مدرسة الموهوبين نموذج حقيقي للنهوض بواقع التعليم في العراق

6 مايو , 2018

يستيقظ عبد الرحمن ذو الأربعة عشر ربيعًا صباحًا ليتوجه إلى مدرسته التي تم قبوله فيها حديثًا.. يقطع عبد الرحمن جسرًا مؤقتًا بين جانبي المدينة؛ لكونه من سكان أيمن الموصل ومدرسة الموهوبين في أيسرها ليرى دمار المدينة في مشهد يتكرر يوميًّا، لكنه رغم ذلك يتطلع لغدٍ مشرق وكله طموح لخدمة مدينته وبلده الحبيب العراق.

 

يصل عبد الرحمن المدرسة، وفي حال كان هنالك متسعًا من الوقت؛ يتم التوجه إلى طاولة المنضدة لممارسة رياضته التي يحب إلى أن يحين موعد الحصة الاولى.. وأحيانًا ما يتوجه إلى الصف مباشرة لمراجعة المقررات والدروس.

 

عبد الرحمن الذي قضينا معه يومًا دراسيًّا كاملًا وجدناه في أثناء الاستراحة بين الحصص، يقضيها إما بالمنضدة أو بالكافتيريا الخاصة بالمدرسة لتناول وجبة خفيفة، أو البقاء داخل الصف أو التمشي بين أروقة المدرسة. فهو قليل الكلام تراه إما يقرأ أو يكتب حاله حال أقرانه في هذه المدرسة التي هي بحق نموذجية.

 

بعد انتهاء الدوام (بحدود الواحدة ظهرًا أو أكثر قليلًا)، يعود عبد الرحمن -وكذلك أقرانه الآخرون- منهكين إلى البيت.. تناول الغداء ثم النوم (قيلولة) ثم الاستيقاظ بحدود الرابعة عصرًا وتحضير الواجبات والدرس لغاية الساعة 11 أو 12 أو ربما 1 فجرًا. فالطالب الموهوب يحتاج 6- 8 ساعات دراسة حقيقية نظرًا لكمية ونوع المادة الدراسية التي تُعطى لهم.

 

والد عبد الرحمن حدثنا عن أن عدد الطلاب قليل للمرحلة الواحدة؛ لكون الذين يقبلون في الصف الأول المتوسط سنويًّا بحدود (10 أو 12) طالبًا فقط. وهذا العدد يبدأ بالتناقص في حالة تلكؤ عدد من الطلبة حيث يُنقلون إلى مدارس أخرى، هو ما دفعه لتسجيل ابنه في مدرسة الموهوبين.

 

والد عبد الرحمن يكمل حديثه لــ”شبكة زدني”: “العدد القليل داخل الصف الواحد يزيد من كَمية المعلومة التي يتلقاها الطالب من حيث الكم والنوع. ونشوء صداقة حميمية بين الطلاب والأساتذة عمومًا. وأن الطالب البارز (علميًّا أو تربويًّا أو اجتماعيًّا.. الخ) سيظهر بسرعة. وسهولة متابعة عبد الرحمن من جميع النواحي.

 

مدارس الموهوبين كفكرة.. متى وكيف أُنشِئت؟

أعلن لأول مرة عن مشروع مدرسة الموهوبين فـي عـام 1985 بعـد إصدار قانون مدارس الموهوبين في العلوم رقم (105) لعام 1985 الذي سـبق تشريعه، والذي وضع القاعدة النظرية الأساسية للمدرسة، وإرسـال وفـدين إلـى الاتحاد السوفيتي سابقًا روسيا الآن، والولايات المتحـدة الأمريكيـة، والمملكـة المتحـدة؛ للتعرف على تجارب هذه الدول في مجال رعاية الموهوبين، وقد صدر القانون استجابة لقرارات ندوة علمية متخصصة في شباط 1983.

 

وفي عام 1988 طبقت تجربة التسريع في العراق، وفي عام 1990 طبقت تجربة مدارس المتميزين، وفي كانون الأول من عـام 1998 افتتحـت أول مدرسـة فـي العـراق للموهوبين، وعقدت في حينها ورشة عمل حول أساليب الكشف عن الطلبة الموهوبين ووسـائل العناية بهم في بغداد بتاريخ 28 / 12 / 1999 من قبل المنظمة العربية للتربيـة والثقافة والعلوم.

 

عام 2001 صدر قانون مدرسة الموهوبين رقم (49) بقرار من الدولة، رقم القرار 126 بتاريخ 23 / 5 / 2001 م، وتم تخريج أول دفعة عام 2004، وقد تم قبولهم في الجامعـة الأمريكيـة بقطر، باستثناء اثنين رفضوا الدراسة في الخارج.

 

الأهداف الأساسية التي أسست عليها مدراس الموهوبين ومشروعها التربوي

يحتاج الطلبة الموهوبون –كغيرهم- إلى رعاية خاصة تمكـنهم مـن تنميـة مواهبهم إلى أقصى مستوى ممكن، مما تطلب وجود خدمات متكاملة تتجه إلى تنمية شخصياتهم تنمية شاملة ومتكاملة؛ لذا وضع المشروع للطلبة الموهـوبين في العراق، والطالب الذي يقبل في مدرسة الموهوبين هو من تميز علميًا عن أقرانه بقدرة عقلية عالية، تتمثل في التفكير الإبداعي والتحـصيل الممتـاز فـي بعض المهارات المتخصـصة كالرياضـيات والطبيعيـات، وبـذلك حددت مواصفات تشخيص الطالب الموهوب بما يلي:

 

– أن يكون ذا قدرة عقلية عالية.

– تحصيله الدراسي ممتاز في الموضوعات العلمية.

– يتصف بالموضوعية في الحكم على الأشياء، وتفكيره علمي.

– أن يكون ذا قدرة على التذكر والاستدلال.

– أن يكون ذا قدرة على إدراك العلاقات واسـتخدام الرمـوز وفهـم المعـاني المجردة.

– أن يكون ذا مهارة ممتازة في إحدى المجالات كالرياضيات والطبيعيات.

– لديه قدرة على الانتباه ودقة الملاحظة.

– لديه ذخيرة لغوية يستطيع توظيفها للتعبير عن أفكاره.

 

وشملت أهداف المدرسة باعتبارها مشروعًا تربويًّا على جانبين: كَمي ونوعي، فانطلق الجانب الكمي من استيعاب الطلبة الموهوبين كافة الـذين يـتم اكتـشافهم ضـمن المـرحلتين الابتدائية في الصف الرابع والمتوسطة في الصف الأول، ممن يتم انتقاؤهم وفقًا للضوابط والاختبارات المعتمدة فـي مدرسة الموهوبين والتي سنتحدث عنها لاحقًا.

 

أما الجانب النوعي؛ فانطلق من تمكين الطلبة الموهوبين من مواصلة تطوير شخصياتهم وبنائها من جوانبها كافة، وتنمية مواهبهم العلمية والبحثية والمهارية بموجب مناهج وأساليب متميزة، والاهتمام بالجانب النوعي العقلي والتشجيع على توليد الأفكار الأصيلة ذات السمة المبتكرة، وتنمية التوجه العلمي والمهاري للمتفوق في وسط جماعي، وإشباع الرغبة في الاطلاع والمثابرة والدقة والتحدي للمشكلات بشكل مبرمج وهادف، وتنمية التوجه الذاتي المتفوق والمستقل في إطار جماعي في التفكير والعمل.

 

أما أهداف مدارس الموهوبين كمدرسة ثانوية تُعْنى بالطلبة الموهوبين؛ هي إعادة صياغة أهداف المناهج الدراسية الاعتياديـة وتطويرهـا، بحيـث تنسجم مع فلسفة مدرسة الموهوبين، وذلك على وفق التركيز في العمليات العقلية والمعرفية العليا، والتي تشمل الدراسة الذاتية وعناصرها من مهارات البحث، وحل المشكلات وتنظيم الوقت وأنشطة التفكير الناقد، وعناصره من التحليل والتركيب والتقويم، والتنمية الإبداعية وعناصرها، والطلاقة والمرونة والأصالة والتفصيل المدروس واتخاذ القرارات وتقويم النتائج ومهارات الاتصال اللفظية وغير اللفظية، والتركيز في النمو الوجداني والتوافق مع المواقف ومع الذات وتقبلها، والثقة بالنفس واتخاذ القرار ومواجهة المشكلات وحلها بالأساليب الصحيحة، وتنمية حب الاستطلاع وإطلاق عنان الخيال والتشجيع على الأفكار الأصيلة من خلال العصف الذهني.

 

وتحدثت الخبيرة التربوية والأكاديمية (د. وصال محمد الدوري) لــ”شبكة زدني”: “أنه في ضوء معطيات الفلسفة التربوية للعراق في إنشاء مدرسة متخصصة للطلاب الموهوبين ونتيجة لتبلور المسار النظري والعملي لإنشاء مدرسـة متخصـصة للموهوبين، حيث ارتكز المشروع أساسًا على عوامل تربوية واجتماعية وإنسانية.”

 

وتضيف وصال: “بأن النظرة السائدة على أن معظم الطلبة الأذكياء متفوقون ولا حاجة بهـم إلـى برامج خاصة، ومع ذلك وفي حالات كثيرة لم تتوافر الإمكانات لتطـوير هـؤلاء الطلبة لأقصى إمكاناتهم، إذ بينت البحوث أن إهمال الأطفال الموهـوبين وعـدم رعايتهم يعرضهم للفشل في المدرسة، وليس من مصلحة المجتمع أن يفقد أحدًا من الموهوبين نتيجة عدم وجود الاهتمام، فمن هذا المنطلق أَوْلَت وزارة التربية والتعليم العراقية اهتمامًا كبيرًا بالموهوبين بهدف توفير الرعاية المناسبة لهم واحتوائهم داخل مدارس الموهوبين.”

 

هيكلية مدرسة الموهوبين وعدد فروعها بالعراق

مدارس الموهوبين أسست عام 2007 بموجب قانون التعليم العراقي، بالرغم من أنه قد صدر قانونها عام 2001 على أن ترتبط بوزارة التربية العراقية -وهذا ما حصل-، يوجد اليوم 6 مدارس للموهوبين في العراق موزعة على محافظات (بغداد، نينوى، البصرة، النجف، الانبار، ميسان).

 

والمدرسة تتألف من المدير والمعاون العلمي الذي يجب أن يحمل شهادة ماجستير على أقل تقدير، والمعاون الإداري والمشرف التربوي ومدرس الرياضة وأمين المكتبة، وعدد من المدرسين (من حملة الشهادات العليا) وحارس.. هذا هو الملاك الدائم.. وسنويًا يتم الاستعانة بعدد من مدرسي الجامعة بصفة عقد، وبحسب الحاجة.

 

 

تقع ثانوية الموهوبين في نينوى في مدينة الموصل وتحديدًا حي الشرطة، حجم بناية المدرسة كأي مدرسة حكومية اعتيادية. توجد فيها كافتيريا، ومن المفترض أن يكون هنالك حافلة “كوستر” مخصصة لنقل الطلاب والكادر، ويجري العمل عليها الآن.

 

أما الأساتذة فيتم اختيارهم من قِبل المعاون العلمي بالتشاور مع الإدارة وأصحاب الاختصاص في الجامعات والإشراف التربوي، ويفضل أن يكون المدرس حاصلًا على شهادة عليا، ولديه بحوث متميزة، ويعد من المتميزين في تخصصه سواء كان في الجامعة؛ فيفرغ للمدرسة يومًا أو يومين، أو كان على التربية؛ فينسب إلى المدرسة ويجدد هذا التنسيب سنويًّا، أو يلغى التفرغ أو التنسيب في حالة ظهر أي تلكؤ من قبل المدرس؛ للحفاظ على أداء متميز في المدرسة.

 

آلية القبول في مدرسة الموهوبين

مدرسة الموهوبين الثانوية في نينوى، التي تشمل 6 مراحل دراسية من الأول المتوسط ولغاية السادس الإعدادي، وفي هذا العام الدراسي (2017- 2018) تم قبول ليس فقط من خريجي السادس الابتدائي فحسب؛ بل من الثالث الابتدائي للقبول في الرابع الابتدائي/ موهوبين.. ثم الانتقال تلقائيًا إلى مرحلة الثانوية/ موهوبين بعدئذ.

 

وعن شروط القبول حدثنا عبد المالك (سالم خضر السعدي) رئيس لجنة علوم الحياة في مدرسة الموهوبين/ نينوى على أنه يجب على الذين يرغبون بالقبول في الرابع ابتدائي/ موهوبين أن يحصلوا على درجة 10/10 في مادتي العلوم والرياضيات للصفوف الأول والثاني والثالث الابتدائي، ومجموعه العام لا يقل عن 65 من 70 في الصف الثالث الابتدائي، وشملت الشروط عدم تقديم أكثر من ثلاثة طلبة عن كل مدرسة بالنسبة للمتقدمين عن الصف الرابع الابتدائي.

 

السعدي بيّن لــ”شبكة زدني”: “أنه بالنسبة للقبول في الأول المتوسط/ موهوبين يستوجب حصول الطالب على درجة 100 في مادتي العلوم والرياضيات، وبمعدل عام لا يقل عن 97% للصف السادس الابتدائي (البكلوريا). ويستثنى من الشروط أعلاه إذا كان للطالب موهبة ظاهرة في مادتي العلوم والرياضيات على أن تملأ استمارة التقديم من مُدرِّسي المادة حصرًا، وتختم من قبل إدارة المدرسة لمرحلتي الرابع الابتدائي والأول المتوسط. هذا فقط من أجل الحصول على استمارة التقديم التي تطلب من إدارة ثانوية الموهوبين حصرًا.”

 

أما بعد الحصول على الاستمارة؛ فيخضع الطالب لجملة من الاختبارات منها..

اختبار تحريري (لمدة ساعة) فيها أسئلة لمادتي العلوم والرياضيات (الأسئلة تأتي من مرحلتي السادس الابتدائي والأول المتوسط) مع أسئلة ذكاء وقدرات وعلم نفس.

السعدي أخبرنا أنه اشترك في هذه الامتحان (في مدينة الموصل) زهاء 500 طالب حيث جرى يوم 28/9/2017. ونجحَ منهم 138 طالبًا فقط.

 

وجرى بعد ذلك اختبار تحريري تفصيلي لمدة أربع ساعات؛ بمواد الرياضيات والعلوم (من منهج السادس الابتدائي والأول المتوسط) والقدرات وعلم النفس. اشترك في هذه الامتحان (في مدينة الموصل) زهاء 138 طالبًا من الذين اجتازوا الاختبار السابق حيث جرى يوم 12/10/2017. ونجحَ منهم 57 طالبًا فقط.

 

لتكون هنالك مقابلة نهائية والتي جرت يومي 29- 30 /10/2017 حيث شملت هذه المقابلة على اختبار (تحريري) ذكاء وإبداع، والمقابلة الشخصية الشفهية مع لجنة القبولات (عدد من أساتذة الجامعة).

 

وتألفت لجنة القبولات من لجنة الفيزياء، ولجنة الكيمياء، ولجنة الأحياء، ولجنة الرياضيات، ولجنة علم النفس، حيث يدخل الطالب إلى الغرفة الأولى (الفيزياء مثلًا) يُسْأل من قبل اللجنة (كيف تطير الطائرة؟ جد سرعة سيارة تسير على خارطة بمقياس رسم… إلخ// يعني يجمع سؤال السرعة والمسافة والزمن مع سؤال مقياس الرسم// تحدث عن الانفجار الكوني الكبير).. لمدة 10 إلى 20 دقيقة، ثم فورًا يدخل إلى غرفة الكيمياء، ثم الأحياء، ثم علم النفس، فالرياضيات. تستغرق هذه الاختبارات من كل طالب زهاء نصف إلى ثلاثة أرباع الساعة، من هؤلاء الطلاب قبل فقط 15 طالبًا، ليشكلوا صف الأول المتوسط في مدرسة الموهوبين فرع نينوى لهذا العام.

 

ما يميز مدرسة الموهوبين عن قريناتها من المدارس في العراق؟

الدراسة باللغة الإنكليزية للمواد العلمية الأساسية (كيمياء، فيزياء، أحياء، رياضيات) ممّا يؤهل الطالب لامتلاك مَلَكة لغوية طيلة ست أعوام متواصلة فالمدرسة هي ثانوية بكل تأكيد، تكون له قاعدة رصينة في حالة قبوله في أي كلية من الكليات الطبية.

 

 

وعند تجوالنا داخل أروقة مدرسة الموهوبين لم نلاحظ قرع أي جرس فنظامهم لا يستخدم فيه الجرس لإعلان بدء المحاضرة أو انتهائها. وهم بذلك يطبقون النظام الجامعي تماما في هذا الشأن. بل إنَّ البدء والانتهاء في بعض الأحيان أو كثيرها؛ فيُحدد آنيًا من قبل الأستاذ مع طلبته داخل الصف. فلربما المحاضرة تستغرق 20 دقيقة فقط أو ساعة أو ساعتين. وربما بشكل متواصل أو يتخللها توقف لالتقاط الأنفاس أو شرب الماء أو الصلاة مثلًا.

 

كما تضمن مدرسة الموهوبين القبول أي الدوام بمدارس المتميزين (فضلًا عن أية مدرسة أخرى يختارها الطالب) في حالة ثبوت تلكئه الدراسي، وهو الحصول على درجة أقل من 70% في المواد الأساسية الأربعة (كيمياء، فيزياء، أحياء، رياضيات).

 

مدير مدرسة الموهوبين في نينوى (رياض دحام الصواف)، عند حديثه مع “شبكة زدني” أخبرنا أنه: “في النظام الداخلي للمدرسة، يوجد يوم ثابت أسبوعيًا يطلقون عليه اليوم المفتوح (open day)، حيث يتم تنظيم زيارات أسبوعية علمية للدوائر العلمية والإنتاجية والمستشفيات والمعامل والمختبرات… إلخ، إلا أنه متوقف حاليًا بسبب الوضع الاستثنائي الذي تعيشه المدينة، فضلًا عن صرف راتب شهري لكل طالب مقداره (100000) مائة ألف دينار”.

 

الصواف تحدث على أن المستقبل الجامعي محدد من قبل ست أعوام للطالب!! فخريج ثانوية الموهوبين (سادس علمي) الحاصل على 70% لكل مادة فأكثر يحق له القبول بأي قسم أو فرع لأي كلية في العراق (فوق خطة القبول المركزية). وكلهم طبعا يختار المجموعة الطبية، غير أنه في العام الماضي كان هنالك طالب موهوب بمادة الفيزياء وقدم على كلية العلوم قسم الفيزياء في جامعة الموصل، وتم قبوله.

 

الإضافات التي لا نجدها في أغلب مدارس العراق الحكومية والأنشطة اللاصفية

عند تجوالنا في مدرسة الموهوبين فرع نينوى لفت أنظارنا وجود مكتبة للكتب. وقد أعيد ترميمها وإثراؤها بالعديد من العناوين المهمة إذا ما علمنا أن داعش الإرهابي قد أمر بحرق كل الكتب في المكتبات العامة، مدير المدرسة رياض دحام الصواف الذي رافقنا طيلة تجوالنا في المدرسة -ونحن نشاهد عبد الرحمن كيف يقضي يومه الدراسي-؛ حدثنا على أن استخدام المكتبة قليل؛ لأنه بوجود النت، أصبحَ بجيب كل طالب منهم ملايين المكتبات فيها مليارات الكتب.

 

الصواف أخبرنا أيضًا بوجود درس الرياضة، وهو عبارة عن موعد لِلَعب كرة القدم في ساحة نظامية خارج المدرسة مرتين في الشهر على أقل تقدير، فضلًا عن المختبرات العلمية (فيزياء، كيمياء، أحياء) موجودة ومفعلة (قبل داعش). أما الآن فقط تحتاج بعض المواد الكيميائية والفيزيائية لإعادة تأهيلها من جديد.

 

 

لكننا فوجئنا بعدم وجود مرسم أو قاعة موسيقى أو حتى درس فنية أو رسم، وقد علل الصواف السبب بأن المدرسة تهتم بالجانب العملي فقط، وإن كل من يتم قبوله في المدرسة يضع صوب عينيه المجموعة الطبية فقط، لكننا صراحةً لم نقتنع بالإجابة، فمن الجميل أن يكون للموهوب هوايات يمارسها وقت فراغه.

 

الصواف أخبرنا أنهم يدرسون المناهج الاعتيادية المقررة من وزارة التربية لعموم المدارس، مع مادة (إثرائية) من مصادر أجنبية. وهي نفسها المصادر الجامعية التي تعطى للبكالوريوس أو حتى الماجستير. مثلًا في الأحياء يدرسون علم وظائف الأعضاء (فسلجة) التي تعطى في مرحلة الثاني كلية الطب. في الرياضيات يدرسون على كتاب كالكلس الشهير. والفيزياء على كتاب ثيراجا. وهكذا بالإضافة إلى الكتاب المقرر.

في الامتحانات، تأتي الأسئلة 70% من الإثرائي و30% من المقرر.. وطبعًا الدراسة والأسئلة والأجوبة باللغة الإنجليزية (وهذا حصرًا للمواد الأساسية الأربعة). أما مواد اللغة العربية والإسلامية والاجتماعيات فتدرس باللغة العربية بشكل اعتيادي وبالمنهج المقرر فقط.

 

كما وتهتم المدرسة بالأنشطة اللاصفية، ومنها توجيه الطلبة لصناعة بعض الأجهزة الكهربائية أو الإلكترونية، والأنشطة المختبرية في كل من الأحياء والفيزياء والكيمياء، ومحاولة حل بعض المسائل الرياضية غير المحلولة عالميًا، وللمدرسة يوم في الأسبوع للأنشطة الرياضية (كرة قدم/ سباحة)، وتوجد منضدة للعب كرة المنضدة في المدرسة، كما أن المدرسة تقيم سنويًّا معرِضًا علميًّا لنتاج الطلبة وعرض بحوث الطلاب.

 

مدرسة الموهوبين في نينوى واستئناف الدوام فيها بعد انتهاء الحرب

لم تتوقف مدرسة الموهوبين في نينوى عن الدوام في فترة سيطرة الظلاميين من تنظيم داعش على مدينة الموصل طيلة السنوات الثلاثة، فقد كانت تعطي دروسها بانتظام لكل طلبتها بالرغم من توقف المؤسسة التربوية والتعليمية في الموصل بشكل كلي.

 

مدير المدرسة رياض الصواف أخبرنا أنه بالرغم من عدم دفع رواتب المدرسين في المدرسة، وتضييق عناصر تنظيم داعش على الحياة بشكلها العام والمؤسسة التربوية بشكل خاص، إلا أنهم آثروا الدوام وتقديم فرصة من التعليم الحقيقة، واحتضان مواهب الطلبة حتى لا يتم جرهم أو تظليلهم من قبل الظلاميين.

 

وما إن انتهت الحرب حتى أعيدت هيكلة المدرسة وترميمها؛ لكونها تعرضت لعمليات التخريب أثناء الحرب، كما سرقت بعض ممتلكاتها من قبل ضعفاء النفوس؛ ليستأنف الدوام فيها بوقت قياسي، فمجمل ما توقف التعليم في مدرسة الموهوبين لا يتعدى ثلاثة أشهر، وهي فترة قياسية إذا ما نظرنا إلى حجم الخراب والدمار الذي حل بالموصل كمدينة ونينوى كمحافظة.

 

(إبراهيم محمد) وهو طالب في مدرسة الموهوبين/ نينوى تحدث لــ”شبكة زدني” عن أنه عندما كان يخرج صباحًا للذهاب إلى المدرسة أيام سيطرة تنظيم داعش على المدينة، وكان يرى المدارس الأخرى، وهي مغلقة وهو وحده ذاهب إلى المدرسة، وعن عيشه في ضجة فكرية كبيرة، وحالة الخوف والترقب التي كانت تشهدها المدينة.

 

ويكمل إبراهيم حديثه عن أنهم كانوا يدرسون على وقع قصف الطائرات لمواقع عناصر تنظيم داعش، في أجواء بعيدة عن جو تربوي صحي ومثالي للدراسة، ومع ذلك استمروا في تلقي العلم وكان لمدرسيهم الدور الأكبر في إعطائهم فسحة الأمل التي جعلتهم يكملون طرق تعليمهم.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك