كيف استغل أساتذة الجامعات في مصر عدم وجود رقابة عليهم بشكل سيئ؟

24 ديسمبر , 2017

دائمًا ما كان للمعلم هيبته ووقاره واحترامه، هكذا الحال بالنسبة لأساتذة الجامعات فهم كَهَنَة العلم، ولهم قدرهم العالي؛ إلا أن الأعوام الماضية شهدت قصص فساد مالي وأخلاقي لبعض من أعضاء هيئة التدريس في مختلف الجامعات المصرية، وصلت حد الابتزاز والتهديد الجنسي، وخروج تسجيلات صوتية في بعض الأحيان تفضح ما آل إليه كهنة العلم في مصر!

أحد أهم أسباب ظهور هذه الكوارث عدم وجود رقابة على الأستاذ الجامعي؛ فلا يوجد من يحاسبه على تقصيره، أو يحارب فساده، إضافة إلى أن الفترة الأخيرة شهدت غيابَ المعايير في تعيين الأستاذ الجامعي، واقتصرت على شروط معينة ترضي النظام الحاكم فقط، وغاب معيار الكفاءة والأخلاق.

 

فساد وابتزاز جنسي:

جامعة القاهرة

قصص الفساد والابتزاز الجنسي في جامعات مصر أصبحت كثيرة لا حصر لها، كان آخرها: قيام أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية الزراعة في جامعة القاهرة بالتحرش الجنسي بإحدى الطالبات في أثناء الامتحان الشفوي، وأنها ليست المرة الأولى له.

 

وقررت إدارة جامعة القاهرة إحالة الأستاذ الجامعي للتحقيق، وتنحيته عن أعمال الامتحانات الشفوية والعملية، ووقفه عن العمل حتى ظهور نتيجة التحقيق.

 

لم يختلف الأمر كثيرًا في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، حين قام أستاذ جامعي شهير باغتصاب طالبة وتصويرها عارية من أجل المزيد من الابتزاز الجنسي، وانتشرت تسجيلات صوتية له، وهو يقوم بتهديدها؛ مما يؤكد قيامه بهذا الأمر.

هذه التهمة ليست الأولى للأستاذ الجامعي الشهير؛ حيث أحاله رئيس الجامعة د.جابر نصار إلى إدارة الشؤون القانونية المركزية، للتحقيق معه بتهمة الرشوة وابتزاز الطلاب والتربح من وظيفته؛ حيث أجبرهم على شراء هدايا له مقابل نجاحهم في المادة التي يدرسها لهم، ومع كل هذا اكتفت إدارة الجامعة بوقفه عن العمل عدة أشهر فقط.

 

وقالت (س. ن) طالبة بكلية الآداب– جامعة طنطا: إن أحد أساتذة الكلية قام بالتحرش بطالباته من خلال إرسال رسائل لهن عبر تطبيق “الواتس آب”، وقمن بتقديم شكوى ضده لإدارة الجامعة بعد فترة صمت طويلة؛ خوفًا من بطش الأستاذ الجامعي، إلا أن ارتفاع سقف مطالبه لهن بإرسال صورهن له عاريات دفعهن لفضحه.

 

ولم تسلم كلية رياض الأطفال بجامعة دمنهور من قيام عضو هيئة تدريس بالتحرش بهن مرارًا وتَكرارًا، ورغم قيام الطالبات بتقديم شكاوى ضده، إلا أن إدارة الجامعة لم تتخذ ضده أي إجراء؛ مما اضطرهن إلى الاعتصام أمام مكتب رئيس الجامعة لإحالته للتحقيق.

 

غياب الرقابة

يرى استشاريون تربويون: إن سبب انتشار الفساد الأخلاقي وغياب القدوة الصالحة للطلاب مؤخرًا في جامعات مصر؛ يرجع لغياب الرقابة، ومنح الجامعة سلطات واسعة لأساتذة الجامعات، مما جعل البعض يستغلها استغلالا سيئًا، بحسب (أسماء علَّام) الاستشارية التربوية.

 

وأضافت لشبكة زدني التعليمية أن:

“أساتذة الجامعات بشر، وليسوا معصومين من الخطإ حتى تغيب الرقابة عنهم”

 

مشيرة إلى أنه: “كلما زادت سلطات الفرد زاد تجبره وطغيانه”.

ولفتت أسماء علَّام النظر إلى أن أقصى العقوبات التي يتم اتخاذها مع عضو هيئة التدريس المذنب؛ وقفه عن العمل عدة أشهر، أو قيامه بالسفر لأي دول حتى يهدأ الأمر، ويتم نسيان خطئه، ثم يعود مرة أخرى لجماعته ومزاولة عمله من جديد.

 

وقالت لشبكة زدني: “إن بعض أعضاء هيئة التدريس مستندون إلى علاقتهم القوية بإدارة الجامعة؛ فلا يتم اتخاذ أي إجراء ضدهم، إضافة إلى أن بعضًا آخر له علاقات بجهات أمنية، ويقوم بكتابة تقارير أمنية عن الطلاب وخاصة المعارضين؛ لذلك لا يتعرض لهم أحد حال قيامهم بفساد مالي أو أخلاقي؛ بل تتم ترقيتهم أحيانًا.

 

سمعة في الحضيض

ويقول (سعيد .ع) عضو هيئة تدريس في إحدى الجامعات المصرية: “إن هناك بعضًا من أساتذة الجامعات ممن أساؤوا للأستاذ الجامعي من خلال التكبر، والسلطة المطلقة، إضافة إلى قيامه بتحديد سعر كتابه بأسعار فلكية، لا يستطيع أحد الاعتراض عليها”.

ويضيف لشبكة زدني التعليمة: “أن الأستاذ الجامعي يقوم بطبع ورقة في آخر كتابه يقوم الطالب بملئها وتسليمها له؛ حتى يضمن أن جميع الطلاب سيشترون كتابه، ولن يلجؤوا لتصوير الكتاب، ومن لم يقدم هذه الورقة يعتبر راسبًا في هذه المادة.

 

ويتابع (ع.)  في حواره لشبكة زدني التعليمة، أن سمعة بعض أعضاء هيئة التدريس في الحضيض بسبب سرقة الأبحاث العلمية ونسبتها لهم، إضافة إلى استغلالهم الباحثين في الدراسات العليا من طلبة الماجستير والدكتوراه، وإجبارهم على تقديم هدايا غالية الثمن، حيث بلغت تكلفة أحد رسائل الدكتوراه لطالب أكثر من 30 ألف جنيه مصري من بين هدايا وعطاءات للمشرفين واللجنة المناقشة للرسالة.

 

سرقة الأبحاث العلمية

جامعة الفيوم

تعد ظاهرة سرقة الأبحاث العلمية أحد أهم أشكال الفساد التي انتشرت مؤخرًا من بعض أعضاء هيئة التدريس؛ مما دفع وزارة البحث العلمي إلى تشكيل لجنة لمواجهة هذا النوع من السرقات، والتي كان آخرها وقوع فضيحة علمية داخل جامعة دمياط، عندما قامت بمنح درجة الماجستير لطالب على بحث قام باقتباس أجزاء كبيرة منه من أبحاث أخرى.

 

هذه الجريمة أثارت الرأي العام، ووصلت لمجلس الشعب المصري، حيث قامت لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، بالتحقيق في قيام عدد من أساتذة الجامعات بسرقة عدد من الأبحاث العلمية والرسائل العلمية، مطالبين بضرورة تغليظ العقوبات ضد من تثبت ضده التهمة.

وفي حديث صحفي قال د. عبدالرحمن برعي -وكيل لجنة التعليم والبحث العلمي في مجلس النواب-: “إن اللجنة تحارب ظاهرة انتشار السرقات العلمية وسرقة الأبحاث العلمية داخل الجامعات المصرية”.

 

وأضاف في تصريحاته الصحفية: “أن اللجنة أوصت بفصل نائب رئيس إحدى الجامعات المصرية، وعميد إحدى الكليات، لثبوت سرقتهما الأبحاث العلمية، وأن اللجنة ستقوم بإصدار بيانات صحفية الأيام المقبلة بكل التحقيقات التي تمت داخل اللجنة في قضية السرقات العلمية داخل الجامعات.

ولفت وكيل اللجنة إلى أن أكثر الأبحاث العلمية التي تتم سرقتها هي الأبحاث المنشورة باللغة العربية نظرًا لوجود برامج تستخدمها الجامعات في الكشف عن الأبحاث العلمية المنشورة باللغات الأجنبية.

 

علاقة العبد بالمعبود

ويقول حسام عز الدين، وهو باحث دراسات عليا: “إن علاقة المشرف الذي لا يتقي الله ويريد أن يستفيد ماديًّا باستغلال الطالب هو أشد من العبودية؛ لأن المشرف بيده أن يحصل الطالب على الماجستير أو الدكتوراه أو لا يحصل عليه، وبيده أيضًا أن ينهي الطالب البحث في عامين أو ثمانية أعوام، وبيده أن يتمسك بالروتين أو يتخلى عنه”.

 

ويضيف في تصريحات خاصة لشبكة زدني التعليمية أن أستاذ الجامعة المشرف على الرسالة بيده أيضًا أن يترك الباحث يبدع، أو أن يجعله في قالب واحد وفق ما يريد هو، باختصار: “المشرف هو رئيس الجامعة ووزير التعليم بالنسبة للطالب نفسه”.

 

ويطالب عز الدين بضرورة وجود رقابة على المشرف أو على أساتذة الجامعة بشكل عام؛ فبعض المشرفين يطلب رشاوى بشكل غير مباشر، ويستنزف الباحثين ماديًّا، “وعلى حسب هداياك له؛ يكون تقديرك وإنجازك في موضوع بحثك”.

 

ويرى أن الحل يوجد في ضرورة وجود مشرفين فوق المشرف المباشر، ويكون من خارج الجامعة لضمان الحيادية، أو أن تحكم وزارة التعليم العالي رقابتها بشكل واضح على أساتذة الجامعات، لافتًا إلى أن الوزارة لا تحكم سوى الرقابة الأمنية، وكل ما يخص النظام الحاكم فقط، وغير ذلك لا تقوم برقابة عليه، وحالات الشكوى من الرشاوى الجنسية من الطالبات خير دليل على ذلك.

 

واقترح أيضًا لشبكة زدني التعليمية أنه يمكن التفكير في طريقة أخرى للإشراف على رسائل الدكتوراه والماجستير وفق ضوابط يتم تعميمها على كل الجامعات المصرية، أهمها إمكانية استبدال المشرف، وألا يكون المشرف هو صاحب الرأي الأول والأخير في تقييم الطالب، مشيرًا إلى أن هناك نقطة أخرى يجب الإشارة إليها، وهي: أنه ليس من السهل إيجاد مشرف، فبعض الطلبة يتحملون هذه الممارسات نظرا لصعوبة إيجاد مشرفين.

كيف يحاسَب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات؟

وضع قانون تنظيم الجامعات الصادر عام 2006 المعمول به حاليًّا، وضع آلياتٍ محددة للتحقيق وتوقيع الجزاءات على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات في حال ارتكاب مخالفة، كما خصص القانون من المادة 105 به حتى المادة 112 لشرح طرق محاسبة أعضاء هيئة التدريس المخالفين.

 

ومن أبرز القوانين التي وضعت لمحاسبة أساتذة الجامعة المخالفين، أن يتولى التحقيق أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية الحقوق بالجامعة، أو إحدى كليات الحقوق الأخرى بالجامعات الخاضعة لقانون تنظيم الجامعات، في حال عدم وجود كلية حقوق بالجامعة المختصة.

 

كما يجب ألا تقل درجة من يتولى التحقيق عن درجة الأستاذ الذي يجري التحقيق معه، وتقديم نتيجة التحقيق لرئيس الجامعة، كما أنه من حق رئيس الجامعة حفظ التحقيق أو توقيع الجزاء الذي يراه مناسبًا.

 

كما اشترط القانون وجوب اطلاع عضو هيئة التدريس على التهم الموجهة له، وأن تكون مساءلة عضو هيئة التدريس المحال لمجلس التدريس أمام جميع الأساتذة، ويعاقب العضو بالجزاءات، مثل: “التنبيه، واللوم مع تأخير العلاوة المستحقة لفترة واحدة، أو تأخير التعيين في الوظيفة لأعلى من سنيتن على أقصى تقدير، إضافة للعزل من الوظيفة مع الاحتفاظ بالمعاش أو المكافأة”.

ميثاق شرف جامعي

ولتفادي ظاهرة فساد الأستاذ الجامعي اقترح أحمد إبراهيم – باحث تربوي، وجود ميثاق شرف جامعي، يتم توضيح خلاله جميع الجرائم والعقوبات التي يتم تنفيذها بحق الأستاذ المخطئ.

 

وقال في تصريحات خاصة لشبكة زدني التعليمية، يعتمد اقتراحه على مستويين، الأول: خاص بجرائم لا يعاقب عليها القانون، مثل: إجبار طالب على شراء كتاب بسعر باهظ الثمن، أو ابتزازهم ماديًّا، ويتم إحالتها لمجالس التأديب، ويكون العقاب رادعًا مثل الفصل.

 

وتابع في حديثه: “إن المستوى الثاني من الميثاق يحتوي جرائم تخص السمعة والشرف ويعاقب عليها القانون، مثل التحرش الجنسي والاغتصاب والرشوة، والتهديد بمقابل، ويجب أن تتم إحالتها فوْرًا للنيابة العامة لتولي التحقيق بها.

 

كيف يتم تعيين أستاذ الجامعة؟

ويقول د. (م. ن) – أستاذ جامعة معار لدولة عربية رفض ذكر اسمه، أنه غابت اللائحة لتعيين أعضاء هيئة التدريس التي كانت تقوم على مبدإ الكفاءة والأخلاق، وأصبح  معظم أعضاء هيئة التدريس من أبناء العمداء والدكاترة الحاليين أو السابقين.

 

ويضيف في تصريحات خاصة لشبكة زدني التعليمة أنه:

“لا يتم تعيين أساتذة الجامعات حاليًّا إلا باشتراطات أمنية، أغلبها واسطة قوية؛ ليصبحوا لاحقًا عينا على الطلاب وزملائهم من المعارضين سياسيًّا”.

 

ويؤكد الأستاذ الجامعي أن إساءة مفهوم الحرية جعل الدكاترة يتفننون في استغلال الطلاب ماديًّا من بيع كتبهم وتجارتها، ونفسيًّا بل جسديًّا للحصول على درجات النجاح، ليعلم الطلاب أن الدكتور ديكتاتور مادته؛ بل قد يحرض على الطالب زملاءه من أساتذة الجامعات.

 

ويرى أن الحلول كثيرة، ومنها مثلًا: التعيين بالمصداقية والكفاءة والترتيب، بعيدًا عن الوساطة التي تمنح عضو هيئة التدريس سلطة ونفوذًا يسيء استغلالها، كما يجب توزيع لوائح وقوانين الجامعة على الطلاب ليعرفوا حقوقهم بالكامل؛ ليبعدوا عن أي مبالغة في الخوف من سلطة الدكتور الوهمية.

 

وشدد على ضرورة محاربة الفساد والمفسدين، ومسيئي استغلال منصبهم في التكسب والانحلال الأخلاقي، والضرب على أيديهم وإبراز تلك الحالات رادعًا لهم، وأمثلة للاتعاظ، إضافة إلى إعداد تقارير دورية لتقييم مستوى أعضاء هيئة التدريس، ويكون من ضمنها استبانات للطلاب وآرائهم في أدائه وسلوكه الأخلاقي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك