كيف أثر دمار المدارس على مستوى تعليم الطلبة في العراق؟

15 يناير , 2018

داخل صفوف مكتظة بالتلاميذ تقضي التلميذة (صفا الجاسم) “9 أعوام”، أغلب وقت الحصة الدراسية واقفة على قدميها داخل الفصل الدراسي، ومثلها آلاف التلاميذ يدرسون في مدارس لا تصلح للدراسة، أو في كرفانات، وبعضهم حرموا من التعليم نتيجة نقص المدارس، والنزوح والحروب المستمرة في العراق.

 

يقول والد صفا لـ”شبكة زدني”، تعاني ابنتي من اكتظاظ الفصل الدراسي، وتقليص وقت الحصة الدراسية، أغلب المدارس صار الدوام فيها ثلاثيًّا، وذلك بعد هدم أغلب مدارس قضاء الفلوجة وتضررها، عقب دخول تنظيم داعش، ونتيجةً للعمليات العسكرية التي ألحقت الضرر بجميع البنى التحتية لا سيما المدارس.

 

كيف يدرس طلبة المدارس المدمرة؟

تقطع لمياء “13 عامًا”، مسافة 25 دقيقة حتى تصل إلى مدرستها في قرية “شاقراق”، داخل بلدة المقدادية التابعة لمحافظة ديالى شمال شرق بغداد، تقول لمياء لــ”شبكة زدني”: “تركت المدرسة بعد أن نزحنا لمدة عامين، وكان يفترض أن أكون الآن في المرحلة المتوسطة، لكن خلال نزوحنا لم أتمكن من دخول مدرسة؛ حيث انتقلنا إلى عدة مخيمات، بعضها لم يكن فيها مدارس، وبعضها الآخر كانت المدارس فيها مكتظة، حتى أن المدارس كانت مثل خيمنا”.

 

وتروي الطالبة: “كنت أحب مدرستي كثيرًا، وعندما عدنا إلى قريتنا وجدنا أن المدرسة تهدم جزء كبير منها، واضطررنا إلى الدوام في مدرسة أخرى، المعلمة قالت لنا: “إننا ضيوف على تلك المدرسة، وحين يكتمل إعادة بناء مدرستنا سوف نعود إليها”، في هذه المدرسة أصبح عددنا كثيرًا لم تستطع المعلمة تصليح دفاترنا جميعًا، حتى إنها تصل إلى نصف العدد، ثم يدق جرس الاستراحة، والتي غالبًا ما تكون دقيقة أو أكثر بقليل، أتذكر في العام الماضي لم نكمل الكتاب، بقيت مواضيع في نهاية الكتاب حين انتهى العام الدراسي”.

 

لم يكن حال التلميذ (محمد حازم) “15 عامًا”، من سكان الجانب الأيمن في مدينة الموصل شمال العراق بالأفضل، يقول حازم لـ”شبكة زدني”: “في مدينتنا المنكوبة نعاني كثيرًا بسبب عدم توفر ما يساعدنا على الدراسة، مدارسنا بين متضررة ومهدمة، ورغم ذلك نحاول -على استحياء- الاستمرار في الدراسة”، ويكمل حازم حديثه: “المقاعد مكسرة، وغالبًا ما نجلس كل 3 أو 4 طلاب على مقعد واحد”، في أثناء ذلك أشار بيده إلى أحد الطلبة وهو يحمل على كتفه كرسيًا من منزله ليجلس عليه؛ لعدم توفر كراسي للطلاب، بعد أن أحرقها تنظيم داعش.

 

في المدينة ذاتها يتحدث -وبنبرة حزينة- التلميذ (إبراهيم عزيز) “17 عامًا”، من ثانوية أبو بكر الصديق للبنين، في منطقة حي الرفاعي في الجانب الأيمن: “إن أغلب الطلبة الذين عادوا إلى مدراس الساحل الأيمن مجبرين، لأن الظروف المادية لا تسمح لنا بإكمال دراستنا في الساحل الأيسر، وهذا يتطلب أجور نقل، بينما لا تمتلك عوائلنا قوت يومنا”، وتابع القول: “كنت من الأوائل على مدرستي، وجميع أساتذتي يشهدون بذلك، لكن النزوح وفقدان بعض الأصدقاء نتيجة قتلهم أو نزوحهم، وما نراه من دمار في شوارعنا ومدننا، لا يساعدنا على الدراسة كما كنا في السابق، لقد تحولت مدرستي إلى كومة من الركام ومكبٍّ للنفاية، بعد أن كان يسكنها عناصر داعش الأجانب مع عائلاتهم، وتم استهدافها من قبل طيران التحالف”.

 

ويكمل التلميذ حديثه: “أنا مشتت لا أستطيع أن أنتقل إلى مدرسة أخرى، وإن كانت في نفس الساحل الأيمن؛ لكون هذا يكلفني -على الأقل- مبلغًا يوميًّا مقداره 1500 دينار، أكثر من دولار أمريكي، ولأن والدي أصيب بطلق ناري من قِبل قناص داعش الإرهابي، مما أقعده عن الحركة”، ويضيف عزيز: “أما أخي عبدالله فيبلغ من العمر 16 عامًا، وقد ترك المدرسة، ويعمل في فرن لخبز الصمون؛ ليتقاضى في نهاية يوم عملٍ شاق مبلغ 5 آلاف دينار، نحو 4 دولار، وهذا المبلغ الزهيد لا يكفي ثمن شراء أبسط وجبة طعام لعائلتنا.

 

التعليم في العراق يمر بانتكاسة خطيرة

أستاذ المناهج وطرائق التدريس، الدكتور (محسن علي عطية) قال لــ”شبكة زدني”: “إن العملية التعليمية في العراق تحولت إلى محرقة للطاقات البشرية، إن الفساد وتمكُّنُ الفاسدين من تسلم المسؤولية سبب في هدم المدارس، وتركها بابًا من أبواب الفساد، ولم يأخذ أصحاب الشأن مسألة النمو السكاني الطبيعية، فالمدارس بقيت كما هي منذ أيام الحصار، ولم تتوسع بشكل ذي معنى”، ويضيف عطية: “إن ذلك نَجَمَ عنه الدوام الثلاثي في المدارس وزيادة عدد المتعلمين في قاعة الدرس، إذ وصل عدد المتعلمين إلى أزيد من 60، ووصل زمن الدرس إلى 25 دقيقة من دون فترات استراحة، ناهيك عن “هدر الوقت” في العطل والمناسبات التي لم يشهد مثيلها في أي بلد من بلدان العالم”.

 

ويشدد عطية على أهمية الكتاب المدرسي في العملية التعليمية: “أهميته تتجلى لكونه يمثل مضمون المنهج المكتوب في عملية التعليم، وإذا ما فهمنا التعليم على أنه نظام له مدخلات وعمليات ومخرجات؛ فإن الكتاب المدرسي وما يتصل به، من عمليات إخراج واختيار مضمون وأنشطة وتصميم بوصفه يمثل المنهج المكتوب؛ يمثل مدخلًا مهمًا وعنصرًا مؤثرًا في مخرجات التعليم، ولا يقل دوره عن المعلم وما يتصل به من إعداد، والمتعلم وما يتصل به من نضج ودافعية، وتزاد هذه الأهمية في الحالة العراقية بشكل خاص، إذ أصبح تمكن المتعلم بكل المستويات بما فيها الدراسات العليا من مضمون الكتاب هدفًا مطلوبًا من الجهات المسؤولة عن العملية التعليمية، بدلالة أن الاختبارات التحصيلية صارت تشدد على حفظ المضمون بشكل كبير، وأن الامتحانات الوزارية غالبًا ما تتقيد بنصوص حرفية من محتويات الكتب المدرسية”.

 

وعن أهداف المناهج التعليمية يشير عطية، إلى أنه: “يفترض أن يكون لكل كتاب أهداف تتصل بأهداف منهج المرحلة الدراسية، ويفترض أن يشار إليها في مقدمة الكتاب أو دليله، ولكن في الغالب لا يوجد دليل، ولم تعرض أغلب الكتب المدرسية التي اطلعَ عليها أهدافًا تعليميةً”.

 

ويكمل عطية حديثه: “التعليم في العراق يمر بانتكاسة خطيرة، فهو يتراجع في كل مراحل التعليم من الابتدائية وحتى دراسة الدكتوراه، فمثلًا نجد تلميذًا يتخرج من الابتدائية، وهو لا يعرف قراءة جملة واحدة، ونجد حامل دكتوراه لا يخلو ما يكتبه من الكثير من الأخطاء الإملائية، وهذا كله نتيجة الأوضاع السياسية والحروب المتتالية، وعدم الاهتمام بما يعانيه الطلبة بدءًا من مدارسهم المهدمة، ووصولًا لمناهجهم التي تتغير بحسب تغير كادر الوزارة”.

 

من جانبه يقول مدرس مادة الحاسوب (محمد مقداد) لـ”شبكة زدني”: “إنَّ الدمار والضرر الذي لحق بأكثر من 3 آلاف مدرسة خاصة في المدن المحررة، ونتيجة العمليات العسكرية خلال المعارك، وكذلك نقص الأبنية المدرسية؛ أدى إلى رفع عدد الطلاب في الصفوف الدراسية، وأصبحت في الصف الواحد أكثر من40 إلى 55 طالبًا، وهذا عدد كبير جدًّا وغير قانوني، ما يصعب التدريس وحتى استيعاب الطلبة، وبالتالي تدهور العملية التعليمية برمتها”.

 

وتابع: “هناك رغبة من التلاميذ والطلبة لإكمال دراستهم، خاصة النازحين الذين حرموا من المدرسة لأكثر من عامين، لكنهم فوجئوا في المناطق المحررة بحجم الدمار، ورغم ذلك أصروا على إتمام دراستهم في المدارس حتى مع الزحام الشديد، لأعداد الطلبة داخل الأبنية المدرسية والغرف الدراسية”.

 

مدارس من طين وأخرى آيلة للسقوط

الناشط الحقوقي (أحمد عبد الخضير الجاسم) قال لــ”شبكة زدني”: “إن القلق يساور جميع النشطاء في مجال حقوق الإنسان جراء التردي الحاصل في التعليم الابتدائي والثانوي، فبعد انتهاء العمليات العسكرية على محافظة الأنبار مثلًا؛ وجدت الكثير من المدارس مهدمة أو متضررة بشكل كبير، الأمر الذي يتطلب إيجاد بدائل، نرى أن جميع الحلول التي أقدم عليها مسؤولو التربية لا ترتقي إلى مستوى الدمار الحاصل في المدارس، والكثير من الطلبة يدرسون بمدارس آيلة للسقوط، والبعض يدرسون في كرفانات أو مدارس من طين”.

ويضيف الجاسم: “كما أود الإشارة إلى أن وزارة التربية -وقبل عدة سنوات- عمدت إلى هدم عدد من المدارس المنتهي عمرها الافتراضي؛ لغرض إعادة تشييدها، لكنها لم تُعِدْ بناء أي مدرسة، وهذا ما انعكس سلبًا على عدد المدارس، خاصة بعد تضرر وهدم الكثير منها عقب دخول داعش”.

 

ونوه الناشط إلى أن عدد المدارس المتضررة في الفلوجة بلغ 37 مدرسة، ينتظم فيها أكثر من 1500 طالبة وطالبة، أما في مدينة الرمادي مركز المحافظة فقد بلغ عدد المدارس المهدمة 28 مدرسة في مناطق البوفراج، الصوفية، حي البكر والبو علي، ورغم شبه تهدمها إلا أن عددًا من تلك المدارس ما زالت تستقبل أقل من ألف طالب.

 

أكثر من ألف مدرسة دمرت في الأنبار

وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن محافظة الأنبار غرب البلا د دُمِّر فيها أكثر من 1000 مدرسة، أما في محافظة صلاح الدين تضررت نحو 360 مدرسة بشكل كبير، خاصة مدارس ناحية عزيز بلد وبيجي، كما تعرضت نحو 130 مدرسة في ديالى للتدمير أو الهدم من قبل وزارة التربية لغرض إعمارها، وفي مدينة الموصل أكثر من 300 مدرسة تعرضت للهدم، وهذا يحرم أكثر من 250 ألف طالب من المقاعد الدراسة في مدينة الموصل المنكوبة.

 

وتقدر نسبة الانتظام في دوام الطلبة في الجانب الأيسر بالنسبة للعوائل العائدة 80٪ أما في الجانب الأيمن لا تتجاوز الـ50٪ أما باقي أقضية محافظة نينوى، لا يختلف حالها عن الجانب الأيمن، غالبية الطلبة ما زالوا موزعين بين المخيمات ومدينة الموصل، ومنهم من عاد على منطقته الأصلية، لكن لم يتمكن من العودة إلى المدرسة؛ لكون تلك المناطق الحياة فيها شبه معدومة باستثناء قضاء ربيعة الذي لم يتضرر كثيرًا بفعل العمليات العسكرية.

 

“كرفانات” لمعالجة الازدحام في المدارس

 

عضو مجلس محافظة ديالى عمر الكروي، ذكر في تصريح صحافي، وصول 50 كرفانًا لمعالجة ازدحام المدارس في ناحية جلولاء (70 كم) شمال شرقي محافظة ديالى، موضحًا أن هذه الكرفانات تم نقلها من إحدى مخيمات النازحين في بلدة خانقين، سيتم توزيعها على المدارس لمعالجة الزخم الحاصل في الصفوف الدراسية، وفي آب/ أغسطس الماضي أعلنت وزارة التربية، عن حاجة العراق لأكثر من 20 ألف مدرسة بحلول العام 2022 نتيجة النمو السكاني السنوي، مؤكدة أن الملف يحتاج لأفكار جديدة وخطط استثنائية، فيما أشارت إلى وجود نقص حاد في عدد المدارس بسبب تراكم الأزمات.

 

وكان نحو 10 ملايين طالب عراقي انتظموا في الدراسة في سبتمبر/ أيلول الماضي، منهم خمسة ملايين ونصف مليون في المدارس الابتدائية، ومليونان ونصف مليون في المرحلة الثانوية.

 

يذكر أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) حذرت في 22 مايو/ أيار الماضي، أكثر من 3.5 مليون طفل عراقي يفتقرون للتعليم، وأن الأطفال هم أكثر من يعاني من استمرار الصراع والنزوح في العراق، حيث تعاني نحو 40 في المائة من الأُسَر النازحة من الفقر، ونحو نصف الأطفال النازحين في العراق هم خارج المدرسة، أما الأطفال الذين يعيشون في المناطق التي تضررت بشدة جراء أعمال العنف في العراق، فأكثر من 90 في المائة منهم لا يرتادون المدرسة، وقد قُدِّرت الخسائر الاقتصادية نتيجة الهدر الكبير للأموال؛ بسبب الأجور المهدورة جراء التسرب من المدارس في العام الدراسي 2014-2015، فقط بقرابة مليار دولار أمريكي بحسب المنظمة.

 

وزارة التخطيط العراقية بيَّنت أن نسبة الأمية في العراق بلغت 18%، مؤكِّدة على لسان المتحدث باسمها عبد الزهرة الهنداوي، أن أكثر هذه النسبة من الإناث20%، وبلغت بين الذكور 14%، كذلك بين النازحين 14%، مبينًا أن ما يقارب من 22.4% من النازحين الشباب تركوا التعليم بسبب النزوح بين المدن.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] كيف أثر دمار المدارس على مستوى تعليم الطلبة في العراق؟ […]

[…] لكم تحقيق من إعداد الزميلة “ميمونة الباسل” عن أثر دمار المدارس على مستوى تعليم الطلبة في العراق، وكل ما تريد معرفته عن دراسة السينما والتلفزيون في […]

أضف تعليقك