مدارس الجزائر تتسبب في عُقَدٍ نفسية لأكثرَ من مليون تلميذ

29 مارس , 2018

بصعوبة كبيرة عادت “إنياس” إلى قسمها بعدما انتقلت للسنة الثانية ثانوي بمقاطعة تيزي وزو الواقعة وسط العاصمة، بعد صدمة نفسية كبيرة تلقتها من إدارة ثانويتها، بسبب إقدام مجلس الأساتذة في نهاية الموسم الدراسي الماضي 2016/2017 على إخطار والدها بتوجيه دعوة له بالحضور إلى الثانوية من أجل كشف نقاط الفصل الثالث، “بأن ابنته التي كانت من الأوائل أضحت ضمن التلاميذ الكسالى حيث لم يتجاوز معدلها 11 من 20، وسبب ذلك هو جلوسها الدائم مع زميل لها حيث تربطهما علاقة حب”، ولم يكتفِ مجلس الأساتذة بهذا -على حد ما رَوَتْهُ لنا- بل وصل إلى غاية قيام أحد الأساتذة بالبكاء أمام والدها، متأسفًا للحالة التي وصلت إليها تلميذته “إنياس”، إضافة إلى ذلك وجهت مستشارة التوجيه في المؤسسة له شكوى أخرى ضدها”.

 

وقالت”إنياس”: “كنت أميل إليه؛ ولكن لما لاحظته يتقرب من صديقتي ابتعدت عنه، وبقينا أصدقاء فقط، لكن مجلس الأساتذة ساهم في تهويل القضية مع أبي، الذي ضربني وحرمني من هاتفي النقال طيلة موسم الصيف، وهو ما يجعلني أكره المدرسة بعدما كنت أعشقها، لأن أساتذتي ظلموني، ولا أريد رؤيتهم”.

 

وبالصعوبة نفسها ينتقل يوميًا التلميذ ذو الست سنوات إلى مدرسته المسماة “حداد عقيلة” الكائنة مقرها بالشارع الرئيس العربي بن مهيدي بمحافظة قسنطينة الواقعة بالشرق الجزائري، بسبب كرهه المدرسة منذ ثاني يوم من دخوله إلى قسمه في 7 أيلول 2017، ووفق ما روته والدته لفريق “زدني”، موضحة:

“في هذا اليوم اصطحبت ابني الذي يدرس في قسم السنة الأولى ابتدائي إلى مدرسته من أجل مطالبة معلمته أن تجلسه في الطاولة الأمامية وفق رغبة ابني الذي يدخل لأول مرة لمقاعد الدراسة، لكن الأمور جرت عكس ما أردته؛ حيث إن مديرة المدرسة قامت بضرب التلميذ ذي ست سنوات من قسم السنة الأولى، ضربًا مبرِّحًا مخلفة له كدمات على وجهه، على خفية رأيته يبكى خوفًا من دخول القسم، وصحب الضرب سب وشتم وصراخ في وسط ساحة المدرسة أمام التلاميذ، والمقصود من ذلك ترهيب التلاميذ كلهم، رافق عملية ضرب الطفل، إعطاء أوامر للحارس لإخراجي”.

تقول أم التلميذ التي أغلق الباب في وجهها وقلبها يحترق لسماع صراخ ابنها وهو يقول: “ماما لا تذهبي لا تتركيها تضربني”؛ وفق ما روته لنا، مشيرة أن ابنها منذ ذلك اليوم وهي في صراع معه حيث يأبى الذهاب إلى مدرسته خوفًا من المديرة، التي حولت حياة طفلها إلى كابوس، بعد أن أرفقت فعلتها بإذلال الطفل بإجلاسه في آخر القسم طول مدة الحصة في الفترة الصباحية حيث جعلته أضحوكة لزملائه.

 

اتَّهَمَ مفتش في البيداغوجيا في التعليم الابتدائي لمحافظة معسكر والتي تعتبر من أهم المدن بالغرب الجزائري ومن أقدمها معرفة بالعمران البشري، “القوانين” الصادرة عن الوزارة وراء تزايد معدلات التعدي على الطلبة الدارسين، وترتب عليها آثار نفسية، وتسبب ذلك في كرههم المدرسة ومن فيها، حيث كلها تأمر التلميذ بالالتزام بكذا والعمل بكذا من دون مراعاة لحالة الطلبة الدارسين النفسية وشعورهم، وهي القوانين التي ترجع إلى عهد التسعينيات ولم يتم تحيينها.

 

وأوضح المفتش في تصريح لفريق “زدني” -رفض كشف اسمه-، أنه: “حتى القانون الذي يحكم الجماعة التربوية قديم وما زال يدرس في المعاهد، ويتحدث عن المدرسة الأساسية، ولا أحد كلف نفسه عناء تحيينه، ما جعل الأطفال والمراهقين -وفي كل موسم دراسي- ضحية تعاملات سيئة، حيث لا يتم التعامل مع هذه الحالات وتشخيصها وعلاجها؛ بل يتم تطبيق القانون إداريًّا، بينما يتم إهمال المعالجة البيداغوجية، ما يقابلها بالتأكيد عنف وعنف مضاد، وإهمال، تجاهل وتعنيف و توبيخ”.

 

وتأسَّف محدثنا من الطريقة السطحية التي أضحت فيها مؤسسات التربية الجزائرية تتعامل فيها مع التلاميذ خاصة “المراهقين” منهم، وذلك لغياب الاختصاصيين وعدم وجود تنسيق بين أطباء علم النفس من جهة والمؤسسات التربوية التي تسمح بحل المشكلات الاجتماعية لفئة الطلبة الدارسين، من أجل تهيئة هؤلاء نفسيًا لاستقبال موسم دراسي من دون أي عُقَد، ومن دون معوقات قد تؤثر على المسار التعليمي.

 

وفتحت قصة التلميذة “نريمان” التي كانت تدرس في الطور الثانوي بسيدي محمد بن عودة بمحافظة معسكر، والتي فُصِلَت لغياباتها المتكررة وانقطاعها بسبب وفاة والدتها، إشكالية تعسف قوانين ضبط المدارس، فرغم محاولاتها المتكررة في العام الموالي للعودة لمقاعد الدراسة رفضت إدارة مؤسستها التعليمية رغم أنها من أنجب التلاميذ.

 

وانتقد مصدرنا ردة فعل إدارة ثانوية “نريمان” باعتبارها لم تراعِ الحالة النفسية لهذه التلميذ النجيبة، وطبقت قوانين جائرة في حقها، على غرار ما يطبق يوميًا على العشرات من التلاميذ بسبب المجالس التأديبية التي تتعامل مع التلاميذ المخطئين كأنهم “آلة” أو “جماد”، جراء عدم أداء مشرفي التربية والمستشارين دورهم اللازم في معالجة المشكلات الاجتماعية والأمراض بسبب نقص التكوين.

 

وقال: “حتى التكوين الذي يستفيد منه هؤلاء يجعلهم غير قادرين على مواجهة مشكلات وصعوبات لدى التلاميذ ومعالجتها، ويبقى الحل السهل هو مجالس التأديب، ثم التحويل إلى مؤسسة أخرى، أو الطرد إن كان التلميذ قد تجاوز 17 سنة”.

 

وأشار محدثنا أنه بالرغم من أن هناك تعليمات صارمة للحد من التسرب المدرسي، إلا أن هناك حالات تم طردها عقوبة، رغم أن تلك الحالات بإمكانها النجاح لو تم التعامل معها باحترافية، مشيرًا أن من بين ضحايا المجالس التأديبية تلميذ يحوز على معدل 9.99 من عشرين، إلا أنه حرم من إعادة السنة، وتم توجيهه إلى الحياة المهنية بحجة أنه تجاوز السن القانوني، وهذا بعد عقد مجالس الأقسام.

 

ووفق ذات المصدر فإن المدارس الجزائرية عرفت في الآونة الأخيرة تضاعف حالات التعسف ضد الطلبة الدارسين، ومست حتى مرضى التوحد، والتي باتت تنتشر بكثرة في تلاميذ الابتدائية من دون أدنى اهتمام، ما جعل حالاتهم تتفاقم بسبب غياب مختصين يراعون الحالات النفسية لهم، خاصة عندما يصير الطفل عنيفًا، ويصعب التنبؤ بتصرفاته أو ضبطها، مع أن الأساتذة يشتكون من تلك الحالات، ويطالبون بالتكفل بها في المدارس المتخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، مع العلم أن هؤلاء ليسوا معوقين أو متأخرين، بل يفتقدون السلوك الاجتماعي السوي، وهم على قدر كبير من الذكاء -بحسب المتحدث- الذي تأسف من إهمالهم بحجة عدم قدرة المدرسة على التكفل بتعليمهم، والأدهى من ذلك أن يتعرضوا لضرب عنيف وممارسات غير مدروسة؛ بسبب عدم معرفة كيفية التصرف معهم، ما يزيد في خلق أزمات نفسية.

 

وأكد أن حالات العنف القاسية على التلاميذ في تزايد، رغم توجيه تعليمات من قبل وزارة التربية الوطنية، وتوعية للأساتذة، ولكن العنف ما زال موجودًا في المدارس بكل أنواعه، وهذا نتيجة لطبيعة التوظيف وشروطه أولًا، ونتيجة لضعف التكوين ثانيًا

.

قوانين تمنع الطرد التعسفي ولكن..؟

وشرح مدير مؤسسة تربوية بالطور الابتدائي بمحافظة تمنراست الواقعة بالجنوب الجزائري العابد الكانتي، الإجراءات التي يجب اتباعها عندما يخطئ التلميذ وقال لـ”فريق زدني”:

“إنه تعالج الحالات وضعية بوضعية، لكن الإجراءات تقريبًا نفسها، وأولها: يجب تثبيت الحادثة من خلال تقرير الأستاذ أو مشرف التربية، وإذا كان الأمر يتعلق بتناول سجائر أو مواد محظورة أو حيازة أسلحة أو أدوات حادة أو هاتف نقال …. الخ؛ فإنه يجب حجزها ومصادرتها وإرفاقها بالتقرير الذي يرسل للمدير أو المستشار إذا كان الأمر ليس خطيرًا، أما الخطوة الثانية: استدعاء ولي أمر التلميذ وإبلاغه بالوقائع، وثالثًا: اتخاذ العقوبات اللازمة حسب القانون، من الإنذار إلى التوبيخ الكتابي، أو الإحالة على مجلس التأديب، أو الإحالة على لجنة الإرشاد والمتابعة”.

 

وقال محدثنا: “هناك حالات تستدعي التحويل لمجلس التأديب، وعلى سبيل المثال في إحدى متوسطات تمنراست تم ضبط تلميذ ومعه “ولاعة” قام بها بحرق جزء من جدار القسم، كما اعتدى على زميله، واستلزم الأمر إحالته على مجلس التأديب، وتمت معاقبته بطرد من المدرسة لمدة أسبوع، وهي عقوبة من الدرجة الثالثة”.

 

كما أن تلميذًا آخر وجد عنده سجائر، فتم استدعاء ولي أمره، وتوجيه توبيخ كتابي أُرسِلَ لولي أمره، فيما بقيت نسخة منه في ملف التلميذ، يضيف مصدرنا الذي اعتبر أن بعض التصرفات يجب الحزم معها لمنع تكرارها، على غرار قضية تلميذة وجهت رسالة فيها عبارات حب وغرام لزميلها، فضبطتها الأستاذة في القسم، فتم توجيه إنذار كتابي لها ولوليها.

 

غياب نظام يضبط سلوك التلاميذ فتح أبواب الاجتهاد

اعتبر الناشط التربوي “كمال نواري” ومدير مؤسسة تعليمية في تصريح لـ”فريق زدني”، أن “الشيء المفقود في المؤسسات التربوية بالجزائر، هو نظام موحد يضبط سلوك التلميذ داخل المؤسسة، ما عدا القرار الوزاري رقم 778 الذي يحدد نظام الجماعة التربوية، فيه فصل خاص بالتلاميذ، يمكن الاعتماد عليها لتنظيم القانون الداخلي للمؤسسة، ولكن للأسف بعض مديري المؤسسات يجتهدون لإصدار نظام خاص بهم و بأفكارهم، و بإيديولوجياتهم قد لا تتماشى في منطقة أخرى، و لا تتماشى مع النصوص المنظمة للتربية”.

 

وأشار أن “أغلب المؤسسات تكثر من الممنوعات، و لا أثر للإجازات والتحفيزات، وقد تشهد المؤسسة بعض السلوك العنيف من التلاميذ، والسبب يرجع إلى الفراغ القاتل داخل المؤسسة؛ بسبب انعدام تام للأنشطة الثقافية والرياضية، ولا توجد نوادٍ تعتني بإبراز المواهب كالرسم و الموسيقى مثلًا”.

 

 

وأرجع كمال نواري سبب تفشي ظاهرة التعسف ضد الطلبة الدارسين لغياب مستشاري التوجيه المدرسي في المؤسسات لمتابعة التلاميذ الذين يجدون صعوبة في الدراسة، أو ذوي السلوك العنيف، ما ساعد على انتشار العنف في المؤسسات أيضًا، علمًا أنه: “يتعين -بحسب قوله- على القائمين على المدرسة أن يتعلموا كيف نتعامل مع التلميذ الذي يخطئ، والمجلس التأديبي ليس حلًّا لعلاج هذه الحالات، إلا في حالة واحدة، هي تراكم الأخطاء، أو له سوابق كثيرة من تنبيهات وإنذارات وتوبيخات”.

 

كما اعتبر أن عددًا كبيرًا من الأساتذة خاصة الذين تم توظيفهم من الجامعات مباشرة من دون تكوين في ميدان التربية العامة، وخاصة علم نفس الطفل، وعلم النفس الاجتماعي، تسبب في عُقَد نفسية لأكثر من 15% من تلاميذ الجزائر، أي ما يعادل مليونًا و350 ألف تلميذ جراء تعاملهم السيء مع الطلبة الدارسين، والتحويل العشوائي لمجالس التأديب، وهذا عكس الأساتذة الخريجين من المدارس العليا لأساتذة الدين، يتحكمون في عديد من مجالات التدريس؛ لذا فبحسب قوله: “عدد كبير يكرهون المدرس، أو المدرسة كاملة، و أحيانًا يطلبون تغيير المؤسسة أو المعلم”.

 

عندما تتدخل قرارات سياسية لمنع طرد تلاميذ “فاشلين”

قال أبو العزيز زين -أستاذ التعليم التقني-: “إن القوانين المكتوبة بالجزائر أحسن من قوانين الدول الرائدة في المجال التربوي، ولكن لا يتم تطبيقها لعدة أسباب؛ منها: نقص التأطير وعدم تكوين المؤطرين تكوينًا يتماشى ومهامهم، وضعف المؤسسة التكوينية في تطبيق القانون (تدخل الجانب السياسي في تسيير المؤسسة التربوية)، مثل: السماح لكل التلاميذ المطرودين -مهما كان السبب- من إعادة السنة، مع العلم أن الذين تم فصلهم عن الدراسة هم التلاميذ الذين لا تتوفر فيهم شروط الإعادة، ومنهم التلاميذ الذين قاطعوا الدراسة السنة الماضية، أو تغيبوا عن إجراء الامتحانات الرسمية، “فلا يمكن الحكم عن القانون مادامت القرارات السياسية تتدخل في شؤون تسيير المؤسسة التربوية” -يضيف المتحدث- الذي تساءل كيف يتم ضمان المواظبة مادامت أطراف تدوس على القوانين، هذا فيما تبقى القوانين الداخلية للمؤسسة تعاني نقصًا كبيرًا من ناحية الصياغة والتطبيق.

 

وسرد مدير مدرسة ابتدائية بمحافظة اليزي الواقعة بجنوب الجزائر، كيف فشل في طرد تلميذ مشاغب من مؤسسته التعليمية بسبب القانون، موضحًا لنا أن التلميذ في الطور الابتدائي باسم القانون له الحق في الإعادة وعمره قارب 16 عشرة سنة، رغم أن له أخطارًا على سير العملية التعليمة؛ بسبب فارق السن بين تلاميذ القسم الواحد، مؤكدًا أن هذا التلميذ تسبب في التشويش على زملائه، وتسبب في ضياع الكثيرين، ومع ذلك لم يستطع فعل أي شيء بسبب البنود الصارمة للقانون الجزائري، الذي يمنع طرد أي تلميذ لم يتجاوز سن 16 من التعليم.

 

ورغم صرامة هذا القانون؛ إلا أن مدير مدرسة “الطاهير” بمحافظة جيجيل الواقعة بالشرق الجزائري، تمكن من إيجاد حل للتعامل مع التلاميذ، الذي يشكلون خطرًا على النظام العام للمؤسسة، بعد سرده لنا كيفية تخلصه من تلميذ من مواليد 2000، ويدرس سنة رابعة ابتدائي، قائلًا لـ”فريق زدني”: “تخلصت منه بشق الأنفس عن طريق قرار مجلس الأساتذة، وهذا لإنقاذ التلاميذ المتبقيين الذين كاد أن يجرهم التسرب المدرسي، في ظل استحالة تأديبه إما بالضرب، أو بمختلف الطرق الأخرى”.

 

عقوبات تنتظر الأساتذة في حالة تأديب أي تلميذ

وتأتي صعوبة تأديب التلاميذ المشاغبين؛ بسبب سَنِّ عقوبات صارمة تحافظ على حقوق التلاميذ، وفق ما أكده لنا أمير عبد الله لاطروش مدير مدرسة ابتدائية بمحافظة مستغانم الواقعة في الغرب الجزائري.

 

وأبرز هذه القوانين تلك التي تمنع ضرب التلاميذ، حيث تعد في نظر القانون الجزائري غير مشروعة، ولا تعتبر وسيلة تأديبية تحت أي ظرف، بل إن المشرع اعتبرها اعتداء، فما بالك إن كان المعتدَى عليه (أي التلميذ) قاصرًا، وتحت سلطة ومسؤولية المعتدي (وهو المدرس) فهنا تكون العقوبة مشددة .

 

وسلط لاطروش الضوء على القـرار رقم 778 مؤرخ في 26/10/1991 متعلق بنظام الجماعة التربوية في المؤسسات التربوية والتكوينية، حيث جاء في المادة 73 منه “يعد التأديب البدني أسلوبًا غير تربوي في تهذيب سلوك التلاميذ، وتعتبر الأضرار الناجمة عنه خطأً شخصيًا يعرض الموظف الفاعل إلى تبعات المسؤولية الإدارية والجزائية، التي لا يمكن للمؤسسة أن تحل محل الموظف في تحملها”.

 

وأكد: “أن القانون اعتبر أن الأضرار الناتجة عن ضرب التلاميذ مهما كانت الأسباب خطأً شخصيًّا يتحمل مسؤوليته الموظف الفاعل، ولا تتحمل الإدارة مسؤولية فعلته، ولا تدافع عنه أمام المحاكم بصفته موظفًا عموميًّا. كما أن الإدارة تقوم بمتابعة الموظف المخطئ إداريًّا عن طريق مجلس التأديب لمعاقبته، وقد ينتهي به الأمر إلى الفصل والطرد”.

 

وجاء هذا القانون صريحًا واضحًا -بحسب المتحدث- حيث منع منعًا باتًا استخدام الضرب وسيلة تربوية لمعاقبة التلاميذ، كما زاد على ذلك، منع حتى العنف اللفظي والإساءة داخل المؤسسات المدرسية، كالسب والشتم والإهانات والتهديد والوعيد، وهدد بالمتابعة الإدارية وفرض العقوبات، كما أن هناك الكثير من المناشير والمراسلات التي تدعوا لتجنب استخدام الضرب وسيلة تربوية، أو تحث على محاربة العنف داخل المؤسسات التربوية، ومنها: المنشور رقم 96، مؤرخ في 10 مارس 2009 محاربة العنف في الوسط المدرسي.

 

 

يشدد القانون الجزائري أن ضرب التلاميذ من الناحية القانونية يعتبر اعتداء على قاصر، خاصة إذا كان التلميذ المعتدَى عليه لم يبلغ 16 سنة من العمر، فالمشرع الجزائري اعتبر الضرب والجرح إذا تعلق الأمر بصفة المجني عليه كونه أقل من 16 سنة (تلميذًا في التعليم المتوسط مثلًا)؛ جريمة أو جنحة بحسب الحالات، كما ورد في المادة 269 من قانون العقوبات الجزائري:

فحسب ما ينتج عن عملية الاعتداء بالضرب والجرح من مرض، أو عدم القدرة على الحركة، أو عجز كلي عن العمل لأكثر من 15 يومًا، أو وجد سبق الإصرار، أو ترصد، أو فقد أحد الأعضاء أو بترها، أو الحرمان من استعماله، أو فقد البصر، أو فقد إبصار إحدى العينين، أو أية عاهة مستديمة أخرى، نتوج عن ذلك وفاة بدون قصد إحداثها أو بالقصد، أو تكون من قبل أحد الأصوليين الشرعيين، أو أي شخص آخر له سلطة على الطفل، أو يتولى رعايته؛ تكون العقوبة جناية أو جنحة.

ووفق ذات المصدر فإذا لم ينتج عن الضرب والجرح عجز كلي لمدة تفوق 15 يومًا؛ تعتبر مخالفة من حيث المبدأ (المادة 442/1) وعقوبتها الحبس من 10 أيام إلى شهرين، وغرامة من 100 إلى 1000 د.ج، أو إحدى هاتين العقوبتين. أما إذا تعلق الأمر بقاصر لا يتجاوز 16 سنة (المادة 269)، فتشدد العقوبة من سنة إلى 5 سنوات، والغرامة من 500 إلى 5000 د.ج.

أما إذا نتج عن الضرب والجرح مرض أو عجز كلي لمدة تفوق 15 يومًا؛ فهي جنحة من حيث المبدأ، (المادة 264/1) و عقوبتها الحبس من شهرين إلى خمس سنوات و غرامة من 500 إلى 10000 د.ج. وتكون جنحة مشددة إذا تعلق الأمر بقاصر (الضحية) لم يتجاوز 16 سنة (المادة 270/1)، وعقوبتها الحبس من 3 إلى 10 سنوات، وغرامة من 500 إلى 6000 د.ج . وتكون جناية إذا كان الضحية قاصرًا أقل من 16 سنة والجاني أحد الأصول أو ممن له سلطة عليها أو يتولون رعايتها (المادة 272/2)، وعقوبتها السجن من 5 إلى 10 سنوات .

وإذا نتج عن الضرب والجرح عاهة مستديمة من حيث المبدأ فهي جناية (المادة 264/3)، وعقوبتها السجن من 5 إلى 10 سنوات. وهي جناية مشددة إذا تعلق الأمر بقاصر (الضحية) لم يتجاوز 16 سنة (المادة 271/1)، وعقوبتها السجن من 10 إلى 20 سنة. وإذا كان الضحية قاصرًا لم يتجاوز 16 سنة، والجاني من الأصول، أو ممن لهم سلطة على الضحية، أو يتولى رعايتها (للمادة 272/3)، و عقوبتها السجن المؤبد.

المؤبد لكل من يتسبب في وفاة تلميذ بعد ضربه

وإذا نتج عن الضرب والجروح وفاة من دون قصد إحداثها، من حيث المبدأ هي جناية (المادة 264/4)، و عقوبتها السجن من 10 إلى 20 سنة. وتعتبر جناية مشددة إذا كانت الضحية قاصرًا لم يتجاوز 16 سنة مع ظرف الاعتياد (المادة 271/3)، وعقوبتها السجن المؤبد. إذا كانت الضحية قاصرًا لم يتجاوز 16 سنة، والجاني من الأصول، أو ممن لهم سلطة عليها، أو يتولى رعايتها (المادة 272/4)، وعقوبتها الإعدام.

 

ورغم صرامة مختلف هذه القوانين التي تضمن حقوق الطلبة الدارسين الجزائريين، وتمنع التعدي عليهم جسديًّا؛ إلا أن هناك أساليب أخرى تضع حدًّا لبعض تجاوزات التلاميذ من أجل حفظ النظام داخل الحرم المدرسي، ومنع تصرفات بعض المراهقين التي تصل إلى غاية الإجرام والتعدي والضرب والقتل، في ظل بروز ظواهر التدخين وتعاطي المخدرات.

 

أبرز مسؤول بوزارة التربية الوطنية في تصريح لفريق “زدني”: كيف يؤدي كل سلوك يعرقل الأنشطة المدرسية، ويخل بقواعد النظام والانضباط داخل المؤسسة، إلى عقوبات وتقديم التلميذ المخالف إلى مجلس التأديب، مشيرًا إلى أن الوزارة الوصية كما وضعت بنودًا وقوانين تحمي حقوق الطلبة الدارسين؛ إلا أنه يوجد قوانين أخرى تكون ضد من لا يحترمون مؤسستهم؛ باعتبار المدرسة ملكية عمومية، والمحافظة عليها غاية تربوية وسلوك مدني، ويتوجب عليهم العناية بها ويشاركون في تجميلها وصيانتها.

ومن أبرز هذه البنود؛ هو ما يترتب على كل إتلاف للمحلات والتجهيزات تعويض مادي، أو مالي يتحمله التلاميذ وأولياؤهم، وتُعَرِّض الغيابات المتكررة غير المبررة التلميذَ المخالف إلى عقوبات قد تؤدي إلى الفصل النهائي، ويؤدي كل سلوك يعرقل الأنشطة المدرسية، ويخل بقواعد النظام والانضباط داخل المؤسسة إلى عقوبات، وتقديم التلميذ المخالف إلى مجلس التأديب.

 

كما يتعرض التلاميذ في حالة الغياب غير المبرر عن المرقد أو المطعم أو قاعة المذاكرة أو الإخلال بقواعد الحياة الجماعية إلى عقوبات، يمكن أن تؤدي إلى حرمانهم من النظام المستفاد منه، بعد مثولهم أمام مجلس التأديب.

بهذه الطريقة يتم التعامل مع متعاطي المخدرات والتلاميذ المدخنين

وإن كانت بعض الدول العربية تفصل أي تلميذ يضبط في حالة تدخين؛ فإن قوانين وزارة التربية الجزائرية الموزعة على المؤسسات التربوية تتعامل بلين أكثر، وهو ما استعرضه المساعد التربوي عمار بإحدى ثانويات الوسط الجزائري، لدى تطرقه إلى أساليب تعامل المدرسة مع تلميذ مدخن، بداية بتحسيس التلميذ باستياء الإدارة من تصرفه؛ لأن المدرسة لها حرمتها وقيمتها وقوانينها، ثم أهم مرحلة هي إرشاد التلميذ وتوعيته بمساوئ التدخين وأضراره المختلفة في جلسة إرشادية مع المساعدين التربويين، أو الناظر أو المدير؛ لأن دور التربية والتوعية يأتي في المقام الأول بالنسبة إلينا، ويمكن اتخاذ إجراءات إدارية أخرى كإخطار ولي التلميذ في كثير من الحالات، وأخذ تعهد من التلميذ بعدم تكرار فعله.

 

وقال محدثنا: “قد تضطر المدرسة إلى تسجيل إنذار في السلوك والفصل المؤقت أو الفصل النهائي في حالات نادرة إذا اقتضت الضرورة ومصلحة المدرسة، وهذا بعد المرور على مجلس التأديب”.

 

والتعامل اللين مع التلاميذ الجزائريين يطال حتى متعاطي المخدرات الذين يحولون إلى أروقة العدالة حيث على عكس القوانين الصارمة الصادرة بدولة تونس الشقيقة، والتي تقضي على مستقبل الشباب، الذين ما زالوا صغارًا في السن، ويحتاجون لرعاية وتوعية بزجهم في السجون، تحاول العدالة الجزائرية إبعادهم عن القرارات التي تهدم مستقبلهم الدراسي، خاصة مع اقتراب موعد الامتحانات الرسمية “شهادة البكالوريا”، حيث يزيد معدل تناول المنشطات بمختلف أنواعها للقضاء على الارتباك والضغط، ما يجعل القضاء يتسامح معهم، بعد الأمر بوضعهم تحت الرقابة القضائية خلال مراحل التحقيق وقبل الفصل في قضاياهم؛ لكونهم على علم بأنهم مقبلون على اجتياز شهادة البكالوريا، وخلال محاكمتهم يستفيدون من أحكام مخففة متمثلة في غرامات مالية أو عقوبات موقوفة النفاذ.

 

اعتراف وزاري بخطورة المساس بنفسية التلاميذ وتحرك لتدارك الوضع

اعترفت وزارة التربية بحجم خطورة التعامل غير السوي مع الطلبة الدارسين، وعمدت على اتخاذ إجراءات لرفض التعامل بلين مع تلاميذ المدارس بإجبار الأساتذة بتجنب تأنيب التلميذ بنبرة عدائية قاسية، أو بإسداء ملاحظات مخزية أو احتقارية داخل القسم، إلى جانب عدم الصراخ والتهديد ومضايقة التلاميذ أو إلزامهم بتقديم اعتذاراتهم.

 

ومنعت الوزارة في تعليمة وزارية أرسلتها إلى المدارس: “الصراخ في وجه التلميذ لكي لا يستشف عدوانية تنم عن ضعف تحكم الأستاذ في الوضعية، إلى جانب تجنب مضايقة التلميذ بالتأنيب المتكرر، مما قد يثير غيظه وامتعاض زملائه، وعدم إلزامه مرغمًا على تقديم اعتذاراته؛ لأن ذلك قد يضطره إلى الكذب أو النفاق، مع عدم توجيه ملاحظات ساخرة أو تهكمية تجعله مهزلة في أعين زملائه، كما تضمن الدليل عدم تسليط عقوبات جماعية باعتبارها تؤلب التلاميذ وتوحدهم ضد الأستاذ، وتتسبب في زرع مواقف فاسدة، فضلًا عن عدم مطالبة التلاميذ أعمالًا زائدة، وعدم ضربه فذلك ممنوع بموجب القانون، وعدم تسليط عقوبات بالتمارين البدنية لتهدئته؛ لأن ذلك قد يكون خطرًا عليه، فضلًا عن عدم اللجوء إلى الطرد إلا عند الضرورة القصوى؛ لأن نتيجة ذلك هي حرمان التلميذ من وقت العمل في القسم، ويؤدي إلى تأخر يصعب استدراكه، مع تجنب شتم التلاميذ أو لعنهم، وتجنب تهديدهم بالإدارة إلا في الحالات الضرورية، وتجاوز بعض المخالفات الحالات السلوكية التي لا تمس بالآخرين”.

 

في تصريح حصري لفريق “زدني” أكدت وزير التربية والتعليم نورية بن غبريط:

“أن مصالحها حريصة كل الحرص على منع التعدي النفسي ضد الطلبة الدارسين، ومنع خلق سلوكيات رافضة للمدرسة، مؤكدة على ضمان التنسيق بين الجماعة التربوية؛ لمنع أي طرد غير مسؤول للتلاميذ، وخلق تسرب مدرسي غير مسموح على حد قوها”.

 

وأكدت أن العنف مرفوض في مدارس الجزائر، والقانون واضح، مؤكدة التركيز على التكوين لمختلف شرائح الجماعة التربوية بالمؤسسات التربوية للقضاء على كل أشكال التعنيف ضد الطلبة الدارسين، ولتحسين جودة التعليم الممنوح للتلاميذ الذي هو أولوية وطنية.

 

 

كما أكدت أن الجزائر تعمل -وفي إطار تحسين الأداء البيداغوجي ومواكبة المقاييس الإقليمية والعالمية- على فتح الحوار المستمر مع جميع الفاعلين، من بينهم الشركاء الاجتماعيين؛ قائلة: “نشجع التعبير المنظم عن الآراء، ولهذا الغرض عمدنا على خلق انتخابات لاختيار مندوبي الأقسام من التلاميذ، لهم الحق في طرح أفكارهم واقتراحاتهم ومشاكلهم للإدارة الوصية، سعيًا منا إلى تحسين الأوضاع، والحفاظ على تمدرس التلاميذ، مع ضمان الشفافية في التسيير”.

 

كما قالت: “إن هدفنا هو خلق مناخ مدرسي ملائم للتعليمات، وكل من يخطئ سيحاسب، رافضة أي أشكال للعنف الصادر عن بعض المدراء والأستاذة اتجاه التلاميذ، وأكدت أن العقاب والضرب ممنوع، وسيتم تطبيق القانون ضدهم، مع تلقيها أي تقارير ضدهم من طرف التلاميذ مندوبي الانقسام”.

وأبرزت الوزيرة دور النشاطات الثقافية والترفيهية في خلق جو هادئ بين التلاميذ وأساتذتهم، وأكدت على تشجيعها المسابقات والمنافسات الرياضية، وكل النشاطات التي لها علاقة بتنمية قدرات الطفل.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك