معوقات تعليم السوريين في لبنان.. مزاجية المدارس الرسمية وعدم الاعتراف

26 أغسطس , 2017

يعد ملف تعليم اللاجئين السوريين في لبنان من الملفات الشائكة جدًّا، التي تحتاج إلى عشرات التحقيقات لكي توضح حقيقة ما يحدث هناك من معاناة وانحدار في مستوى التعليم وصل لحد الأمية، لكن على ما يبدو فإن الطلاب السوريين اللاجئين في لبنان منذ خمس سنوات قد امتصوا صدمة اللجوء وهَجْر الديار وتَرْكِ مقاعد الدراسة مُكرَهِينَ بسبب الحرب، ليبدؤُوا بجمع أحلامهم وطموحاتهم من جديد، ويعملوا على تحقيقها عبر العودة للتعليم في مستقرهم المؤقت، حسَب تعبيرهم لفريق زدني الذي التقى عددًا من هؤلاء الطلاب.

 

لكن كما هو معروف فإن أي طالب يريد أن يحقق حلمه الدراسي لا بد له أن يتعثر مهما كان مثابرًا في دراسته، ودائمًا ما تكون هذه العثرات مرتبطة بتقصيره هو تجاه ما يسعى إليه، لكنَّ ما يواجه هؤلاء اللاجئين خارجٌ عن إرادتهم؛ فمنذ وصولهم إلى بلد الأرز بوصفهم لاجئين يواجهون المشكلة تِلْوَ الأخرى في قضايا كثيرة، ولعل أهم ما يؤرقهم منذ سنين هو صعوبة مواصلتهم للتعليم بشكل صحي وسليم في لبنان، فمَنْظُومتهم التعليمية تفتقر لقضايا أساسية كانعدام الدَّعْم إلى حدٍّ كبير، وهو الأمر الذي يؤدي بدوره إلى عدم وجود مدارس كافية للطلاب ومواصلات وقرطاسية لهم ورواتب للمعلمين والعديد غيرها، وذلك وفقًا لكلام عضو اللجنة التربوية في لبنان المشرف على مِلَف مخيمات عرسال “خالد رعد”.

 

مشاكل تحاصر المنظومة التعليمية

“خالد رعد” تحدث لفريق زدني عن مجمل العقبات التي تقف سدًّا منيعًا أمام إكمال الطلاب السوريين اللاجئين في لبنان لتعليمهم، مشيرًا إلى أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان الذين هم في سن التعليم يبلغ قرابة الـ 350 ألف طالب، يتوزعون من عرسال إلى أكروم وصيدا وبيروت وطرابلس وعكار والبقاع، وأوضح أن هؤلاء الطلاب هم من الصف الأول حتى البكالوريا وما بعدها.

ولفت “خالد” إلى أن تأمين المدارس يعد من أكبر العقبات؛ لأنهم يضطرون لاستئجار مدرسة لبنانية لكي يتعلم فيها الطلاب السوريون، وفي هذا الإطار أوضح المشرف التربوي، أن هذه المعضلة تواجههم كل عام، مُبَيِّنًا أن تكلفة الإيجار مرتفعة جدًّا، وقد تصل إلى 30 ألف دولار  في العام الدراسي الواحد.

 

وأضاف أيضًا: “أن لديهم عقبة مهمة ألا وهي المواصلات، فعملية نقل الطلاب بسبب البعد الجغرافي الحاصل بين مخيمات اللجوء والمدارس، تكلف شهريًّا من 10 إلى 15 دولارًا للطالب الواحد، وهو مبلغ كبير وغير متوافر لدى اللاجئين، ناهيك عن راتب المدرس؛ فإن تم تأمينه ندخل في حيرة، هل سيستمر طوال السنة أم هو مؤقت؟” وشدَّدَ “خالد رعد” على أن الدعم المالي هو جوهر العقبات؛ لذلك هم يسعون من جمعية لأخرى لسد حاجاتهم المالية.

كما أكد “خالد رعد” على أنهم لا يتلقون أي دَعْمٍ مالي من الحكومة السورية المؤقتة والائتلاف السوري المعارض، وأن اعتمادهم الكليَّ قائم على الجمعيات والمنظمات والمغتربين وفاعلي الخير.

 

مزاجية المدارس اللبنانية وتسرب الطلاب

يتخذ اللاجئون السوريون في لبنان تدابيرَ استثنائية لضمان حصول أطفالهم على التعليم، يشمل ذلك انتقال الآباء والأمهات إلى أماكن قريبة من المدارس التي ربما تسمح بتسجيل أطفالهم.

وبحسب بيانات رسمية صادرة عن الحكومة اللبنانية، فإن لبنان اتخذت خطوات مُهِمَّة لدمج الأطفال السوريين في منظومة المدارس الحكومية.

وتقول البيانات: إن “السلطات اللبنانية سمحت للاجئين بالتسجيل دون إبراز إثبات على الإقامة القانونية، وأعفتهم من رسوم التسجيل، وفتحت فصولًا دراسية في دوام ثانٍ بعد الظهر في 238 مدرسة حكومية لتوفير التعليم الرسمي للسوريين”.

وفي 2014 تبنَّت لبنان سياسة “توفير التعليم لجميع الأطفال” (RACE) التي ساعدته على رفع عدد الأطفال السوريين المسجلين في المدارس الحكومية إلى 158321 بحلول نهاية السنة الدراسية 2015-2016.

وفي عام 2016، تبنت لبنان خطة لتنفيذ المرحلة الثانية من السياسة نفسها (RACE II) للسنوات الخمس المقبلة بهدف تسجيل 440 ألف طفل سوري في التعليم الرسمي بحلول العام 2020-2021.

لكن على الرغم من كل هذه الجهود التي تتحدث عنها الحكومة اللبنانية، فإن عددًا كبيرًا من السوريين الذي يتقدمون بطلبات إلى المدارس اللبنانية التي تشكو ضعفًا، بغرض التعلم فيها يتم التعامل معهم بـ فوقية وعنصرية، وغالبًا ما يتم رفضها بحسب قولهم.

ويقول هشام والد الطالب ميسر (في الصف السابع) إنه سعى لتسجيل ابنه في المدارس اللبنانية، لكن دائمًا ما تقوم المدارس بتقديم الأعذار له وترفض طلبه، مُرجِعًا ذلك إلى عدم رغبة المديرين بإشراك السوريين في منظومتهم التعليمية.

ليست المشكلة هنا فقط، فأبو خلدون لم يستطع تسجيل أبنائه في المدارس اللبنانية لعدم امتلاكه لإقامة، وأوضح لفريق زدني أن لديه أربعةَ أبناءٍ لم يتمكن من إعادتهم إلى مقاعد الدراسة منذ هروبهم من مدينة دير الزور السورية قبل ثلاث سنوات، والسبب عدم وجود إقامات لديهم في لبنان.

وبحسب المشرف التربوي “خالد رعد” فإن من أهم أسباب ترك الطلاب للمدارس الرسمية واتجاههم للمدارس غير الرسمية، هي العنصرية المتبعة من قبل المعلمين اللبنانيين، إضافة إلى عدم تقديم هذه المدارس شهادات للسوريين مما تسبب بخلق فجوة بين الأهالي والمدارس لعدم وجود اعتراف بها، إضافة لانعدام أي قيمة علمية ومعرفية يتلقاها الطالب خلال دراسته بهذه المدارس.

ووسط هذه المشاكل تبرز إلى الواجهة مسألتان في غاية الأهمية أولها موضوع اللغة، التي قال عنها “خالد رعد”: “إن لها الدور الأكبر في تسرب الطلاب من المدارس اللبنانية، حيث تعتمد المناهج اللبنانية على اللغة الفرنسية بشكل أساسي في حين أن الطلاب السوريين ليس لديهم تأسيس في هذه اللغة مما شكل عقبة كبيرة لديهم”.

ثانيها مسألة المعلم المستهلَك، الذي يداوم صباحًا ومساءً، وأوضح “خالد رعد” في هذا الخصوص: “أن المعلم اللبناني غير مكترث بتعليم السوريين بشكل جيد ومهني؛ لأنه يداوم منذ الصباح الباكر حتى المساء، وهذا وقت طويل على أي مُدَرِّس؛ فبمجرد انتهاء الدوام الصباحي يكون قد فقد القدرة على الاستمرار في تعليم الطلاب”.

 

ووفقًا لما يقوله الناشط الإعلامي في مخيمات لبنان “أحمد القصير” والمطلع على شأن تعليم اللاجئين السوريين هناك، فإن تكاليف التعليم المسائي في المدارس اللبنانية تتكفل بها الأمم المتحدة، وبالتالي ليس هنالك «صدقة» يقوم بها هؤلاء الأساتذة خلال دوامهم، بينما يجعلهم غياب الرقيب غير مكترثين بنوعية التعليم.

وتابع “القصير”: “كل ما سبق دفع الطلاب السوريين للجوء إلى المدارس السورية التي جذبتهم؛ لأنها تحن عليهم، ولا تنتقص منهم، إضافةً إلى القيمة العلمية المكتملة ذات المنهج المتبع في سوريا”.

بينما يرد المعلمون اللبنانيون على تقصيرهم تجاه الطلاب السوريين خلال الفترة المسائية، قائلين:

“إن تعليم الطلاب السوريين صعبٌ؛ لأنهم بحاجة إلى ضبط أكثر من الطلاب اللبنانيين، ومع ذلك نبذل كل جهدنا، إضافةً إلى أنه يتم التأخر دائمًا علينا في الرواتب التي نتقاضاها عن دوامنا المسائي؛ لذلك نحن أمام ضغوط كبيرة ولا نستطيع تحملها”.

 

عمالة الأطفال

انتشرت ثقافة عمالة الأطفال بين اللاجئين السوريين، خاصة عندما تكون الأسرة قد فقدت مُعيلها إما مقتولًا أو معتقلًا أو مفقودًا، لذلك تضطر الأسرة لإرسال أولادها إلى أي مكان لكي يُؤَمِّن لهم قوت يومهم.

وفي هذا السياق أشار “خالد رعد” إلى أنه بسبب الظروف السابقة ظهر لدينا ما يسمى صراع الدوافع، كدافع الجوع الذي هو أقوى الدوافع عندما تصبح جميعها في نفس واحدة، لذلك تسرَّبَ الأطفال من المدارس، واتجهوا للعمل لكسب قوتهم اليومي في ظل الفاقة المجتمعية التي يعيشونها.

 

تحذيراتهيومن رايتس ووتش

حَضَّتْ منظمة “هيومن رايتس ووتش” من جانبها في تقرير لها بتاريخ الثلاثاء 19 تموز/يوليو 2016، الحكومة اللبنانية على “ضمان تنفيذ جيد لسياسته الإيجابية لإلحاق الأطفال السوريين بالمدارس، ومحاسبة المتورطين في العنف في المدارس”، فضلاً عن “مراجعة شروط الإقامة والسماح لمن نفدت تصاريح إقامتهم بتجديدها”.

وحذرت المنظمة من أن: “العدد الكبير للأطفال اللاجئين الذين لا يحصلون على تعليم يُعتبر أزمة قائمة”، مشيرةً إلى أن: “بعضهم لم يرتادوا المدرسة منذ قدومهم إلى لبنان قبل خمس سنوات، وبعضهم لم يدخلوا أي صفوف دراسية قط”.

وبحسب المنظمة فإن الأطفال الأكبر سنًّا هم الأكثر تأثرًا، إذ أن “نسبة الأطفال المسجلين في المدارس الثانوية الحكومية ممن تراوح أعمارهم بين 15 و18 سنة في العام الدراسي 2015-2016 لا تتجاوز ثلاثة في المائة”.

كما دعت إلى “السماح للسوريين بدخول سوق العمل، بما في ذلك تمكين المعلمين السوريين المؤهلين من تدريس الأطفال اللاجئين”، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن لبنان يحتاج إلى “دعم مالي دولي أكبر ليستجيب لحاجات اللاجئين السوريين التعليمية”.

 

مبادرات سورية:

لم يقف اللاجئون السوريون مكتوفي الأيدي أمام هذه الصعوبات التي استشعروا مبكرًا أنها قد تؤدي إلى خَلْقِ جِيلٍ غيرِ متعلمٍ وأُمِّيٍّ من السوريين؛ فبادروا للبحث عن حلول لوقف تفشي الجهل بين الأطفال والطلاب الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس اللبنانية.

“مصطفى الحاج” مشرف على مدارس طيور الأمل للاجئين السوريين، التي تم افتتاحها في مدينة طرابلس اللبنانية (واحدة من بين العديد من المدارس التي افتتحت لتعليم السوريين) قال لفريق زدني: “إن مدارسهم أنشِئَتْ بمبادرة سورية ذاتية بدأت عام 2013 وتضم 350 طالب سوري”.

وأردف “حاج” قائلًا: “واجهنا بعض الصعوبات بسبب عدم وجود الدعم من المنظمات الدولية والدولة اللبنانية، ونحن الآن نعمل بجهود التبرعات من الخَيِّرِينَ من دولة الكويت وغيرها.

وأشار إلى أنهم قاموا بتعليم 350 طالبًا في العام الدراسي 2013 – 2014 من الصف الأول حتى الصف الثامن، وبعد كسبهم لثقة الأهالي الذين سارعوا لوضع أبنائهم في هذه المدارس، استطاعت مدرسة طيور الأمل في العام الدراسي 2014 –2015  من تعليم 1000 طالب، ليتضاعف العدد في العام الذي بعده ( 2015 -2016)  ويصل لـ 2200 طالب، واستمرت المدرسة في هذا النهج حتى تمكنت في العام الدراسي الحالي من تعليم 2800 طالب، اعتبارًا من الأطفال في الروضات حتى طلاب الثالث للثانوي.

وأوضح “الحاج” لفريق زدني أنهم يشركون الأهل في عملية التدريس، وأنهم يدرسون الآن المنهاج اللبناني المعرب من صف الأول حتى صف السادس الابتدائي، أما باقي المراحل فيعلمون فيها المنهاج السوري الذي يأخذون به شهادة من الحكومة السورية المؤقتة (تابعة للمعارضة).

ولفت إلى أنه يوجد في مخيمات شمال لبنان للاجئين السوريين قرابة الـ5000 طالبًا يحتاج للتعليم، وقال في هذا السياق إنهم تمكنوا من استهداف 2800 طالبٍ منهم، في حين أنه يوجد في المدارس اللبنانية الرسمية 1500 طالب، أما ما تبقى فموزعون بين المدارس اللبنانية الخاصة أو متسربون عن الدراسة بسبب العمل أو أن الأهل أخرجوهم من المدارس لصعوبة التكاليف.

ومن الناحية الإدارية يؤكد أصحاب هذه المبادرات على أنهم قادرون على إدارة أمورهم التعليمية بشكل سليم يوازي عمل منظومات تعليمية في العديد من الدول.

 

في ظل عدم الاعتراف… طلاب ينشدون الأمل

“عبير القبلاوي” طالبة في الثالث الثانوي، تعاني وأقرانها من مشكلة عدم الاعتراف بدراستهم في لبنان والعديد من الدول الأخرى.

وأكدت عبير لفريق زدني: “أنها لجأت لمدارس رسمية عدة في لبنان، ولكنها واجهت صعوبات عديدة على رأسها جنسيتها العربية السورية، ووجودها في لبنان بصفة لاجئة” مشيرةً إلى التمييز الكبير بينها وبين الطالب اللبناني في المدارس اللبنانية.

عبير القبلاوي تدرس الآن في مدارس طيور الأمل التي تقول عنها: “أنها احتضنتها وأعطتها أملًا جديدًا” لكن الخشية من عدم الاعتراف بدارستها هو ما يؤرقها.

أما “آلاء سلوم” (ثالث ثانوي علمي) والقادمة إلى لبنان بوصفها لاجئة منذ 4 سنوات، قالت لفريق زدني: “بعد فترة انقطاع طويلة عن الدراسة بسبب الحرب في سوريا، حاولتُ أن أكمل تعليمي وأدرس في المدارس الرسمية اللبنانية، لكنني لم أستطع؛ لأن المنهاج اللبناني صعب وقائم على اللغات الأجنبية، ونحن في سوريا لم نتأسس على اللغات الأجنبية”.

لجأت “آلاء” إلى المدارس السورية التي فتحت أبوابها واستقبلتهم وساعدها أساتذتها على تخطي الانقطاع عن الدراسة، وهي الآن سعيدة، وتتعلم المنهاج السوري الذي أكدت أنه ليس ضعيفًا بل على العكس، ولم تُخْفِ طالبة البكالوريا خشيتها من المستقبل القريب حيث ستواجهها المشكلة الأكبر وهي مرحلة ما بعد الشهادة الثانوية.

وأوضحت قائلة: “شهادتنا غير معترف بها والأفرع التي نرغب في دراستها غير موجودة في لبنان، وكثير من الطلاب لم يتمكنوا من دخول الأفرع التي يرغبونها” متمنية أن يتم الاعتراف بشهادتها لكي تتعلم ما تحب، وتكون على الاستعداد لبناء بلدها سوريا.

 

يقول مراقبون لمشهد تعليم اللاجئين السوريين في لبنان:

“إنه من صالح لبنان والمجتمع الدولي تفادي وضع يُحرَمُ فيه آلاف اللاجئين السوريين من التعليم؛ حيث لن يستطيعوا التعايش مع مضيفيهم اللبنانيين، ولن يلعبوا دورًا إيجابيًّا في إعادة بناء سوريا مستقبلًا حين عودتهم”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك