مؤسسات إعلامية فلسطينية تجعل من التدريب ودعوات اكتساب الخبرة شعارًا لاستغلال الخريجين الجدد

29 ديسمبر , 2017

لا تزالُ الصحفية “شروق” من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، تتنقل منذ تخرجها عام 2012 حتى اليوم من مكتب صحفي إلى آخر ومن مؤسسة إعلامية إلى أخرى، علها تجد ضالتها في وظيفة دائمة، ويستقر بها المطاف في عمل يُلبي طموحاتها المهنية ويعود عليها بمردود مادي جيد.

“شروق” واحدة من بين مئات -وربما آلاف- الخريجين الذين تدفعهم كلَّ عامٍ أرحام كليات الإعلام في الجامعات والمعاهد الفلسطينية، إلى أسواق العمل التي تعاني من نَدرة في الوظائف وفائض في أعداد الخريجين، هذه الصحفية وجدت نفسها داخل “دوامة” ما يُسمَّى التدريب في المؤسسات الإعلامية، علَّها تكون الخطوة الأخيرة قبل ثباتها في وظيفة رسمية.

 

تُحدثنا “شروق” عن تجربتها التي وصفتها بالمريرة، فتقول: “منذ خمس سنوات حتى اليوم وأنا أعمل تحت شعار التدريب والتطوع من دون أجر أو بأجر بسيط في أحسن الأحوال، عملتُ في عدد من المؤسسات الإعلامية في نابلس، من بينها مكتب صحيفة يومية ووكالة أنباء محلية، كل الذين عملت عندهم استغلوا حاجتي في البحث عن وظيفة واستمروا في المماطلة ورفضوا توظيفي تحت ذرائع مختلفة، كانوا دائمًا يرددون “دعينا نرى أداءك وبعدها نقرر”.

 

وتتابع: “كنت بين خيارين إما الاستمرار في هذا الوضع البائس أو الجلوس في البيت، الخيار الثاني كان مستبعدًا؛ لأن الانقطاع عن العمل الصحفي يُفقدني الكثير من الخبرة، فالصحافة كأي مهنة تتطور بالممارسة، وتتراجع إذا تُركت”.

 

إطالة مقصودة وأهداف خفية

وحول توجهها لأي جهة نقابية لإنصافها ومتابعة شكواها، أفادت شروق:” لم أتوجه إلى أي جهة لوقف هذا الاستغلال.. لا فائدة من ذلك.. كثيرون غيري طرقوا باب وزارتَي الإعلام والعمل ونقابة الصحفيين من دون جدوى”.

 

ونفت “الصحفية” لمراسل “شبكة زدني” توقيعها على “عقد تدريب” مع أصحاب هذه المؤسسات، مشيرة إلى أن الأمر كله كان يتم بشكل شفهي.

 

وتزعم “شروق” أن بعض الصحفيين القدامى يخشون من الصحفيين الجدد، خاصة إذا أظهروا مهارات إعلامية عالية، خوفًا من مزاحمتهم في العمل مستقبلًا وسرقة الأضواء منهم؛ فيعملون على تكريه الصحفيين الجدد بهذه المهنة وإبعادهم عنها، من خلال المماطلة في توظيفهم وإطالة مدة تدريبهم.

 

فعل مخالف للقانون

أكد رئيس لجنة التدريب والتطوير في نقابة الصحفيين الفلسطينيين منتصر حمدان من جانبه على أن استغلال أصحاب المؤسسات الصحفية لحاجة خريجي الإعلام خلال فترة التدريب من أجل رفع كفاءتهم وانخراطهم في سوق العمل، أصبحت ظاهرة مقلقة لا يمكن نفيها أو التستر عليها.

 

ويشير حمدان إلى أن أصحاب هذه المؤسسات بهذه التصرفات يخالفون قانون العمل الفلسطيني، الذي يحدد فترة التدريب بثلاثة شهور فقط يمكن تمديدها ثلاثة أخرى، لافتًا إلى أن القانون ينص أيضًا على أنه في حال ظل المتدرب في مكان عمله، ولم يبلغ بالاستغناء عن خدماته يصبح موظفًا رسميًّا له كامل الحقوق.

 

ويكمل حديثه لـ”شبكة زدني”: “المشكلة أن أصحاب هذا المؤسسات يستغلون كثرة الخريجين ويستغلون أيضًا هذه الثغرة القانونية، ويحاولون قدر الإمكان الاستفادة من المتدرب على مدار ستة أشهر؛ حيث يوهمونه ويأملونه كثيرًا بالوظيفة بعد انتهاء التدريب، فيبذل الخريج كامل وسعه ويعمل بطاقة عالية، ومن ثم يُنهون عمله، متذرعين بأي حجة كانت”.

 

ويلفت حمدان إلى أن الفتيات هن أكثر تضررًا من الشبان جراء هذه السياسية المجحفة.

 

وأردف قائلًا: “هذا الأمر أُثير مرارًا داخل نقابة الصحفيين، وعقدنا ورشات عمل مع وزارتَي الإعلام والعمل، وهناك إجماع على ضرورة إنهاء هذه الظاهرة عبر جملة من التوصيات والإجراءات (…) نحن بصدد بلورة خطة لمنع استغلال الخريجين وإلزام هذه المؤسسات بصرف مبلغ مالي مقطوع للمتدربين”.

 

وينبه عضو نقابة الصحفيين إلى أن أحد أسباب هذه المشكلة مرتبط بعدم وجود قانون يُنظم عمل الصحافة، ويحمي حقوق العاملين فيها، ويمنع استغلالهم؛ فالصحافة في فلسطين حسب حمدان

“لا ينظر إليها على أنها مهنة، فهي مفتوحة أمام الجميع، وبإمكان أي شخص بصرف النظر عن مؤهلاته ممارستها، وهذا ما يشجع بعض المؤسسات على استغلال الخريجين الجدد والصحفيين بشكل عام”.

 

اعرف حقوفك أولًا

كما أوضح وكيل وزارة الإعلام الفلسطينية د. محمود خليفة أن الإجراءات التي يمكن أخذها بحق المؤسسات التي تستغل الخريجين الجدد لا تصل إلى حد الإغلاق وسحب التراخيص أو منع تجديدها، وتكتفي الوزارة عادة بتوجيه إنذار بحقها.

 

وتابع: “على كل خريج يبدأ التدريب في أي مؤسسة إعلامية سواء كانت مسموعة أو مرئية أو مقروءة، محلية أو عربية أو أجنبية، أن يوقع على اتفاقية تدريب ولا يكتفي بالكلام الشفهي أو ورقة خارجية ويحتفظ بنسخة منها حتى يضمن حقه”.

 

وبحسب خليفة فإن بعض المتدربين يتوجهون للوزارة أو النقابة لتقديم شكوى ضد المؤسسة التي تدربوها بها، ولكن لا يملكون أي ورقة تثبت ذلك، وهذا يدلل على أن المتدربين أنفسهم لا يعرفون حقوقهم.

 

ويذكر خليفة أن التدريب الذي نتحدث عنه في هذا السياق، هو الذي يكون بعد تخرج الطالب وإنهاء كافة مساقاته التعليمية، ويكون بِنِيَّة التوظيف لاحقًا، وليس خلال فترة الدراسة حينما يكون بتوجيه من المدرسين، وهذا النوع لا يترتب عليه أية حقوق.

 

ويبيِّن وكيل وزارة الإعلام لشبكة زدني أن مقاومة هذا الاستغلال يقع على عاتق نقابة الصحفيين أولًا ثم المؤسسات الإعلامية ثم الدولة والحكومة، وقبل هذا الصحفي نفسه عليه ألا يسكت تجاه الممارسات التي تهضم حقوقه.

 

غياب المرجعية

وتشير ورقة بحثية بعنوان: “تنظيم قطاع التدريب الإعلامي في فلسطين”، أعدها مركز تطوير الإعلام التابع لجامعة بيرزيت في رام الله وسط الضفة الغربية، تشير إلى عدم وجود جهة محددة تشرف على تدريب الصحفيين سواء الجدد والقدامى، إضافة لغياب القوانين واللوائح الداخلية التي تنظم عمل قطاع التدريب.

 

وتلفِتُ الورقةُ إلى أن ما هو متوفر من نصوص تُعتبر فضفاضة وغير متخصصة؛ حيث ينص القانون الفلسطيني الأساس على أن “تأسيس الصحف ووسائل الإعلام حق للجميع” من دون ذكر أي تفصيلات أخرى تنظم هذه العملية وتفرعاتها.

 

وتذكر الورقة أن ممثلي المؤسسات الإعلامية أظهروا تباينًا واختلافًا بينهم من حيث نوعية ترخيص مؤسساتهم؛ فبعضها يتبع وزارة الإعلام وبعضها وزارة الثقافة وبعضها مرخص تحت عنوان مركز أبحاث ودراسات، وهذا انعكس على المرجعية القانونية والعلاقة مع الجهات الرسمية ذات الاختصاص، وأدى لتشتت طرق الإشراف والرقابة عليها.

 

وتسرد الورقة: “نقطة أخرى يجب أن نأخذها بعين الاعتبار، وهي أن ما يجري أحيانًا ليس تدريبًا بمعنى متابعة الصحفي الجديد ومحاولة صقل خبرته وتأهيله، والتركيز على الجانب النظري البعيد عن الجانب الأكاديمي الذي درسه في الجامعة، ومتابعة مواده التي يُعدها سواء كانت مقروءة أو مرئية أو مسموعة؛ وإنما يكون هدف المتدرب محصورًا في إضاعة الوقت أو عدم الجلوس في المنزل، وفي حالات يطلب صاحب المؤسسة من المتدرب إعداد القهوة والشاي أو تنظيف المكتب، أي أنه تدريب من الناحية النظرية فقط”.

 

وتكمل: “لذلك ليس من الصواب أن نطلق وصف التدريب على كل من تواجد داخل مؤسسة إعلامية خلال فترة زمنية سواء كانت طويلة أو قصيرة، ولا بد من ابتداع طرق تُظهر وتقيس مدى استفادة المتدرب وتطور مستواه العملي”.

 

استغلال.. ولكن..

قلَّل الباحث الإعلامي د.محمود فطافطة، من قضية استغلال بعض المؤسسات الإعلامية للخريجين الجدد، مؤكدًا أن الخريج عمومًا ليس لديه الخبرة الكافية أو المتميزة التي ستساهم في تطوير المؤسسة التي يتدرب بها.

 

لافتًا إلى أن بعض المؤسسات تُوكل للخريجين تنفيذ بعض المهام الثانوية كجمع المعلومات أو القيام ببعض المقابلات البسيطة أو كتابة بعض النصوص المحددة أو أرشفة بعض الأوراق، وغيرها من الأعمال التي لا يمكن القول إنها محورية ورئيسة في عمل المؤسسة الإعلامية.

 

ويؤكد فطافطة لـ”شبكة زدني” على أن درجة استفادة الخريج من المؤسسة التي يتدرب بها هو أمر نسبي لا يمكن قياسه، وهو يختلف من مؤسسة إلى أخرى ومن خريج لآخر أيضًا، متابعًا: “إذا كانت هذه المؤسسة كبيرة ونشطة ومنتجة فإن الخريج سيستفيد منها بالطبع، خاصة إذا كانت لديه الإرادة القوية والقدرة على التحمل في التعلم والتجربة والاستمرارية”.

 

ولمقاومة استغلال المؤسسات الإعلامية للخريجين الجدد، وبصرف النظر عن حجم هذه المسألة، يشدِّد فطافطة على أن ذلك يتطلب رقابة دائمة وفاعلة من نقابة الصحافيين، مع تدخل جاد وناجع لرفع الاستغلال عن الخريج.

 

ويطالب فطافطة المؤسسات الإعلامية، خاصة الكبيرة منها والتي لديها المقدرة على استيعاب الخريجين وتدريبهم، يطالبهم بوضع مدونة سلوك أخلاقية أو نظام داخلي لضبط العلاقة مع المتدربين، مع إشراك المؤسسات الممولة للمؤسسة الإعلامية في هذا الأمر، حتى لا تتجرأ بالخروج عن القيم والأخلاق المهنية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك