كيف يتعلم أبناء اللاجئين في مصر؟

21 مارس , 2018

 على الرغم مما عانَوه من وَيْلات الحروب، وقَصْف القنابل وطَلَقَات الرشاشات، ثم تَرْكهم أوطانَهم قهرًا لا رغبة، إلا أن كل هذا لم يمنعهم من تحقيق أحلامهم في تعليم أطفالهم في الدول التي نزحوا إليها، ومنها: “مصر”.

عند حديثنا مع أُسَر مختلفة الجنسيات من اليمن وسوريا والسودان والعراق، تفاوتت الحكايات والقصص حول ما يعانيه أبناؤهم من مشاكل التعليم في مصر، بيد أنهم أجمعوا على أن مصر وطنَهم الثاني فتح أبوابه لهم، حتى أن وزارة التربية والتعليم المصرية أقرت دمج الطلاب الأجانب ومعاملتهم مثل المصريين، خصوصًا الطلاب السوريين، إلا في حالات قليلة بسبب عدم وجود أوراق رسمية لهم.

 

وهذا ما أكدته سهيلة محمد وهي طالبة سورية في إحدى الجامعات الحكومية في مصر، بأن: “الحكومة المصرية قررت معاملة الطلاب السوريين مثل المصريين، وهو ما أثر علينا تأثيرًا حسنًا، خصوصًا في دفع المصاريف الدراسية التي تتعدى آلاف الجنيهات للأجانب؛ مقارنة بـ 200 جنيه تقريبًا للطالب المصري.”

 

وأضافت الطالبة لـ”شبكة زدني”: “درستُ الثانوية في مصر بعد أن فقدت الأمل في أن أكمل تعليمي بسبب هجرتنا أنا وأسرتي من سوريا إلى مصر، والتحقت بإحدى كليات جامعة القاهرة، وأصبحت لدي صديقات مصريات أشعر معهن بالألفة، إضافة إلى أن المناهج سهلة، وأفهم لهجة لغة الطلبة والأساتذة.”

 

وبحسَب إحصاءات مفوضية الأمم المتحدة؛ فإن مصر لديها 60 ألفَ طالبٍ سوريٍّ في سن التعليم في مصر مسجلين رسميًّا في أوراق المفوضية، منهم 40 ألف طفل يذهبون لمدارس التربية والتعليم المصرية، و 20 ألفًا غير مسجلين في مدارس، فهم إما في المنزل أو يعملون لمساعدة أسرهم أو مسجلون في مدارس السوريين.

 

بينما استقبلت مصر ما بين 6 و8 آلاف يمني، ولم يستطيعوا العودة إلى بلادهم بسبب الحرب، إضافة لقرابة 3500 طالب وطالبة، ويبقى العدد الأقل للأُسَر العراقية المسجلة رسميًّا في المفوضية، إذ أن أغلبهم يدخلون مصر بتأشيرة دخول سياحية، ويتهربون من العودة وليس لديهم أوراق رسمية.

 

تفرقة في المعاملة

 

معاملة أبناء السوريين كالمصريين أثارت غضب مقيمين عراقيين، مطالبين بالمساواة وأن يعاملوا كالمصريين بدخول المدارس الحكومية؛ لأنه مسموح لهم بالمدارس الخاصة فقط.

 

تقول عائشة أحمد مواطنة عراقية تعيش بمصر، مشاكل العراقيين كثيرة أهمها عدم وجود مدارس لأطفالنا؛ لأننا لا نملك إقامة أو أوراق رسمية للعيش في مصر، لذلك ترفض المدارس قبول أبنائنا.

 

وتضيف في حديثها الخاص لــ”شبكة زدني”: “حتى لو كنا عندنا إقامة؛ فالعراقي لا يُعامَل معاملة السوري والمصري من حيث المدارس والجامعات؛ فالسوري له الحق في المدارس الحكومية والجامعات، أما العراقي فيجب أن يسجل في مدارس خاصة”.

 

وتتابع: “ليس كل العراقيين أصحاب أملاك ولهم وارد من العراق، لأن الفترة الأخيرة اضطرتنا أن نهجر كل شيء، وهناك سيدات هم المعيل الوحيد لعائلاتهم، إضافة إلى أن العمل هنا لا يفي بسد مصاريف المدارس ومتطلباتها”.

 

وفي أسى تقول: “أولادنا حينما يتخرجون من الثانوية، لن يكون لهم فرصة للدراسة بالجامعة، يعني كل السنين التي درسها ستذهب هباء منثورًا، بسبب التفرقة في المعاملة، وأطالب النظام المصري أن يعاملنا مثل السوريين؛ لأن هناك عوائل تعبانة جدا”.

 

بينما تقول رؤى زياد: “بالفعل ظروف اللاجئين السوريين في مصر هي الأفضل من غيرهم من الجنسيات الأخرى، والأفضل في جميع الدول الأخرى أيضًا، إلا إن مشكلتها تكمن في حرمان أبنائها من التعليم الجامعي بسبب ضياع أوراقهم الدراسية في سوريا وقت الحرب.”

 

وتضيف في تصريحاتها لــ”شبكة زدني”: “أبنائي وصلوا في سوريا للسنة الدراسية الرابعة في الجامعة، ولكن أوراقهم الدراسية ضاعت في الحرب، وعندما جئنا لمصر طلبت الجامعة أوراقهم لاستكمال دراستهم، وكان الحل بأن يبدؤوا الدراسة من جديد من العام الأول؛ فجعل أحدهم يرفض استكمال الدراسة، والآخر لم ينسجم مع الوضع في مصر، ورسب عدة مرات؛ لصعوبة المناهج في جامعات مصر عما كانوا يدرسونه في سوريا.”

 

وقف منح الإقامات

 

وقف منح الإقامات للعراقيين الذين بَقوا في مصر بعد انتهاء مدة زيارتهم السياحية في مصر؛ أثر بالسوء على مستوى التعليم لدى أبنائهم، حيث لا يمكن أن يسجلوا أبناءهم في المدارس؛ من دون أن يحمل ولي أمر الطالب هوية رسمية موثقة من مصلحة الجوازات المصرية.

 

وتقول أم عراقية رفضت ذكر اسمها: نقيم في “6 أكتوبر” بمصر منذ سنتين بعد أن دخلنا بتأشيرة سياحة، وحتى الآن لم نحصل على إقامة، وعندما ذهبت لإدارة التربية والتعليم لتسجيل طِفْلَيَّ بالمدرسة المجاورة لمنزلي، قالوا لي: إن من شروط التسجيل صورة من الإقامة لغير المصري، والإقامة ممنوعة عنا منذ 2016.

 

وتضيف -في حزن- لــ”شبكة زدني”: “ليس لدينا إقامة، لذلك لم يتم قبول طِفْلَيَّ بالمدرسة، وبعض المدارس تقبل بحضورهم الحصص للاستماع فقط، لكنهم لا يؤدون الامتحانات ولا يمنحون شهادة تعليم، ونحاول جاهدين على استخراج إقامة، وحتى يتم ذلك؛ سجلت لهم بمدارس السوريين الموجودة بمدينة “6 أكتوبر”، لكنه لا يكفي؛ لأنه من الضروري أن ينالوا شهادات تثبت تعليمهم.

 

مدارس خاصة بالسوريين

لأسباب عديدة؛ انتشرت مدارس خاصة بالسوريين في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، وأصبحت ملاذًا لأبناء جميع الوافدين سواء سوريين أو عراقيين، ولكل تلميذ حُرم من التعليم في المدارس المصرية، ويكون لها نظام خاص بها، وتواجه الكثير من العقبات.

 

تقول أم إياد وهي سورية مقيمة في مصر منذ ثلاث سنوات: إنها جاءت هي وأسرتها لمصر بعد احتدام الحرب في سوريا وهدم منزلهم؛ فتركت كل شيء، وفرَّت هي وأسرتها من الموت.

وتضيف: “وجدنا في مصر التي تعد وطنًا ثانيًا لنا، احتواء من المصريين، ولم نشعر بأننا أغراب وسَطهم، ولكن واجهتنا مشكلة التعليم لأبنائي في المدارس، رغم أن لدينا إقامة، ويحق لهم الالتحاق بالمدارس المصرية.”

 

وتتابع في حديثها لــ”شبكة زدني”: “وجدت أن المناهج مختلفة عما كان يدرسه أبنائي في سوريا، حيث تميل إلى الصعوبة، إضافة للتكدس الطلابي في الفصول، وهو ما جعلهم لا يستطيعون فهم المواد الدراسية؛ لذلك لجأنا للمدارس السورية التي فتحت مؤخرًا في مدينة 6 أكتوبر”.

 

وتقول (أم مازن): “تأكدنا أن المدرسة التي ألحقت فيها أبنائي مرخصة حكوميًّا، وتعمل في موعد المدارس المصرية وتدرس مناهجها، وفي الوقت ذاته فإن أبنائي في المدارس المصرية الأساسية، ويذهبون يومًا واحدًا في الأسبوع حتى لا يتم فصلهم، ويذهبون أيام امتحانات الفصلين الدراسيين الأول والثاني، لكنهم يدرسون في المدرسة السورية.”

 

وتتابع أم مازن: “إن أهم ما يميز هذه المدارس، أن طاقم العمل بالكامل من السوريين، وبعد إنهاء الطالب سنواته الدراسية بها؛ يحق له الالتحاق بالجامعات الحكومية كغيره من الطلاب المصريين، لكونه حاصلًا على الشهادة الثانوية المصرية من المدارس الحكومية؛ فالمدرسة السورية تعتبر مكانًا يعلم فقط، مشددة على ضرورة أن يختار الأهلُ المدرسةَ السورية بعناية شديدة؛ لأن هناك بعض المدارس أثير حولها كلام سيء بعد حادثة اغتصاب طالب سوري فيها.”

تكاليف باهظة

“كانت حياة الطلبة اليمنيين في مصر من أفضل الحياة المعيشية مقارنة مع طلبة وافدين كثيرين يتعلمون في مصر، إلى أن حلت الحرب في اليمن، تحولت حياة الطالب اليمني إلى جحيم وصلت حد التوقف عن التعليم، بسبب تحمل أعباء أسرهم، وتحولوا من طلبة علم إلى لاجئين باحثين عن رزق لهم ولأسرهم اللذين جاءوا لمصر.”

كان هذا حديث (سعيد أحمد) لاجئ يمني، وأب لثلاثة أبناء كانوا يدرسون في جامعات مصر؛ إلى أن جاءت الحرب ودُمِّرَ منزله؛ فاضطر للسفر إلى مصر عند أبنائه في ٢٠١٥ الماضي.

ويتابع الرجل الخمسيني لــ”شبكة زدني”: “كنت أرسل لأبنائي مصاريفهم الدراسية، لكن الآن بعد أن فقدت عملي ومالي وتركت بلادي وجئت إليهم، أصبح مصيرهم مجهولا، حيث تحولوا من التعليم للعمل؛ حتى يستطيعوا استكمال مصاريفهم الدراسية، أو حرمانهم من التعليم.”

ويقول: “أصبحنا لاجئين قسرا، كم كنت أتمنى أن يكمل أبنائي تعليمهم الجامعي، أرى الحزن في أعينهم ولا أستطيع فعل شيء من أجلهم، مطالبا السفارة اليمنية أو المفوضية بالتدخل ودفع مصاريف أبنائهم الدراسية فقط، وهو يسعى للبحث عن عمل لمشاركتهم في مصاريف الحياة المكلفة في مصر.

تمييز عنصري

أغلب مشاكل التمييز العنصري واجهت اللاجئين العرب ذوي البشرة السمراء كالسودانيين والصوماليين، كما تقول (سعاد أحمد) وهي لاجئة سودانية في مصر منذ سنوات، عما يعانيه أطفالها في المدارس الحكومية المصرية من تمييز عنصري.

وتضيف في حوارها لــ”شبكة زدني”: “فوجئت بأن الأطفال يضربون ابني في المرحلة الابتدائية ويقولون له: يا سوداني ويسبونه، ووجدت ابني يبكي، وعندما اشتكيت لإدارة المدرسة لم أجد أي تعاون منهم لحل هذه المشكلة.”
وتتابع: “لم يكن بوسعي سوى نقل طفلي من هذه المدرسة لمدرسة أخرى بعد سوء نفسيته، ورفضه الذهاب للمدرسة، أو الخروج من البيت خوفا ممن حوله، مشيرة إلى أن هناك لاجئين صوماليين أخرجوا بناتهم من المدرسة تمامًا؛ بسبب سوء حالتهم النفسية مما يلاقونه من سب، وتمييز عنصري، وتحرش جنسي، ونعتهم بألفاظ مهينة.

 

مصر الأفضل

تقول سمر المنياوي وهي صاحبة جمعية خاصة لرعاية اللاجئين: “عندما نقارن أوضاع اللاجئين النازحين من بلادهم بسبب الحروب لدول أخرى، نجد أن اللاجئين الذين جاءوا لمصر هم الأفضل حالا من غيرهم على مستوى المنطقة العربية”.

 

وتضيف: “إن أغلب الأُسَر السورية أخذت الإقامة بسبب التحاق أبنائها في المدارس، وهذه تعتبر ميزة لهم” مشيرة إلى أن مصر بها قرابة 200 ألف سوري يعيشون في مصر، وغير مسجلين لدى المفوضية السامية لدى شؤون اللاجئين، لذلك لا يمكن تحديد عدد الطلاب اللذين لا يستفيدون بمنح المفوضية الدراسية.

 

وفي تصريحات سابقة؛ قالت مدير إدارة الطلاب الوافدين بوزارة التربية والتعليم المصرية إيناس رجب: “إن الوزارة تسعى إلى تطبيق الجودة الفكرية، والحفاظ على جودة أنظمة التعليم في أوقات الأزمات، حيث قامت الوزارة بالاستجابة السريعة، منذ بداية الأزمة السورية”.

 

وأضافت: “أصدرت الوزارة قرارًا بمعاملة الطالب السوري معاملة الطالب المصري، فأصبح من حق الطالب السوري الالتحاق بالمدارس الحكومية، مع إعفائه من التكاليف المقررة على أي طالب وافد “.

وأشارت إلى أن الوزارة تقدم الخِدْمات التعليمية للطلبة السوريين، وكل أنواع التعليم مفتوحة أمامهم، ولهم حرية الاختيار طبقًا لقدراتهم الخاصة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، عن طريق المعلم والأخصائي النفسي.

 

ولفتت إيناس رجب إلى أن الإحصاء التقريبي للطلبة السوريين بالمدارس الحكومية بلغ 39314 طالبًا، وإجمالي تكلفة تعليمهم 166,923,198 جنيها، وعن الطلبة الليبيين قالت: إن الوزارة أصدرت تعليمات بأن أي طالب ليبي يلتحق بالمدارس المصرية من دون مصروفات، ويلتحق من يستطيع منهم بالمدارس الخاصة، لافتة إلى أن هناك 6 مدارس للجاليات الليبية، في مختلف محافظات مصر؛ تدرس المناهج الليبية.

دمج الوافدين مع المواطنين

 

وعن أوضاع أبناء اللاجئين في مصر من ناحية التعليم، تقول أسماء محمد مستشارة تربوية: “تختلف أوضاع اللاجئين العرب في مصر من جنسية لأخرى، لكن أفضلهم حاليًا الطالب السوري، حيث استقبلت المدارس المصرية الطلاب السوريين من 2012 الماضي من خلال دمج الطلاب السوريين مع المصريين.”

 

وتضيف لــ”شبكة زدني”: “لكل نظام إيجابياته وسلبياته، فعلى الرغم من الإيجابيات الكثيرة لهذه الفكرة، إلا إنها واجهت سلبيات محدودة، مثل: عدم تقبل بعض الطلاب المصريين للطلاب السوريين أو العكس، وحدوث مشاجرات بينهم، ولكن يتم احتواء الموقف سريعًا.”

 

وتؤكد المستشارة التربوية على ضرورة التوعية المدرسية للطلاب المصريين والسوريين؛ من خلال أنشطة مجتمعية وترفيهية، بحيث لا يشعر الطلاب السوريون بأي فارق، أو أنهم أغراب ونازحون.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك