مُعَلِّمَاتُ رِيَاضِ الْأَطْفَالِ فِي غَزَّةَ تَحْتَ سِيَاطِ الْفَقْرِ

28 نوفمبر , 2017

تعمل المعلمة الفلسطينية (ريهام بدر) لمدة خمس ساعات يوميًّا في روضة من رياض الأطفال التي تعمل على تهيئة الطلاب استعدادًا لانتقالهم للمرحلة الدراسية الابتدائية الأولى في حياتهم، في الوقت الذي لا يتجاوز راتبها الشهري مبلغ 120 دولارًا أمريكيًا كونها أمضت 7 سنوات في هذه المؤسسة.

وتعتبر بدر كغيرها من المعلمات العاملات في مجال رياض الأطفال اللواتي يتراوح راتبهن الشهري من 80 إلى 150 دولارًا أمريكيًا، بالرغم من المجهود المضني الذي يبذلنه مع عشرات الطلاب يوميًّا لتعليمهم وتهيئتهم بشكل يمكنهم من الاستجابة مع المنهاج الدراسي المدرسي.

ويعاني قطاع رياض الأطفال في قطاع غزة المحاصر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، من غياب الدور والإشراف الحكومي الرسمي عليه؛ إذ يقتصر الدور الحكومي على منحه التراخيص اللازمة في الوقت التي تعتبر هذه المؤسسات قطاع خاص تتدبر أمورها المالية بشكل خاص.

 

رواتب متدنية:

وتقول ريهام بدر لـ “فريق زدني” إنها عملت منذ 7 سنوات في مجال التدريس برياض الأطفال في غزة؛ لكونها لم تجد فرصة عمل حقيقة لها بعد إنهائها دراستها الجامعية نظرًا لارتفاع معدلات البطالة وغياب التوظيف الحكومي بفعل الانقسام الفلسطيني المتواصل منذ عام 2007.

وتشير إلى أن إدارة المؤسسة التي كانت تعمل بها استغنت عنها فورًا عقب تخرج ابنة مديرة “الروضة” من الجامعة وحلت للعمل بدلًا عنها في الوقت الذي لا توجد أي حوافز مالية أو مكافأة لنهاية الخدمة كما تنص قوانين العمل المعمول بها في الأراضي الفلسطينية.

وتنوه إلى أن إجمالي ساعات العمل اليومية يصل إلى 5 ساعات يوميًّا في الوقت الذي من الممكن أن يصل إجمالي راتب المعلمة التي وصل عدد سنوات عملها في المؤسسة لأكثر من 10 سنوات إلى 500 شيكل إسرائيلي في بعض الأحيان ما قيمته 150 دولارًا أمريكيًا.

 

أما المعلمة (سمر مصطفى) فلم تكن أفضل حالًا عن سابقتها؛ إذ تعاني من انخفاض راتبها بالرغم من عملها اليومي، ومضي عدد من السنوات على التحاقها بإحدى رياض الأطفال المحلية في القطاع كونها لم تجد فرصة عمل بعد أن أنهت دراستها الجامعية هي الأخرى.

ويصل متوسط عدد خريجي الجامعات المحلية في القطاع المحاصر إسرائيليًّا للعام الحادي عشر على التوالي نحو 10 آلاف خريج سنويًا، 80 في المائة منهم من التخصصات الأدبية، و3% تخصصات مهنية وحرفية، و17% تخصصات علمية.

وتقول سمر لـ “فريق زدني” إن إجمالي راتبها الشهري لا يتجاوز 110 دولارًا أمريكيًا، بالرغم من المجهود المتعب الذي تبذله هي ونظيراتها من المعلمات سواء في مؤسستها أو غيرها من المؤسسات التي تمنح رواتب متدنية للمعلمات العاملات في رياض الأطفال.

وتضيف أن واقع العمل في رياض الأطفال في القطاع يعتبر صعبًا للغاية وسيئًا؛ لكونه لا يوفر أي حوافز أو ضمانات مالية حقيقة للعاملين فيه إلا أنه يوفر فرصة عمل بدلًا من الانضمام إلى قوافل البطالة التي غرق بها الآلاف من خريجي الجامعات والكليات في غزة.

وتطالب المعلمة الفلسطينية بضرورة أن يكون لوزارة التربية والتعليم تدخلًا واضحًا للعمل على إنصاف العاملات في رياض الأطفال ومحاولة تلبية جزء من احتياجاتهم المالية في ظل غياب التوظيف الحكومي والعمل على توفير حوافز وتحسين الأوضاع الخاصة بهن.

 

أسباب تدني الأجور:

في هذا السياق تُرجِع مديرة إحدى رياض الأطفال المحلية في غزة (أم لؤي زعيتر) أسباب انخفاض الرواتب الممنوحة للمعلمين إلى الوضع الاقتصادي المتدني الذي يعيشه القطاع، والظروف الاجتماعية الصعبة التي تعصف بأكثر من مليوني مواطن غزي.

وتتابع زعيتر في حديثها لـ “فريق زدني”:

“بسبب الوضع الاقتصادي المتدني يقوم الأهالي بعد تسليم الزي وكل ما يتعلق بالروضة بسحب أبنائهم من الروضة، وبالتالي الروضة تخسر المال ونضطر بسبب عدم دفع الرسوم من قبل الأهل لتغطية الرسوم من مالنا الخاص”

 

وتكمل بالقول: “لذلك لا نقوم بدفع رواتب كثيرة وهيا لا تتجاوز 400 شيكل للمعلمة ذات الخبرة، بالإضافة إلى أنه لا يوجد اهتمام من التعليم العالي للروضات العادية بمعنى أنه لا تقوم الوزارة بدعم القطاع الخاص وبالتالي يصبح الدخل متدني وبالتالي فالأجور التي يتقاضها كل من المعلمين حتى مدراء رياض الأطفال الموجودة والعاملة في القطاع متدنية للغاية”.

 

أثر نفسي وتربوي:

يؤكد أستاذ علم النفس التربوي في جامعة الأقصى الحكومية بغزة (درداح الشاعر) أن لانخفاض رواتب المعلمات والمعلمين العاملين في مجال رياض الأطفال أثر نفسي ينعكس على طبيعة الجهد المقدم لصالح الأطفال؛ لكون العائد المادي لا يتوافق مع احتياجاته اليومية.

ويوضح الشاعر لـ “فريق زدني” أن: “الأجر هو أحد الدوافع للعمل والانجاز، وإذا كان الأجر متدنيًّا وانشغل المعلم وفكره بالراتب المتدني سيظل يفكر في الاحتياج المالي والمادي وبالتالي شعوره بالسعادة والرضا سيزول وهو يعمل في تربية الأطفال في رياض الأطفال”.

ويشدد أستاذ علم النفس على أن الأصل في الراتب أن يكفيه التسول أو البحث عن فرصة عمل، في الوقت الذي لا يتجاوز إجمالي الرواتب 100 دولار في بعض الأحيان وهو رقم لا يكفي لإشباع الأشياء الأساسية كالكساء للمعلمات فقط دون باقي الطلبات الأخرى.

ويستطرد الشاعر بالقول:

“انخفاض الراتب وتدني العائد المالي للمعلمات في رياض الأطفال سيعمل على خلق حالة من الخوف من المستقبل، والقلق، والتوتر، والاحتراق الوظيفي، وهذا ينعكس مع تفاعل المعلمة اليومي مع الطلاب خلال ساعات عملها”.

 

وتنتشر عشرات رياض الأطفال داخل القطاع الذي لا تتجاوز مساحته 365 كيلومتر غالبيتها حاصل على ترخيص للعمل من قبل وزارة التربية والتعليم، إلا أن جميعها عبارة عن مشاريع خاصة ذات طابع استثماري في بعض الأحيان في الوقت الذي تتبع مؤسسات منها لصالح مؤسسات وجمعيات خيرية تتلقى دعمًا خارجيًّا.

وبحسب تقارير لمؤسسات أممية وأخرى شعبية فإن متوسط دخل الفرد اليومي في القطاع لا يتجاوز دولارًا أمريكيًّا، في الوقت الذي تعتمد 80 % من الأسر الغزية على المساعدات التي تقدمها المؤسسات الإغاثية الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية.

إجراءات حكومية:

تؤكد وزارة التربية والتعليم العالي في غزة على القيام بسلسلة من الإجراءات الحكومية فيما يتعلق برياض الأطفال العاملة في القطاع من شأنها تحسين الواقع ولو بشكل طفيف لصالح المعلمات العاملات في هذه المؤسسات عبر سلسلة من القرارات والاتفاقيات.

وفي هذا الإطار يقول مدير عام التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم (د. محمد صيام): “إن مشكلة تدني أجور المعلمات العاملات في رياض الأطفال هي مشكلة قديمة، وليست حديثة، وترجع لعدة أسباب منها عدم التزام الأهالي بتسديد الرسوم الخاص لهذه المؤسسات بفعل الأوضاع المعيشية.”

ويوضح صيام لـ “فريق زدني” أن وزارته أنجزت خلال الفترة الماضية سلسلة اتفاقيات مع وزارتي الصحة والعمل من أجل التخفيف عن العاملين في رياض الأطفال عبر استصدار تأمين صحي خاص لهم والسماح لهم بالتقديم للحصول على مشاريع التشغيل المؤقت مراعاة لظروفهم.

ويلفت المسؤول الحكومي النظر إلى أن وزارته تعكف مع وزارة العمل على القيام بتحديد حد أدنى لأجور المعلمات العاملات في رياض الأطفال والمسؤولين عن هذه المؤسسات يراعي الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه سكان القطاع.

ويلفت إلى أن عدم وجود دعم مالي حكومي خاص لهذه المؤسسات يعود لكون رياض الأطفال عبارة عن قطاع خاص يعمل على تدبر نفسه بنفسه في الوقت الذي تعمل وزارة التربية والتعليم على محاولة توفير بعض اللوازم كألعاب الأطفال وغيرها من الأدوات عبر بعض المؤسسات المانحة.

ويشير إلى أن هناك صعوبة في الحصول على تمويل أو دعم للكثير من رياض الأطفال؛ لكون المؤسسات الدولية والمانحة تتعامل معها على أنها قطاع خاص ومشاريع استثمارية في بعض الأحيان، بالرغم من جهود وزارة التربية والتعليم في محاولة توفير بعض الدعم اللوجستي لها.

ووفقًا لإحصائيات وزارة التربية والتعليم فإن نحو 680 مؤسسة تعمل رياضَ أطفال في القطاع جميعها مرخصة من قبل المؤسسات الحكومية المختلفة بما فيها الوزارة، حيث انخفض عدد المؤسسات غير المرخصة لأكثر من 70% عما كان عليه في السابق.

ويعاني قطاع التعليم في القطاع من آثار الحصار الإسرائيلي المفروض على المدينة منذ عام 2006، حيث يحتاج هذا القطاع إلى موازنة تشغيلية ورواتب منتظمة، في الوقت الذي يتحصل المعلمون في المدارس على رواتب لا تزيد عن 50 % فقط بفعل الأزمة المالية التي تعاني منها وزارة المالية في غزة وعدم اعتماد حكومة التوافق لهم، في ضوء الخلافات السياسية الدائرة في الأراضي الفلسطينية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] تتدبر أمورها المالية بشكل خاص، بحسب ما تراه شبكة “زدني” للتعليم التي أجرت حواراً مع عددٍ من المعلمات لتقف […]

[…] تتدبر أمورها المالية بشكل خاص، بحسب ما تراه شبكة “زدني” للتعليم التي أجرت حواراً مع عددٍ من المعلمات لتقف […]

أضف تعليقك