الطفل العبقري بين آينشتاين وغاندي وآخرين!

28 يناير , 2018

يَقِفُ وسط الطريق طفلٌ صغيرُ الجسدِ دونَ الرابعةِ من عُمُره، لا يعبأُ بالمارة من حوله، ولا يعبأُ بنداءات أبيه القادمة من ورشته الصغيرة. جُلُّ اهتمامِهِ كان مركَّزًا على بوصلةٍ يمسكها بكَفِّهِ البَضِّ الصغيرِ، ولا يكاد كفُّهُ يُطبِق عليها، ينظر إلى إبرَتها المغناطيسية وعَوْدَتها دائمًا نحو الشمال لا تحيد. مهما يدور بها حتى يُنهكه التَّعَبُ مهما يُخبِّئُها في جيبه، ويختبئ بها بعيدًا حتى تتوه، ولا تدري أين مكمنها، دائمًا ترتد إلى الشمال ينظر إليها تارةً وإلى السماء تارةً أخرى، ويَهُزُّ البوصلة بين يديه بخَرَقٍ طُفُوليٍّ.

 

من يوم أن أهداها له والده وهو يتسائل عن كُنْهِ القُوى التى توجه تلك الإبرة الصغيرة، وتمنعها من الانحراف؟! هل ذلك التساؤل كان البداية؟ لا نعلم بالتحديد، غير أن ما نعلمه أنه بعد سنوات من الكَدِّ والتعلُّم والعمل أدرك هذا الطفل المدعو (ألبرت آينشتاين) أن الفضاءَ ليس فارغًا وأن القوى التى تحرك إبرة البوصلة المغناطيسية ليست عبثيةً على الإطلاق.

 

 

 دور الأم:

يُذْكر عن (بوتليباي غاندي Putlibai Gandhi) والدة السياسي الشهير (المهاتما غاندي Mahatma Gandhi) يُذْكَرُ أنها كانت يومًا بعد يوم، وفي كلِّ صباح، تُقبل جبهةَ كلِّ واحدٍ من أطفالها، وتُلَقِّنُهُ أن يَظَلَّ يُردِّد طيلة نهاره بينه وبين نفسه تلك الكلمات البسيطة ظاهريًا العميقةَ المعنى والتأثير:

“أنا حُرٌّ، أنا شجاع، سأقول الحقيقة دائمًا، هكذا تتعلمون أن تسيطروا على ذواتكم”.

 

صَدَى تلك الكلمات ظلَّ يتردَّد بين جَنَبَات العقل العظيم لصاحب الجسد النحيف المهاتما_أي المحترم_ (موهنداس كرمتشند غاندي Mohandas Karamchand Gandhi).

 

لا شك أن الأمَّ هي أولُ ما يتبادر للأذهان عند ذكر أُسس التربية والحث على تنمية مهارات وقدرات الطفل المتنوعة، وهذا الأمر من الأهمية؛ بحيث يكاد يكون المحورَ الأساسَ الوحيد الذي يقيم مبادئ وأسسًا مستدامة يسير على نهجها الطفل فترةً طويلة.

 

الثقة هي أول ما يبحث عنه الطفل:

يحضرنا هنا مثال يُذكر عن أحد عباقرة التاريخ المخترع صاحب الألف اختراع (توماس إديسون Thomas Alva Edison)، يخبرنا عن والدته أنها وَثِقَتْ به عندما سَخِرَ منه أصدقائه، وعندما نعته معلمه بـ“الفاسد”؛ فإنه مِن غير الأم كيف كان من الممكن أن يعطى الدعم والثقة في موقف مماثل!

 

كُوني على ثقة من طفلك ومن قدراته، وأعطيه الدعم دائمًا واستمعي إليه؛ فإن أُولى محاولاتنا لدعم أطفالنا تكون بالتفهم والثقة والاستماع.

 

التعسر الدراسي ليس النهاية دائمًا:

 

وبِذِكر (إديسون) نُورد ما ذُكر عنه بوصفه طفلًا غريبَ الطباع، بطيءَ التعلُّم، يُجري تجارب غريبة على أصدقائه، وينعتونه بـ”الأحمق”، ويُضجِر معلِّمَه من كثرة الأسئلة؛ فينعته بـ”الفاسد” فتُدَافِع عنه والدتُه (نانسي إديسون Nancy Edison) وتلقنه الدروس في المنزل، وتشجِّعه على القراءة، وبذكاء أمومي تكشف الحجُبَ عن بواطن عبقريته ومكامن ذكائه وقدراته وبفضلها يصبح (توماس إديسون) صاحب الألف اختراع.

 

نذكر أيضًا (ألبرت آينشتاين Albert Einstein) واحد من أعظم العقول على مر التاريخ.

كان طفلًا بليدَ الذهن، متأخر النطق فلم ينطق من الكلمات شيئًا قبل سن الرابعة، وفي السابعة كان ينطق بضع كلماتٍ محدودة.

وفي الدراسة كان يجد صعوبة في استذكار اللغات والمواد الأدبية، أما الجبر فكان عدوَّه اللدود.

 

وعن (غاندي) نرى أنه كسابقيه (إديسون وآينشتاين) يقول (غاندي) عن نفسه: “أتذكر اجتيازي بشيء من الصعوبة امتحان جدول الضرب، وذهني كان خاملًا، وذاكرتي فَجَّة”.

 

إذن كما سبق وأن ذكرنا أن التعسر الدراسي لا يَحكُم حكما نهائيًّا على ذكاء الطفل أو غبائه، غير أنه تنبيه لولي الأمر؛ ليبحث بحرص عن ميول طفله واهتماماته، مع قدر لا بأس به من الصبر والمتابعة المستمرة.

 

“الطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة، هو طفل لم يتعلَّم”

(جورج سانتيانا، كاتب وشاعر إسباني Jorge Agustín de Santayana)

 

 

“عندما أتحدث مع طفل؛ فإن هذا يثير في نفسي شعورين: الحنان لما هو عليه، والاحترام لما سوف يكونه”

(لويس باستور ،عالم كيميائي فرنسي Louis Pasteur)

 

كيف نربي طفلًا عبقريًّا ؟:

 

من منا لا يرغب أن يرى طفله شخصًا سويًّا وذكيًّا، ويفيد نفسه ومجتمعه، ويستغل مواهبه؟ جميعنا بالطبع نرغب في هذا، وللإجابة يجب مراعاة خطوات بسيطة، وأيضًا على نهج بعض لمحات من طفولة العباقرة في مجالات متنوعة.

 

أولًا: اكتشاف موهبة الطفل وميوله:

يتحقق ذلك بمراقبة الطفل في أثناء ممارسة الأنشطة المختلفة كالرياضة، القراءة، الاستذكار، محور حديثه مع الآخرين كإخوته وأقرانه، وفي أثناء اللعب أيضًا. والتمتع بالذكاء الكافي للملاحظة.

 

نذكر هنا مثالًا أيضًا، هو الموسيقي العظيم (موتسارت Wolfgang Amadeus Mozart)

بدأ (موتسارت) العزف وهو في سن الرابعة، وفي الخامسة بدأ بتأليف قطع موسيقية والتي كان يعزفها لوالده الذي كان يدونها على الورق، وفي سن السادسة بدأ في المشاركة في الحفلات.

ذلك مثال على موهبة مبكرة لا بد أن كان لها داعم هو الأب أو الأسرة بالتأكيد.

 

ثانيًا: التساؤل والتحاور هو بداية المعرفة:

لا تمنع طفلك من التساؤل، ولا تسرق منه بهجة الاندهاش بالمعرفة، دعه يتساءل، وابحث معه وعلمه التدوين والتوثيق. كما أن التحاور يفتح سبلًا، ويطرق مناطق مختلفة في عقل الطفل، وذلك من خلاله ينمي ذكاء الطفل، ويحسن أسلوب حديثه أيضًا.

 

التشجبع وإعطاء الفرصة للتجريب:

تشجيع الطفل على اختيار حر، والثقة في اختياره واحتواؤه من أهم مراحل تنشئة طفل ذكي وسوي.

كما يجب البعد عن التحقير والسخرية من اهتماماته، مهما كانت مختلفة أو تتعارض مع نموذجنا الأمثل عن التفوق. يجب أن يُعطى الفرصة كاملة للاختيار مع مراقبة واعية ودعم من ولي الأمر والتوجيه الذكي إذا لزم الأمر دون إرغام أو فرض.

 

التنسيق بين المدرسة والمنزل:

رغم أن دور الأسرة مهم ومحوري، غير أن دور المدرسة والمعلم لا يقلُّ أهميةً بأية حال؛ فالمعلم كالأم، عليه دور في اكتشاف ميول الطفل واهتماماته وتقديم الدعم إن أمكن في سياق أنشطة طلابية وما إلى ذلك، ما من شأنه تقديم نموذج وشخصية ناجحة للمجتمع.

 

القراءة والتكنولوجيا:

في عصر يدعى عصر (الإنترنت) وتشملنا فيه كل تلك الأجهزة اللانهائية برعايتها غير المرغوبة في كثير من الأحيان. قد يخفى علينا الدور العظيم للقراءة.

 

القراءة زراعة لا تخيب، ودائمًا تأتي بثمارها على المدى القريب والمدى البعيد كذلك، ازرعوا في أطفالكم وتلاميذكم حب القراءة، وثقافة اختيار كتاب، واتخاذ الكتاب رفيقًا لا يُضل صاحبه أبدًا.

 

كما يجب استغلال ما بين أيدينا من أجهزة حديثة مختلفة، هناك الكثير من التطبيقات الهادفة النافعة والمسلية أيضًا لا تسبب ضَجَرًا للطفل ولا لولي أمره، وتجعل عملية التلقين والتعلم ممتعة ويسيرة.

 

وفي الختام لا يخفى علينا أن تربية الطفل ليست بالأمر الهين، وتنشئته بشكل واع؛ ليصبح فردًا سويًّا وذكيًّا، تتطلب الكثير من الجهد والوقت والصبر الكثير منه إن أردنا الدقة.

 

ولا ننسى قول حبيبنا خير الخلق رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

 

المصادر:

1- المكتبة الوطنية الفرنسية http://data.bnf.fr/11901607/albert_einstein.

2- كتاب (غاندي الإنسان) للكاتب (إكناث إيثوران Eknath Easwaran) ترجمة غياث جابر، دار معابر للنشر والتوزيع، طبعة أولى 2013.

3- Edison) by Matthew Josephson 1959)

4- (الطفل الموهوب والطفل بطيء التعلم) توما خوري، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك