عن السم الذي يدسه الآباء في حياة أبنائهم!

16 سبتمبر , 2018

أبي لا يعرفنا على وجه الحقيقة

ليس من الغريب أن يعتقد الأطفال أن ما يعايشونه في بيوتهم من حب أو هجر، من اطمئنان أو خوف، من استقرار أو تذبذب، من احترام أو إهانة، يعتقدون أن هذا هو الحال الثابت في جميع البيوت الأخرى على وجه الأرض؛ فلا يلحظون السلوكيات السامة التي قد يبثها آباؤهم أو أمهاتهم، عمدا أو خطأ، في حياتهم إلا متأخرا بعد أن تكون قد تحكمت فيهم، وأثرت في مستقبلهم وحياتهم بعد البلوغ.

وغالبًا ما يلقي المجتمع بعبء التربية كاملًا على الأم؛ باعتبارها نبع الحنان والأنس والصدر الذي يضم الصغير ويتغاضى عن زلات الكبير. وغالبًا ما يؤثر الأب القيام بدور التمويل الجسدي على العاطفي والنفسي؛ فإذا كبرت إحدى بناته لتصاحب هذا وتحب ذاك ألقي باللوم على الأم. وإذا شب الولد مدمنًا للكحوليات ألقي باللوم على الأم أيضًا!

والواقع أن هذا النمط من التفكير ينم عن الكثير من الجهل؛ فسيطرة الأم على جزء كبير من التربية بشكل فطري لا يعني أن الدور بأكمله يقع على عاتقها، ومهما قلت أهمية دور الأب في التربية فهذا لا يعني أنه ليس من أهمية لدوره على الإطلاق.

ويتراءى لي أن انغماس الرجل بشكل عام في الحياة المادية يكسبه نوعًا من الغلظة والعصبية؛ فهو مهموم مشغول البال طوال الوقت بتوفير المبلغ المناسب في نهاية الشهر ليعول أسرته التي تزداد مطالبها يومًا بعد يوم نتيجة زيادة عدد الأولاد أو ارتفاع الأسعار أو كلا السببين. فإن كان انغماسه هذا الذي لا مفر منه مصحوبًا بجهل ببقية دوره في المنزل، نشأ عن ذلك سلوكيات تهدم عملية التربية بأكملها وتدس السم في نفسية الطفل الخصبة التي لم تلبث بعد أن تتشكل؛ فمن هذه السموم مثلًا فرض صورة بعينها لمستقبل الطفل فلا يكون للشخص في نفسه قيمة إلا إذا قام بما يفرضه عليه أبوه وإن كان بعيدا كل البعد عن رغبة الطفل وإن كان مقيدا لحريته وإبداعه.

ومن هذه السموم أيضًا تجاهل ما يؤذي الأطفال جسديًا أو نفسيًا؛ فلا يلقي الأب بالًا لمن يؤذيهم بالضرب أو السب في المدرسة أو في النادي أو في الشارع ولا يعاتب أحدًا على قسوته غير المبررة مع ابنه حتى لو كانت الأم نفسها. أما عن كلمات التشجيع والتحفيز، فهم أبعد الناس عنها؛ وكأنها تنتقص من رجولتهم إذا فكروا بالبوح بحبهم لأبنائهم بقول أحبك وراحتك تهمني.

ومن السموم القاتلة كذلك هي تعويد الطفل أن يكون ذليلًا في بيت أهله؛ فالأب باعتباره السلطة المطلقة في البيت له كامل الحرية من وجهة نظره في أن يأمر وينهى دونما نقاش أو تبرير وله الحق من وجهة نظره العقيمة أيضًا في أن يضرب ويهين ومن ثم يطلب من ولده أن يحضنه ويقبله دونما مراعاة لمشاعره وكرامته.

قد يكون السم غير مرئي أو محسوس ماديًا لكنه كأي سم؛ يطغى على العسل في وقت ما فيحوله كله ساما ضارا مميتا في النهاية إن لم يتم التعامل معه في الوقت المناسب.

ثم بعد كل هذا يحرم الأطفال من حقهم في العلاج النفسي بعد أن أفسد الأهل عليهم فطرتهم وجردوهم من مشاعرهم بقسوتهم فيعج المجتمع بالمرضى الذين لا يعترفون بمرضهم وفساد قلوبهم أو الذين يعلمون جيدًا ما بهم ولا يقوون على مواجهة المجتمع الذي يصنف كل مريض نفسي على أنه مجنون أو مختل عقليًا!

ألا يستحق هذا الجنون وقفة حاسمة؟! أليس من المفترض أن يعي كل فرد دوره الحقيقي؟! أما آن الأوان للمضحين لأجل أبنائهم أن يحللوا لهم العلاج النفسي أو بالأحرى ألا يعرضوا من يعولونهم له من الأساس؟!

وراء البيت المرتب والأثاث باهظ الثمن والهندام الحسن، وراء الشهادة المرموقة والسيارة الفارهة والجوال الحديث، وراء كل هذا وذاك شخص.. بل أشخاص إن سألتهم عن آبائهم سيجيبون: أبي.. أبي لا يعرفنا على وجه الحقيقة!”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك