مدارس من عجلات السيارات في سفوح جبال القدس، تهددها إسرائيل

16 فبراير , 2016

 

على السفوح الشرقية لجبال مدينة القدس المحتلة، يواصل طلبة فلسطينيون تعليمهم المدرسي في مدرسة شيدت من إطارات المركبات والطين، وسط تهديد إسرائيلي يومي بهدمها.

ففي ساحة مدرسة الترابية “عرب الجهالين”، والتي يطلق عليها السكان إسم مدرسة “الإطارات”، يركض الأطفال خلف كرة قدم فرحين، تثير أقدامهم الغبار، بينما تجلس طالبات يراقبن المشهد من بعيد.

 

مدرسة من “الطين” وإطارات المركبات

 

Qais (1)

 

تحدثت “حليمة الزحايقة” مديرة مدرسة “الإطارات” لفريق “شبكة زدني” قائلةً إن “المدرسة شيدت في العام 2009، في ظروف تمنع فيها إسرائيل البناء بالطوب والأسمنت؛ فكانت الفكرة من أهالي التجمع السكاني، ومتضامنين أجانب، بتشييد المدرسة من الإطارات والطين، وعلى أن يكون سقفها من الصفيح”.

وتلفت إلى أن “القوات الإسرائيلية منذ اليوم الأول أخطرت الأهالي بهدم المدرسة، ومنذ ذلك التاريخ والسكان يترافعون أمام القضاء الإسرائيلي لثني الجيش عن هدم المدرسة”.

وتوضح السيدة “الزحايقة” بأنهم يعملون في ظروف غير اعتيادية، “الصفوف غير مؤهلة للتعليم، ولا يوجد بنية تحتية، ونسلك طرقًا ترابية للوصول إلى المدرسة، ونتعرض للمضايقات من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين”.

تبتسم السيدة وتقول “بداية العام الدراسي لم نستطيع حمل الكتب المدرسية لتوزيعها على الطلبة، لعدم قدرة المركبات الوصول لموقع المدرسة، فتم نقلها على ظهور الحيوانات”.

وتؤكد “الزحايقة” بأن “هناك إصرارًا من قبل الهيئة التدريسية، وحتى الطلبة، على المضي قدمًا والاستمرار في التعليم، رغم صعوبة الظروف؛ حتى لو تم هدم المدرسة”.

 

مدرسة “الإطارات” تضم 125 طالب وطالبة

تضم مدرسة “الإطارات” 125 طالبًا وطالبة، ويطلق عليها إسم مدرسة “الخان الأحمر” وتشتهر بمدرسة “الإطارات” كونها شيدت من إطارات المركبات الفارغة. وتفتقر المدرسة، كما كل التجمعات البدوية في المنطقة للكهرباء، لكن صفوفها مضاءة بواسطة الطاقة الشمسية.

وكانت السلطات الإسرائيلية أخطرت المدرسة بالهدم منذ تأسيسها عام 2009، بحجة البناء في منطقة مصنفة “ج” الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، حسب اتفاق أوسلو الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993.

والمنطقة “ج”، بحسب اتفاق أوسلو، يشمل المناطق التي تقع تحت السيطرة الكاملة للحكومة الإسرائيلية، وتشكل 61% من المساحة الكلية للضفة الغربية.

وتقع المدرسة إلى الشرق من مستوطنة “معالية أدوميم” الإسرائيلية، شرق القدس، إحدى أكبر مستوطنات الضفة الغربية، وعلى أراضي المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الكبير والمعروف باسم “E1″، والذي يهدف إلى ربط المستوطنة بالقدس الغربية.

والمنطقة “E1″، هي منطقة واقعة بالضفة الغربية، وتبلغ مساحتها نحو 12 كيلومترًا مربعًا، وهي إحدى المناطق التى قررت الحكومة الإسرائيلية بناء المستوطنات فيها.

وبحسب الفلسطينيين، يهدف المشروع الاستيلاء على 12 ألف دونم تمتد من أراضي القدس الشرقية حتى البحر الميت، بهدف تفريغ المنطقة من أي تواجد فلسطيني، كجزء من مشروع لفصل جنوب الضفة عن وسطها.

 

المدرسة سبب مهم في البقاء، والاحتلال الإسرائيلي المعيق الأساسي للتعليم

 

Qais (3)

 

وتخشى “الزحايقة” من قرار هدم المدرسة، لافتةً إلى أن أي قرار بهدمها سيكون كارثيًا، وقد يؤدي إلى تسرب الطلبة من المدارس، وحرمانهم من حقهم في التعليم.

وتوضح مديرة المدرسة، بأن “الاحتلال الإسرائيلي هو المعيق الأساسي للتعليم هنا، وهو يمنعنا من بناء مدرسة حديثه، فنمضي يومنا في البرد القارص شتاءً، وفي درجات حرارة مرتفعة صيفًا، مع غياب وسائل التكييف. وسط بيئة غير صحية تنبعث فيها الروائح من كل مكان”.

هذا، ويتلقى الطلبة دروسهم حتى الصف الثامن في مدرسة “الإطارات”، ثم ينتقلون للدراسة في مدارس مدينة أريحا التي تبعد عنهم نحو 7 كيلو متر، مما يدفع غالبيتهم للتسرب من الدراسة والالتحاق بسوق العمل.

وتخدم المدرسة خمسة تجمعات بدوية، في منطقة الخان الأحمر البدوي الذي يسكنه عرب الجهالين الذين يعتمدون على تربية المواشي، ويسكنون في بيوت من الصفيح والخيم.

ويتحدث “منذر الجهالين”، ولي أمر طالب، لفريق “شبكة زدني” عن مدرسة “الإطارات” قائلاً إن “هذه المدرسة كانت طوق النجاة لطلابنا من التسرب من المدارس والجهل؛ شيدت بأيدينا، وسنحافظ عليها ولن نسمح بهدمها”.

ويلفت إلى أن “هدم المدرسة يعني ضياع أبنائنا، وسنعيد بنائها في حال لو هدمت؛ وسنبقى هنا”. ويشير إلى أن “الاحتلال الإسرائيلي ينظر إلى المدرسة على أنها سببًا مهمًا في بقائنا في هذه المناطق التي ينوي الاستيلاء عليها، لكنه لن يخرجنا من هذه الأرض، وسنبقى فيها؛ تم تهجيرنا من بلداتنا قبل عام 1948، واليوم يسعون لتهجيرنا من جديد، لن نسمح بضياع أبنائنا”.

وعن المدرسة يقول الطالب “أحمد الجهالين”، لفريق “شبكة زدني” إنه لا يوجد لنا سوى هذه المدرسة، ونحتاج لمقومات المدارس الأساسية، من ساحات ترفيهية، ومختبرات تعليمية”.

ويلفت إلى أن “هذه المدرسة الوحيدة لنا، وإن هدمت لن نتلقى تعليمنا، وأريد الاستمرار في الدراسة فيها؛ لكي أصبح مُعلمًا”.

مدارس البدو تحت رحمة المحاكم الإسرائيلية

“كرمهان عرفة”، مديرة قسم المتابعات الميدانية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، قالت لفريق “شبكة زدني”، إن السلطات الإسرائيلية تهدد بهدم المدارس المشيدة في المناطق البدوية بحجة البناء بدون ترخيص في مناطق مصنفة “ج” حسب اتفاق أوسلو، مما يعني تهديد وحرمان مئات الطلبة من حقهم في التعليم.

وتشير إلى أن “هناك قضايا يرفعها السكان لوقف أوامر الهدم بحق المدارس في المحاكم الإسرائيلية، بينما تقوم وزارة التربية والتعليم بالعمل على تفعيل القضية من خلال زيارتها للمدارس وتنظيم أيام تضامن مع الشركاء المحليين والدوليين، لتسليط الضوء على معاناة المدارس والخطر المحدق بها”.

وبحسب “عرفة” فإن الطلبة يسلكون طرقًا صعبة للوصول إلى مدارسهم التي تقع في سفوح جبال وعرة، وتمنع إسرائيل الجانب الفلسطيني شق الطرقات وتعبيدها بحجة أنها مناطق مصنفة “ج”، مما دفع بوزارة التربية والتعليم إلى توفير 26 حافلة لنقل الطلبة، منها خمس مركبات “دفع رباعي”. وتوضح “عرفة”بأن الحافلات وفرت على الطلبة الجهد والمشقة، والحماية من اعتداءات المستوطنين اليهود، الذين يتعرضون لهم خلال سلوكهم طرقًا تجاور المستوطنات والمعسكرات الإسرائيلية.

 

وزارة التربية تطالب بتدخل دولي

وكان وزير التربية والتعليم الفلسطيني “صبري صيدم” قال خلال جولته على عدد من المدارس المهددة بالهدم في تصريح تابعته “شبكة زدني”، جاء فيه “نؤكد على مساندتنا ووقوفنا في وجه هذه التهديدات والانتهاكات التي لن تثنينا عن مواصلة مسيرة النضال، والتعليم والصمود والإصرار وحب الحياة”.

وأضاف الوزير بأن “الوزارة ستسخر كل إمكانياتها وستعمل على تلبية احتياجات المدارس؛ من أجل ضمان استمرار المسيرة التربوية ودعم الأطفال والانتصار لحقهم في التعليم، في ظل بيئة آمنة ومستقرة”.

ودعا الوزير الفلسطيني كافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية والإعلامية إلى التدخل العاجل لوضع حد لهذه الانتهاكات والعمل على لجم ممارسات الاحتلال الإسرائيلي واستهدافه للطلبة الفلسطينيين والاعتداء على الأطفال والتنكيل بهم.

يشار إلى أن الأغوار الفلسطينية، تضم من السكان، نحو 10 آلاف فلسطيني في بيوت من الصفيح والخيام، وتمنعهم إسرائيل من تشييد المنازل، ويعتمدون في حياتهم على تربية المواشي والزراعة.

وتنظر إسرائيل إلى هذه المنطقة كمحمية أمنية واقتصادية، وتردد أنها تريد أن تحتفظ بالوجود الأمني فيها ضمن أي حل مع الفلسطينيين، لكن الفلسطينيين يقولون إنهم لن يبنوا دولتهم من دون الأغوار.

 

“عرب الكعابنة” مدرسة أخرى مهددة بالهدم

 

Qais (4)

 

مدرسة “عرب الكعابنة” الواقعة بالقرب من مدينة أريحا، هي الأخرى مهددة بالهدم من قبل السلطات الإسرائيلية.

“محمود الجرمي”، مدير مدرسة “عرب الكعابنة” يقول لفريق “شبكة زدني” إن “السلطات الإسرائيلية أخطرت المدرسة بالهدم، بحجة البناء بدون ترخيص في مناطق مصنفة (ج)”.

ويلفت إلى أن “إسرائيل تريد هدم التعليم؛ وسيهدم جيل كامل في حال تم هدم المدرسة”.

ويشير “الجرمي” إلى أن المدرسة شُيدت عام 1968، وكانت عبارة عن خيمة حتى عام 1987، حيث تم تشيد أول غرفة صفّية فيها من الصفيح، إلى أن أصبحت عبارة عن مجموعة من “الكرفانات” الحديدية.

وفي الصف الثاني من مدرسة “عرب الكعابنة” يقدم المدرس “محمد يوسف” شرحًا لطلبته حول أهمية التعليم، يقول المعلم لفريق “شبكة زدني” متسائلًا: “ماذا سيحل بهؤلاء الطلبة، في حال تم هدم المدرسة؟”، ويقول “لا سبب حقيقي لهدم المدرسة؛ سوى أن الاحتلال الإسرائيلي يريد أن يسيطر على المنطقة”.

ويشير إلى أنه وفي حالة هدم المدرسة فستكون الجبال القحطاء، مسرحًا لهؤلاء الطلبة خلف مواشيهم وأغنامهم بعيدًا عن مقاعد المدرسة.

ومنذ العام 1994، يعمل “يوسف” مدرسًا في مدرسة “عرب الكعابنة”، ويلفت إلى أنهم كانوا “عبارة عن معلمين اثنين فقط، وكانت المدرسة خيمة؛ ثم شيئًا فشيء صارت المدرسة مجموعة من الكرفانات”.

ويشير المعلم، إلى أن ظروف المدرسة “صعبة للغاية، لا تتوفر فيها الكهرباء ولا المياه، وهي بحاجة لأبسط المقومات”.

 

طلبة مُصرين على البقاء والصمود

وتقول طالبة المدرسة، “نداء عبد الله”لفريق” شبكة زدني ” إنها تأمل بدراسة الإعلام، لكي تكتب وترصد ممارسات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، وسعيه لهدم مساكنهم ومدارسهم”.

“نداء” واحدة من أربع طالبات في مدرسة “عرب الكعابنة” ضمن فريق “الصحفي الصغير”، تقول عن فريقها: “نقوم بتصوير الفعاليات والأنشطة، ونكتب عنها، ونوثق اعتداءات الجيش الإسرائيلي حين يأتون إلى هنا وهم يخططون على هدم المدرسة، ويطلبون منا الرحيل”.

وتلفت الطالبة، إلى أنهم يوثقون كل ذلك، مصرين على البقاء والصمود، “فهذه أرضنا، ومن حقنا الأساسي أن نتعلم”.


 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك