من عقل الطفل لدفتر الرسم – الجزء الثاني

13 أغسطس , 2018

“ذات يوم قالت لي أمي إذا صرت جنديًا سوف تصبح جنرالًا، وإذا صرت راهبًا سوف تصبح بابا الفاتيكان. بدلًا من هذا كله صرت رسامًا وأصبحت “بيكاسو”

بابلو بيكاسو

نؤمن جميعًا أن كل موهبة لا بد لها من تدريب وجهد حتى تنتقل من مرحلة الهواية إلى مرحلة الإبداع والابتكار. فالموهبة وحدها لا تكفي إن كنت تسعى إلى التفرد والاحتراف.

 

في طفولة الفنان الأسباني الجنسية والعالمي الأشهر “بابلو بيكاسو Pablo Ruiz Picasso” كان أول كلمة نطق بها هي “piz..piz” وهي الاختصار لكلمة “lápiz” الأسبانية التي تعني “قلم رصاص”، كان والده الفنان “خوسيه رويث “José Ruiz ” الذي كان يعمل أستاذًا للرسم والتصوير في إحدى مدارس الرسم وكذلك كان أمينًا للمتحف المحلي، وقد تخصص في رسم الطيور والطبيعة، لاحظ موهبة ابنه المبكرة.

 

فبدأ بإعطاء ولده تدريبات رسمية على الرسم المنضبط للأشكال والأجساد وأيضًا تدريبات في التصوير الزيتي.
أظهر بيكاسو موهبة فاقت كل وصف، وحتى الآن ما زالت عبقريته الفنية تدهش الجميع.

 

أتقن بيكاسو رسم وتجسيد الوجوه والأجساد بدرجة عالية من الدقة جعلته محل إعجاب والده الذي شغل منصب أستاذ بأكاديمية الفنون الجميلة ببرشلونة وجميع الأكاديمين الذين ساعدوه أثناء تلقيه دراسته.

إلا أنه سَرعان ما أوجد أسلوبه الخاص في الرسم والنحت والتصوير مما خلق خطًّا متفردًا جديدًا في هذا النوع من الفنون لم يكن موجودًا قبل بيكاسو.

 

يقول بيكاسو:

” أتقِنْ القواعد كمحترف، حتى تتمكن من كسرها كفنان”

 

وهذا هو ما فعله هذا الفنان العظيم بالضبط. فبعد أن تمكن من إتقان الرسم وتعلم قواعده الدقيقة، أوجد مساره الخاص والمتفرد وغير المسبوق.

 

إذا لاحظت أن طفلي يملك موهبة الرسم فكيف لى أن أساعده على تنميتها؟

 

 

بصفتي أمًّا أرى أن أول ما يجب فعله هو إعطاء الطفل الفرصة لإظهار جميع إمكانياته وقدراته، فمثلًا:

– أعط للطفل ورقًا وألوانًا ودعه يعبث بها كما يشاء.

– قص على الطفل قصة ما، واطلب منه أن يجسدها في رسمة قدر ما يستطيع.

– من الممكن أن تساعده فى تحفيز مخيلته فمثلًا، أن يصنع أشكال بكفه كفراشة وغيرها ويجسدها على الورق.

– دمج الألوان وخلطها وإعطاء ألوان جديدة من الأشياء المبهجة التي يراها الطفل مدهشة.

– اجعله ينظر إلى شكل ما كزهرة أو ورقة شجر أو عصفور أو تفاحة. واجعله ينظر لها بتمعن وتركيز، ثم يحاول أن يقلدها بدقة وأن يكرر هذا العمل حتى يتقن الشكل كله بتفاصيله الصغيرة والدقيقة ولا بأس من الاستعانة بعدسات مكبرة لتكبير الأشكال المتناهية الصغر. هذا النشاط إلى جانب أنه ينمي موهبة الطفل الفنية. فهو يعمل على تقوية الذاكرة واكتساب مهارات التركيز وقوة الملاحظة مما يزيد من قدرات الطفل العقلية، كما أن له هدفًا علميًّا أيضًا فمن خلاله يتعرف الطفل على أسماء التفاصيل الصغيرة كأسماء أجزاء الزهور مثلا أو أعضاء الطيور أو أجزاء الثمرة.

– اللجوء إلى الأكاديميات المختصة بتعليم الفنون، تلك الخطوة من الخطوات الهامة إذا كنت تسعى جديًا لتنمية موهبة الطفل الفنية. في الأكاديميات المختصة يجد الطفل أسلوبًا تعليميًّا منظمًا يختصر كثيرًا من الجهد والوقت ويضع له خطة تعليمية ممنهجة تساعده على إثراء موهبته. كما أن لتلك الخطوة أثرها على الطفل؛ فهو يرى فيها ثقة من الأب والأم في موهبته وقدرته وتشجيعًا يجعله يسعى إلى إثبات استحقاقه لهذا الدعم.
والأمر ليس صعبًا على أية حال، فمعاهد الفنون والمكتبات وقصور الثقافة تتوافر بها الكثير من تلك الأنشطة والدروس المكثفة لكافة الأعمار.

– تتوافر أيضًا على مواقع الإنترنت كورسات وقنوات على الـ”يوتيوب” لتعليم الرسم بمختلف أنواعه خطوة بخطوة للأطفال وللكبار أيضًا. يمكنك التنقل بينها واختيار ما يناسب طفلك وعمره ولتقضوا أوقاتًا مرحة معًا للتعلم والرسم واكتساب تلك المهارة الرائعة.

– تشجيع الطفل بإقامة معرض للوحاته داخل غرفته أو داخل المنزل وإعطاؤه المكافأة كلما اكتسب خطوة جديدة في تنمية مهارته، والاحتفاظ برسوماته مع تأريخها تلك الخطوة المهمة تتيح له ولولى الأمر أن يلحظ التدرج والتقدم في موهبته كلما مر الوقت؛ مما يجعل من ذلك حافزًا للتشجيع والاستمرار.

– الاختيار المناسب لأدوات الرسم والألوان حسب عمر الطفل فالألوان الشمعية غير السامة مناسبة للأطفال الصغار جدًا، ويتم التدرج والتغيير في نوعية الأدوات كلما كبر الطفل في العمر وصار أكثر قدرة على الفهم والتمييز.

– تعليم الطفل ترتيب طاولته لتكون مناسبة للرسم وتنظيفها وارتداء ملابس مناسبة. هذا الجو من التهيئة يجعل الطفل أكثر حماسة، ويزيد من شعوره بأهمية نشاطه وموهبته.

 

أثر الرسم على الطفل:

يتجرَّد الطفل من التفكير بأيّ أُمور تضايقه عندما يرسم، كمشاكِل الأهل، أوعلامات المدرسة، وهذا مِن شَأنه تعزيز الصحة النفسيّة لديه.كما يعتمد الطفل على التعبير المباشر عما يشعر به، بغض النظر عن الصورة التي يراها في مخيلته، وقد يلجأ للخلط بين الواقع والخيال من أجل إنتاج رسوم جديدة، قد تكون غير مألوفة عند الأشخاص المحيطين به.

 

ويرى علماء النفس أنه إذا كان الطفل لا يحب الرسم أو لا يرسم، فإن ذلك يشير إلى الكبت والضغط.
من خلال الرسم نستطيع أن نكتشف الطفل الموهوب الذي يتميز عن غيره بقوة الخط وتنسيق الألوان واختيار الموضوع والخيال الواسع وقدرة غير عادية له ليبرز ويتميز عن أقرانه.

 

وهناك عدة دراسات ربطت بين معدل ذكاء الطفل وتفوقه الفني من خلال الرسم. كتلك الدراسة التي أجراها باحثون في جامعة “كنيغز كوليدج” بالعاصمة البريطانية لندن ونشرت مجلة “تايم” الأميركية نتائجها أن طريقة رسم طفل في الرابعة من عمره لا تدل على مستوى ذكائه في هذا السن فحسب وإنما على ما سيصل إليه ذكائه بعد عشر سنوات.

 

ولذلك كله يجب عدم إهمال هذا النشاط المهم وتلك اللغة الأولية التى يسعى الطفل من خلالها للتواصل معنا ومع المحيط من حوله، بل يجب علينا ألا نهملها وأن نوليها كثيرًا من الاهتمام كلغة صامتة ملونة تقارب بيننا، ووسيلة من وسائل التنفيس عن المشاعر وتجديد الطاقة اكتساب المهارات.

 

الأطفال إذا نشؤوا محرومين من أنشطتهم فإنهم سيلاقون صعوبات في التكيف مع حياتهم المستقبلية، وسيعانون من عدم القدرة في التعبير عن أفكارهم وأنفسهم بصورة واضحة.

 

فلندعم مواهب أطفالنا ونعطهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم في عالم من أوراق الرسم مليء بالأفكار والابتكارات والألوان.

 

المصادر:

⦁ سكيلوجية رسوم الاطفال “محمد البسيوني”,دار المعارف ,القاهرة.

https://www.parents.com/fun/arts-crafts/kid/decode-child-drawings/

Pablo Picasso



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك