أولادنا والعيد.. لا تغفلوا الجانب الروحي

19 أغسطس , 2018

كنت أضع ملابس العيد إلى جانبي قبل النوم أحلم بها، أنتظر شروق الشمس بشوق حتى ألبسها وأتباهى بها مع أقراني، وألعب وألهو لا ألقي للدنيا بالًا، ولا أعرف للهموم والمشاكل أشكالًا؛ وأقصى سبب لحزني كانت إن حصلتُ على عيدية أقل مما أرجو، أو إن لم يوافق والدي على الذهاب للمراجيح مع الأصدقاء أو شراء الحلوى بالكمية التي أرغب.. هذه بعض ذكرياتي مع العيد، ولا بد أن جَعبتكم ملأى بالذكريات السارة المبهِجة.

 

وها نحن على أبواب عيد الأضحى المبارك وأيام العيد، فلنتحدث قليلًا عن أولادنا والعيد.. فالأعياد تشكل مناسبة جميلة ومشوقة ينتظرها الصغار والكبار. ففيها يتجلى معنى الفرح والبهجة والسرور، وإن لنا –نحن المسلمين- عيدين (عيد الفطر وعيد الأضحى)، وهما من شعائر الله المقترنة بالعبادات، فالفطر مرتبط بانتهاء شهر الصوم، والأضحى مقترن بالحج.

 

هي مناسبات يحتفل فيها المسلمون ويتجمّعون ويُظهرون الفرح والسرور، ينتظرها الأطفال بفارغ الصبر فهي أيام يفرحون فيها ويلعبون ويلهون، ومما يجعلها مميزة الملابس الجديدة والألعاب والحلوى والزيارات وأحيانًا الرحلات والنزهات، أي فيها خروج عن مألوف الأيام، وكل هذا مطلوب. ولكن هنا نقطة هامة أود لفت النظر إليها سواء لي أو لكم: وهي عدم جعل العيد يقترن في عقول أولادنا فقط بهذه الأمور، حتى لا يصبح مفهوم السعادة عندهم مقترنا فقط بتحقيق الحاجات المادية، بل إن هناك جانبًا مهمًّا وأساسيًّا يجب عدم إغفالُه وهو الجانب الروحي للسعادة..

 

الصلة الروحية مع الله سبحانه وتعالى؛ إذ يجدر بنا أن نعلمهم معنى العيد وكيف يقترن بالعبادات، نعلمهم أن عيد الفطر سُميَ بيوم الجوائز، لأنَّ العامل إذا فرغ من عمله كوفئ على قدر جهده، وإن من صام رمضان وقام لياليه بالتلاوة والذكر بذل في هذا الشهر جهدًا مضاعفًا يفوق سائر الشهور، فاستحق الجائزة من الكريم سبحانه، وكذلك الحال في عيد الأضحى، فالحاج يكون قد بات في (مِنى) ووقف على صعيد عرفات، وفارق الأهل والوطن وسهر ليله بالدعاء والاستغفار، فاستحق المغفرة والخروج من الذنب كيوم ولدته أمه، بالإضافة إلى تذكيرهم باستعداد أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بالتضحية بابنه إسماعيل إجابةً لأمر ربه وانصياعا له وبدون أن يتردد مع أنه ابنه الوحيد وفلذة كبده.

 

واسمحوا لي هنا بالتساؤل: من منَّا يعلم أطفاله ويربيهم على معاني العيد الروحية هذه! من منا يربي أبناءه على الرضى بما قسم الله له من رزق سواء حين شراء ملابس العيد أو طعامه أو عدم استطاعته شراءها! وأنها أرزاق قسمها رب العزة، فهناك من هم أحسن منا ماديًا، وأيضًا هناك من هم أقل منا ماديًا، وأن هذا لا يتنافى مع السعي لهذا الرزق بالحلال.

 

من منّا يكون قدوة لأبنائه خاصة النساء في استثمار الأيام الأخيرة ما قبل هذه الأعياد- العشرة الأواخر من رمضان، والعشر أو التسع الأوائل من ذي الحجة في العبادة والصلاة والاستغفار وعمل الخير والحث على الصدقة، بدل صرفه في الأسواق والتحضيرات المبالغ فيها للأعياد، مَن منَّا تصطحب أولادها وبناتها لصلاة العيد التي هي سنة مؤكدة حتى على النساء!

 

إذن.. لماذا لا نغرس في أولادنا مفاهيم الإسلام الصحيحة، ونعلمهم معاني العيد فعلا!

 

نعلمهم ونحن نرى المصلين في المساجد والحجيج في مكة أن المسلمين قوة لا تقهر إذا وحَّدوا كلمتهم، ونبذوا خلافاتهم.

نعلمهم ونحن نشتري الأضحية أو نذبحها هذه السنة المؤكدة وقصة سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل والعبرة منها.

نعودهم على إحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التهليل والتكبير والتحميد سواء في البيت أو الطرقات أو الأسواق.

 

نعلمهم ونحن نشتري لهم الملابس الجديدة أنَّ في الأمة أطفالًا مثلهم لا يجدون ما يسترون به عوراتهم أو ما يرتدونه في مثل هذه الأيام، وأن هناك من فقدوا آباءهم وأمهاتهم وبيوتهم في سوريا وغزة وبورما وغيرها ليشعروا بآلام الآخرين وأوجاعهم وبهموم الأمة، وأن هناك فقراء ومحتاجين علينا أن نذكرهم ونفكر بهم وبكيفية مساعدتهم وإدخال السرور عليهم، وكيف أن هذا البذل والعطاء والإخاء يشعرهم بالسعادة فيشعرون بغيرهم وليس فقط بأنفسهم.

 

باصطحابنا لهم في الزيارات نشعرهم بأهمية صلة الرحم، وضرورة التواصل والتسامح مع الأهل والأصدقاء والجيران ونبذ الخلافات والبغضاء وأن يحل محلها التوادد والتعاطف والمحبة، وأن كل هذا يقربهم من الله.

نعلمهم أن للعيد طعمًا آخر حقيقيًا يكمن في العطاء لوجه الله، ورسم الفرحة على وجوه غيرهم، ولو بالقليل.

 

بهذا كله يكون المعنى الحقيقي للعيد؛ وليس فقط شكليات ومظاهر تخلو من الإحساس والفكر، متشبثين فيها بالدنيا فقط، فديننا الحنيف حث على إظهار الفرح والسرور في الأعياد فكيف لو كان هذا الفرح والسرور حقيقيا ملموسًا!

اللهم اجعل هذا اليوم قريبًا؛ لنعيش تلك الأعياد فعلًا وحقيقة.. وتقبل الله الطاعات، وكل عام ونحن وأنتم لله أقرب.. وعيد مبارك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك