للوالدين: ارصفوا الشارع أولاً!

27 سبتمبر , 2018

في خضم ملايين الأسئلة من الأمهات والآباء، حول شؤون تربوية تتعلق بمشوارهم التربوي الطويل مع أطفالهم، سواء كانت الأسئلة موجهة لي كمرشدة تربوية، أو من خلال متابعتي لعالم الاستفسارات التربوية عمومًا، أو عبر علاقاتي بكم هائل من العاملين في حقل الإرشاد والتعليم، فقد لاحظت كمًا هائلًا من التعثر التربوي خلال هذه المسيرة، تعثرُ يقود لحدوث أعطال في ثلاث محاور هامة حولنا.

المحور الاول:

هو تأزم الحالة النفسية للأهالي وتوترهم عند كل تعثر تربوي يحدث معهم، هذا التوتر يتراكم ثم ينعكس على مسار حياتهم الزوجية والمهنية والاجتماعية والاقتصادية أيضًا؛ مما يقودهم للصراخ الدائم، وفقدان متعة مشوار التربية، وتحول الإنجاب من نعمة إلى نقمة بات يخشاها الجيل الجديد يا للأسف، وهروب الأهالي من عبء التربية الى متنفسات خاطئة كالتدخين والأرجيلة والالتقاء بالأصدقاء لساعات طويلة والاتجاه إلى الإدمان أحيانًا.

المحور الثاني:

هو اضطراب مفهوم الأم والأب عند الأطفال اللذان يجدر بهما أن يكونا شمس الحب والأمان والسلام لهذا الكون، فيواجه الطفل الصراخ في وجهه في عمر مبكر والضرب أحيانًا والتهديد والوعيد والتشفي ونظرات الغل، وكلها بذريعة أنها أدوات تربوية من أجل تربية الطفل وجعله إنسان صالح، فيختلط المفهوم الآمن عن الطفل ويخرج باحثًا عن معلمة يشكو لها ويحكي خبايا روحه، أو قريب يتخذ منه ملجًأ آمنًا أكثر من الأشرار الموجودين في البيت (حسب توصيف أطفال كثيرين).

المحور الثالث:

هو إرث العنف والألم النفسي الذي يخرجه الجيل من جدران المنزل الى فضاء المجتمع، عنف في الشارع، عنف في المدرسة، عنف مع الشجر وعنف مع الحيوانات الأليفة، عنف في ردود الأفعال، عنف في إغلاق باب التاكسي، عنف أسري واجتماعي يعم تفاصيل حياتنا، وصرنا نشكو من صدمات عنف متتالية تتطلب نهج وطني شامل لإيقافها.

عودة للتعثر التربوي الذي ظهر جليًا من خلال نمط العلاقة بين الأهل والابناء، هذا النمط الذي يشبه مصنع به آلات مهمتها إتقان صناعة منتجات متشابهة لا فرق بين منتج وآخر، ينظر الأهالي لأفضل طفل في العائلة أو في الحي (من وجهة نظرهم) ويبدؤون بتصنيع طفل يشبهه في بيتهم، ويعايرونه إذا لم يتقن تشكيل ذاته مثل ابن عمه “الفالح”، ويشعرون بخيبة أمل أحيانًا إذا لم تنجح عملية التشكيل هذه.  

وفي هذا المصنع أيضًا تعلو الرغبة بتحقيق سمة التشابه لحد الجنون إذ يأمل الأهل أن يخرج الإخوة والأخوات من نفس القالب، نفس المعدلات المدرسية، نفس النهج السلوكي، نفس الرغبات ونفس الطموح.

ولكن تأبى الطبيعة الكونية الا أن تعاندهم؛ ليخرج حتى التوائم مختلفين عن بعضهم في بعض الأشياء، ورغم أن هذا الاختلاف يتكرر عبر الأجيال إلا أننا لم نحترم الاختلاف ولم نفهمه حتى يومنا هذا، وكأننا نتحدى فطرة الله القائمة على الاختلاف ونريد صهر كل الكائنات البشرية في بوتقة تشكلت من معتقداتنا وتجاربنا الحياتية الضحلة.

عندما تتحول عملية التربية من عملية ديناميكية مفتوحة الخيارات ولا سقف للتنمية فيها، إلى عملية ميكانيكية محددة الخطى ومحسومة النتائج؛ نحن إذًا نحتل العقول تربويًا ونحاصر العقل تعليميًا ونحجّم الروح وجودياً، كل هذا يحدث داخل البيت قبل أن يخرج الطفل إلى المدرسة التي نتهمها بإغلاق عقول أبنائنا.

صراع الأمهات والآباء اليومي وصراخهم كله يتمحور حول قولبة الجيل، وإعادة تدويره من طفل مشاكس مختلف منطلق مجرب مخرب شغوف مهووس بأشياء سلبت انتباهه ويسأل كثيرًا، إلى طفل عاقل صامت هادئ منشغل بصناعة البلاهة على التلفزيون أو الإنترنت.

صراع الأهل وتعثرهم التربوي يحدث عندما لا يفهم الطرفين هيبة ودهشة كينونتهم كأم وأب، حين يستهتر الطرفين أو أحدهما بتجلي فكرة الأمومة والأبوة، حين يعيش كلاهما التعب فقط ولا يلاحظون زينة الحياة وضحكتها وشغفها تتدفق من عين طفل يعيش معهم حتى لو أنجبوه دون قصد منهم.

حين تدركان بهاء الدور الذي تقومان به وهيبة الرسالة التربوية وجمالها؛ ستقفزان من التعثر التربوي إلى التجلي التربوي، ولن يعرف معنى كلامي إلا من يناظر عيون أطفاله نظرة حب عميقة تخرج من عمق دهشة روحه لتصل إلى قلوبهم فيبادلونه إياها كل لحظة.

ارصفوا الشارع أولاً:

وهنا خلاصة ما فات، أن كل جهودكم تصيبكم بالتعب لأن نتائجها محدودة قياسًا بالجهد الذي تبذلونه، جهد يمكنكم اختصاره حين ترصفوا شارع المودة قبل أن تقلعوا ب “طائرة التربية”، قبل أن تغرقوا الطفل بالنصائح أغرقوه بالحضن المليء بالحب والاعتزاز به، هذا الشارع المرصوف سيكلفكم كلمات نصح أقل وصراخ أقل وتعنت من الأطفال أقل بكثير؛ أما لو انطلقتم في شارع غير مؤهل حينها لن يصغي الطفل لكم.

بشكل مختصر ودقيق، اخترقوا قلوب أطفالكم أولاً؛ فالقلوب المغلقة لا تسمع ولا تتبع ولا تؤمن.

أدوات رصف الشارع هي فطرية أمدكم بها الله، دون الحاجة لأية تدريبات أو اجتهادات منكم، فقط أطلقوا العنان لفطرة الأمومة والأبوة ومشاعركم الممتنه لنعمة الإنجاب، أطلقوا العنان للقبلات والاحتضان والملامسة الودودة وتمشيط الشعر بحب، وقبلة منعشة بعد الاستحمام، وارفعوا أصواتكم حين تدعون الله لأطفالكم بالخير، امنحوهم فرصة أن يعرفوا أنكم تتضرعون لله من أجلهم، وأخفضوا صوت زمجرتكم ودعواتكم البائسة لهم.

فقط أرجوكم تخيلوا روح طفل تقول له أمه (الله يآخدك)!

ارصفوا شارع المودة وسوف تدهشون من نتائج نصائحكم، وسوف تحصدون ثمار لم تحلموا بها من قبل، واعلموا أنكم شمس الأمان والحب والسلام التي تشرق كل صباح على وجوه أطفالكم، فلا تلعبوا أدوارًا تشعرهم بالترهيب والوعيد الدائم وعتمة الحياة، وتذكروا أنكم لهم قمر الأمل في عتمة المشوار الطويل.

ارصفوا شارع المودة وعيشوا بهجة التربية؛ كي تتحملوا المتاعب بوعي وثبات، وتصفقوا لأطفالكم بكل فخر يوم تقدمونهم للمجتمع معطائين خيرّين سليمي القلب.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك