معلمو موريتانيا.. حين تقوض مصالح مربي الأجيال وتوأد طموحاته في المهد!

6 فبراير , 2018

استجم المعلم “محمدو ولد الشيخ” خلال العطلة الصيفية مع أسرته بإحدى البوادي شرق موريتانيا، مستمتعًا بمناظر الخريف الجذابة، بعد تسعة أشهر من التدريس في إحدى القرى النائية التي وصلها بمجهوده الخاص، بعد حرمان المعلمين من توفير النقل إلى أماكن عملهم مع بداية كل عام دارسي جديد.

 

حقوق ضائعة..

 يرى المعلم “محمدو ولد الشيخ” أن حرمان المدرسين بموريتانيا من حقوقهم ليس وليد اللحظة؛ إنه إرث وتَرِكة توزع بعدل على كافة المعلمين، لكن الشقاء يطال أكثر أولئك الذين يدرسون في القرى والأرياف والبوادي البعيدة، فهم محرومون من حقوقهم في النقل والسكن، كما يشتري أغلبهم “الطباشير” على نفقته الخاصة، بعد استيراد الدولة لكميات فاسدة منها ضمن صفقة معروفة باسم “صفقة الطباشير الفاسدة”.

 

ويؤكد ولد الشيخ في حديثه لــشبكة زدني أن المعلم الموريتاني معرَّض للأمراض، ويدرس تحت الأعرشة، وفي العراء بمناطق نائية، غير أن عينه على تلك الحقوق الضائعة التي يأمل تلبيتها من خلال النقابات، والهيئات التي تعمل جادة لاسترداد حقوق المعلم التي طال انتظارها، وأصبح الحصول عليها من عمل المستحيل في رأي كافة العاملين في قطاع التدريس بموريتانيا.

 

يطالب ولد الشيخ الحكومة الموريتانية بالعمل على إنقاذ المعلم وإنهاء مأساته، وحرمانه من حقوقه المشروعة، والرفع من شأنه حتى يتمكن من تأدية واجباته على أحسن صورة، مشيرًا إلى أن استمرار هضم حقوق المعلمين يؤثر بشكل سيِّئ على تعليم الأطفال وتنشئتهم تنشئة صحيحة.

 

بدوره يؤكد “سيد محمد” أن المعلم الموريتاني يتعرض للكثير من المعاناة ذات الأوجه المتعددة، بعد أن كان يأمل في توفر كافة الظروف التي تجعله قادرًا على أداء عمله على أحسن وجه، نظرًا لحساسية المهمة الموكلة له، بتربية النشء وغرس العلم في أذهان الصبية بكل أريحية، بعيدًا عن التفكير المستمر في أموره الشخصية، والانشغال بالبحث عن الحقوق التي يراها المعلمون حقوقًا ضائعة.

 

ويقول سيدي محمد -وهو معلم ريفي بموريتانيا- في تصريحات لشبكة زدني: “إنه على الرغم من أن حرمان المعلمين من حقوقهم أمرٌ جليٌّ وواضح لدى الجميع، إن الحكومة تدافع عنه في بعض الأحيان”، وتؤكد أن: “المشاكل والعوائق حُلَّ بعضها، والبعض الآخر في طريقه للحل، مع أن الواقع السيئ للعاملين في قطاع التعليم الأساسي (المعلمين)؛ أمر بادٍ للعيان”.

 

ألم وأمل..

على الرغم من استمرار مآس المعلمين في موريتانيا، ومعاناتهم المستمرة مع المطالب المفقودة، إن الأمل لا يزال قائمًا في تغيير الوضع الصعب للمعلم، والأمل معقود على لفتة حكومية من شأنها أن تعيد للمعلم البسمة، وتضعه في مسيره الصحيح لتربية الأجيال الصاعدة في المجتمع.

 

ويرى الأمين العام للنقابة الوطنية للمعلمين الموريتانيين محمد عبد الرحمن ولد سيداتي ولد المحبة، أن المعلم الموريتاني في وضع مادي ومعنوي لا يحسد عليه، فمن جهة لم يعد بتلك الصورة النمطية من التبجيل والتقدير التي عبر عنها الشاعر (أحمد شوقي)، في بيته الخالد بل أصبح المعلم في كثير من الأحيان عرضة للاعتداءات الجسدية والنفسية.

 

ويضيف الأمين العام للنقابة الوطنية للمعلمين الموريتانيين -خلال حديثه لشبكة زدني- أن:

“المعلم في موريتانيا وُلِدَ مظلومًا ولازمه التعسف الوظيفي وجودًا، وذلك بسبب النظم والقوانين التي حكمت مهنة المعلم منذ التأسيس؛ إذ لم تنصفه هذه النظم والقوانين بالمرة؛ بل جعلت منه موظفًا في أدنى درجات السلم الوظيفي رهينًا لمسير مهني مكبل، لا ينفك عن إساره إلا نادرًا؛ فقيود المهنة لا تسمح له بالترقية خارج إطار مفتش بدرجة مساعد”.

 

وأكد ولد سيداتي ولد المحبة، أن مسلسل التقييد للمعلم يتواصل حتى ينتهي به المطاف بعد سنين من الانتظار إلى درجة مفتش تام، هذا إن كان محظوظًا، وقد لا تأتيه الفرصة مطلقًا؛ فيشيب ويهرم معلمًا.

 

وأضاف الأمين العام للنقابة الوطنية للمعلمين الموريتانيين أن نقابته مستمرة في الدفاع عن حقوق المعلمين، والدفع باتجاه تخفيف وطأة المعاناة عليهم، مطالبًا الحكومة بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، من شأنها أن تضع المعلم في ظرف يكون من خلاله قادرًا على تأدية مهمته النبيلة على أحسن وجه.

 

من جهتها تؤكد المعلمة فاطمة بنت البكاي، أن حقوق المعلمين في موريتانيا إلى مهب الريح، حيث لا رواتب محفزة على العمل، ولا زيادات تلوح في الأفق، بينما يبقى المدرسون يواجهون مصيرًا مجهولًا تكون العقوبات وقطع الرواتب جزاء مَن يتمرد في أحسن الأحوال.

 

وتحكي بنت البكاي في حديث لشبكة زدني: “تعرَّض الكثير من المعلمين للطرد والإقصاء من الوظيفة العمومية بشكل نهائي في أثناء دفاعهم عن مطالبهم، بينما ينعم آخرون برواتبهم من دون أن يمارسوا التدريس لقربهم من جهات رسمية، أو لصمتهم عن حقوقهم، ومواجهة زملائهم في نقابات التعليم التي تدافع عن حقوق المعلم والضائعة”.

 

مستقبل الأجيال إلى الضياع..

شكل هضم حقوق المعلم الموريتاني، وحرمانه من العديد من الامتيازات؛ عائقًا كبيرًا أمام عملية التدريس، حيث أثر اهتمام طبقات واسعة من المعلمين الأعمال الخاصة، وعزوفهم عن التدريس الذي أصبح في رأي العديد منهم ضياعًا للوقت في ظل غياب الحقوق.

 

ويرى الباحث الموريتاني فتاح ولد الدي، أن المعلم أصبح يركز بشكل كبير على عمله الخاص، وترك المدرسة من أجل توفير أجر آخر إضافي في ظل تدهور الأجور الحكومية وحرمان المعلمين في حقوقهم، التي تنطوي على العديد من العلاوات والتحفيزات الإضافية على الراتب الأصلي.

 

ويؤكد ولد الدي لشبكة زدني أن هشاشة البنية التحتية لقطاع التعليم بموريتانيا تشكل أيضًا عائقًا وتؤثر بالسوء على أداء المعلم المتذبذب أصلًا بفعل ضياع الحقوق، واستمرار الحكومة في هضم حقوق المعلمين، وغياب رؤية أو إستراتيجية واضحة تضمن مستقبل المدرس في الآجال القادمة.

 

الأمين العام للنقابة الوطنية للمعلمين الموريتانيين محمد عبد الرحمن ولد سيداتي ولد المحبة يعتبر أن المعلم الموريتاني محروم من جوائز التميز والإبداع في المناسبات الرسمية الكبرى، ومن الخبرة والأداء، والابتعاث إلى الخارج، والتكوين المستمر.

 

ويضيف أن الحوافز المادية المرتبطة بالمهنة ضحلة وهزيلة وعجفاء لا تسمن ولا تغني من جوع، بالإضافة إلى امتناع الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالقطع الأرضية ونظام الأسلاك وزيادة العلاوات وتوفير الأمن في المدارس الحكومية.

 

رؤية رسمية مغايرة..

قال وزير التهذيب الوطني بموريتانيا إسلمو ولد سيد المختار: “إن الحكومة اعتمدت إستراتيجية عشرية (2011/2020) لتطوير قطاع التعليم بصفة عامة، مشيرًا إلى أن هذه الإستراتيجية تدخل في إطار نظرة شاملة للنهوض بالبلد”.

 

وأكد الوزير خلال رده على سؤال شفهي موجه إليه من طرف النائب أحمد ولد باب خلال جلسة علنية للجمعية الوطنية “البرلمان الموريتاني”، حول واقع التعليم في البلد والإستراتيجيات المعتمدة لتطويره، أن الإستراتيجية التي تم وضع أهدافها وتحديد محاورها الأساسية، تم إعدادها وتصميمها على أساس تشخيص دقيق وموضوعي يأخذ بعين الاعتبار المعوقات والواقع والأهداف الموضوعية بحسب الوسائل المتاحة.

 

واعتبر الوزير أن إستراتيجية تطوير التعليم تتضمن ثلاثة محاور أساسية ترتكز عليها السياسة العشرية للتعليم، كتحسين الولوج وتحسين النوعية والتحكم في التسيير والحكامة الرشيدة للقطاع، مما يساهم في تعزيز العرض التربوي وتنظيمه، حتى يتجاوب مع متطلبات تنمية البلد وتكوين المدرسين والتأطير عن قرب، وتحسين تسيير الخريطة المدرسية، وتوفير المستلزمات الضرورية للقطاع.

 

وأشار الوزير إلى أنهم بصدد تكوين المدرسين من خلال فتح أربع مدارس لتكوين المعلمين في جميع التراب الوطني، مما جعل طاقة الاستيعاب تنتقل من 200 إلى 1500 معلم، إضافة إلى الطاقة الاستيعابية للمدرسة العليا لتكوين الأساتذة واكتتاب 3727 مدرسًا، واقتناء 120 ألف طاولة، وتوزيع 6 ملايين من الكتب المدرسية وبناء 4400 حجرة مدرسية.

 

 

وأضاف: “إن الميزانية المخصصة للتعليم انتقلت من 35 مليار أوقية سنة 2009 إلى 47 مليار أوقية سنة 2016، وهي موجهة بنسبة 94% إلى أجور المعلمين التي زادت في إطار الزيادات العامة للأجور بصفة عامة، علاوة على زيادات أجور وعلاوات خاصة بهم”.

 

وأشار إلى أن القطاع قام بإنجاز إحصاء شامل سنة 2016، مع إعطاء تصور دقيق لوضعية المؤسسات التعليمية على كل التراب الوطني تم على أساسه وضع تخطيط وبلورة رؤية جديدة تضيف بعض التحسينات على الإستراتيجية المعتمدة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك