءات الغرب”.

ويتابع ولد يزيد الذي يعمل في مهنة إضافية بجانب مهنته معلمًا، أن: “موريتانيا جاءت في مؤخرة قائمة دول العالم من حيث جودة التعليم، حيث جاءت في المركز الـ134، من إجمالي 140 دولة على مستوى العالم، مشيرًا إلى أن التعليم في موريتانيا ينقسم لقسمين، الأول التعليم باللغة العربية، والثاني مزدوج اللغة، مما أدى إلى زيادة عوامل الفرقة والتمييز بين أبناء البلاد، إلى أن تم إيقافه عام 1999م”.

تدني التعليم العالي!

إلى ذلك تعاني موريتانيا أيضًا من تدني التعليم العالي، ما جعلها في ذيل القائمة عربيًا وعالميًا في مؤشر التنافسية حول جودة التعليم العالي لعام، بحسب محمد ولد مولود وهو معلم موريتاني تخرج من جامعة نواكشط“-، ويقول: “إن هناك أسبابًا عديدة لتدني التعليم العالمي في موريتانيا، وبأثر رجعي؛ مما أدى إلى هروب الطلاب للخارج طلبًا للعلم”.

ويضيف ولد مولود في حديثه الخاص لـشبكة زدني التعليمية، أن: “الحكومة الموريتانية ترسل سنويًا مئات الطلاب المتفوقين في الثانوية العامة للدراسة في الخارج على نفقة الدولة، كما يسافر الآلاف من الطلاب على ميزانيتهم الخاصة بحثًا عن التخصصات العلمية غير المتوفرة في بلادهم، أو لإكمال دراستهم العليا ونيل درجة الدكتوراه”.

ويتابع المعلم قائلًا: “وعند عودة هؤلاء الطلاب بعد إكمال دراستهم، تعتمد عليهم موريتانيا بدرجة كبيرة، وتقوم بتوظيفهم في تخصصات عديدة، منتقدًا عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة باستغلال هذه الكفاءات العائدة من الخارج، ببناء جامعات جديدة لسد احتياجات الطلاب الموريتانيين، وخصوصًا الطالبات اللواتي يجدن صعوبة في السفر للخارج، وإكمال تعليمهن الجامعي”.

منع المنح الجامعية!

وفي تصريحات سابقة انتقد رئيس رابطة الطلاب الموريتانيين بتونس إبراهيم ولد سيد المختار، ما تقوم به وزارة التعليم العالي من وقف المنح الخارجية، على الرغم من علمها بنقص المؤسسات التعليمية داخل الدولة، متهمًا إياها بوضع شروط تعجيزية أمام الطلاب الراغبين بالاستفادة بهذه المنح، والتي أصبحت حقًا مكتسبًا اعتادت عليه الأجيال في موريتانيا.

وأضاف ولد سيد المختار في تصريحه، بأن: “الطلاب الموريتانيين في الخارج يعانون من مشاكل عديدة، وظروف صعبة، أهم هذه المشاكل: محاولة وزارة التعليم العالي قطع المنح الخارجية وتجفيف منابعها، وهي سياسة فاشلة في ظل غياب بدائل حقيقية داخل البلاد”.

ولفت إلى أن ما يزيد معاناة الطلاب الموريتانيين في الخارج السنوات الماضية؛ وجود أزمات دبلوماسية بين موريتانيا والدول التي يتوجه الطلاب للدراسة فيها، مثل ما حدث في المغرب، وانعكس بالسوء على الطلاب، حيث تم تعقيد إجراءات التسجيل وفرض رسوم جديدة، تصل لـ2000 درهم مغربي “217 دولارًا.

وطالب ولد سيد مختار بضرورة بتعميم المنحة على جميع الطلاب الموريتانيين المسجلين في الخارج، إضافة إلى صرف الغلاف المالي المخصص للمنح كاملًا وزيادته، بما يضمن استفادة أكبر كم من الطلاب.

شروط تعجيزية في المنح

وقامت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الموريتانية بتحديد شروط تعجيزية في المنح المقدمة للطلاب، منها تقليص السن القانونية للحصول على المنحة من 25 إلى 22 سنة بالنسبة لمرحلة الإجازة الليسانس، ومن 28 إلى 25 سنة بالنسبة لمرحلة الماجستير.

كما حرمت الطلاب الناجحين في الدورة الاستدراكية من المنحة؛ مما تسبب في حرمان عدد كبير من الطلاب من المنح، وهو ما تم وصفها من طلاب وأولياء الأمور بالجائرة، حيث تم بسببها إقصاء أكثر من 60% من الطلاب، من مختلف المراحل الدراسية إجازة ماجستير دكتوراه.

حلول جذرية

من جانبه يرى الاستشاري التربوي محمود ولد عبد العزيز، أنه توجد حلول عديدة لحل أزمة التعليم في موريتانيا، تبدأ بضرورة صياغة برنامج متكامل لإصلاح التعليم، ويبدأ من المرحلة الأساسية وحتى التعليم العالي.

ويضيف ولد عبد العزيز في تصريحه الخاصة لـشبكة زدني التعليمة، من الضروري أيضًا الاستعانة بتجارب الدول الناجحة في مجال التعليم، والاستعانة بتجاربهم الناجحة في التعليم، كماليزيا وسنغافورة في الدول الآسيوية، وبوتسوانا في القارة الأفريقية.

ويؤكد على أنه من الضروري أن يكون هناك أكثر من لغة للتعليم مع اللغة العربية، حيث يدرس الطالب بلغته الأم اللغة العربية، وتدريس المواد العلمية بلغة أجنبية كالإنجليزية، وبالتالي لن تواجهه صعوبات حال سفره لإكمال دراسته بالخارج.

ويشدد الاستشاري التربوي في حديثه، على أن تطور التعليم في موريتانيا يبدأ بتطوير المعلمين وتدريبهم، وابتعاثهم لدول أخرى؛ لاكتساب خبرات، ومن خلالها يستفيد الطلاب، لافتًا إلى ضرورة تشكيل لجنة دائمة من الخبراء لمتابعة مراحل تطور التعليم، وتقديم تقارير دورية عنه.

ويؤكد لـشبكة زدني، على ضرورة تشجيع الطلاب على البحوث الميدانية التي تساعد في حل المشكلات التي يعاني منها السوق، إضافة لضرورة التركيز على التخصصات التي تخدم السوق الموريتانية.

ويختم حديثه قائلًا: إن التعليم العالي والبحث العلمي هما شريان الحياة للمجتمعات، وهما أساس تقدم الأمم وازدهارها، وكل دول العالم المتقدمة بدأت رحلة تطورها بتطويرهما، لذلك فإن التعليم الأساسي والجامعي، يحتاجان لتكاتف الجهود السريع من الحكومات؛ من أجل إنقاذ التعليم في موريتانيا، الذي يعاني من تراكمات عقود من الإهمال، والجهل، وتسرب الطلاب للخارج بحثًا عن العلم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك