من عقل الطفل لدفتر الرسم

6 يونيو , 2018

دعونا نتحدث عن “فانيت” وهي رسامة موهوبة بالفطرة.

“فانيت” ولدت في فرنسا في قرية تدعى”جيفرني”، في “جيفرني” عاش” كلود مونيه Claude Monet”K الرسام الشهير رائد المدرسة الانطباعية في الرسم.

في “جيفرني” الناس إما رسامون أو سياح مهتمون بالرسم.

“فانيت” ترتاد مدرسة لتتعلم الرسم وتأمل أن تفوز في إحدى مسابقات الفنون.

ترسم “فانيت” لوحة عن زهرة “نيلوفر Water Lilies ” على غرار لوحات “مونيه”

لوحة “فانيت” ممتلئة بالألوان وبالحياة، تكاد ترى النهر يتحرك، وتشعر بنسمات الهواء تحرك أوراق الزهرة، وهي مثال في البهجة.

 

“فانيت” تفقد أعز أصدقائها في حادث مؤسف فتصب غضبها على لوحتها وبضربات غاضبة حزينة بفرشتها يتحول أزرق النهر إلى أسود بلون حزنها، وتذبل زهرتها المرسومة.

“فانيت” هي بطلة رواية “نيلوفر أسود” للكاتب الفرنسي “ميشيل بوسي Michel Bussi”.

“فانيت” فتاة صغيرة كأطفالنا عمرها عشر سنوات.

 

أُغلِقُ الرواية، وينشغل ذهني؛ فمنذ زمن كان الرسم وما يشابهه من فنون يعكس انفعالات الإنسان، قديمًا كان الإنسان في الكهوف يرسم على جدرانها، ويسجل تأملاته ومشاهداته المختلفة، وحتى يومنا هذا، راقب كل من تَوَافر ليديه ورقة وقلم أو حتى من يجلس على شاطئ رملي، وبيديه عصا، وتأمل تلك الخطوط التي تخطها يداه.

 

والحال كذلك مع الأطفال على وجه الخصوص فالرسم والـ”شخبطة” كما نسميها تأتي قبل الكلام للتعبير عن انفعالاتهم المختلفة.

أتذكر أنني يومًا عنفت ابنتي لسبب ما لستُ أذكره تحديدًا الآن، ولعله وقتها أيضًا لم يشغل فكري لكثير من الوقت.

 

أتذكر فقط أنني نمت واستيقظت في اليوم التالي لأجد تلك الورقة الصغيرة بها رسمة طفولية لقلب منقسم وفتاة دامعة العينين وتعبيرات حزينة كشمس تبكي ودمية تواسيها بوجودها فقط هناك إلى جوارها في الرسمة.

 

تلك الرسمة الطفولية وما تحمله من دلالة والتي عبرت بها ابنتي عما ألم بها جراء عقابي لها، تلك الخطوط غير المتقنة مزقت حائط الصرامة الذي افتعلته قبلها بيوم على وجهي يوم عنفتها.

 

كثير من تلك المواقف تتداعى إلى خاطري، أنظر حولي أرى كثيرًا من تلك القصاصات تتناثر هنا وهناك في المنزل، أعلق ما يتجاوز مائة ورقة ممتلئة بمختلف الرسومات خلف باب المنزل، يستقبل بها أطفالي زوارنا من الأقارب والأصدقاء بنوع من التفاخر والتباهي بموهبتهم.

 

وعلى أبواب خزانة الملابس والأدراج وحوائط المنزل وأبواب الغرف هناك المزيد من تلك الخطوط والرسومات وأوراق التلوين بمختلف أنواع الألوان والأقلام والطبشور.

 

تلك الرسومات التي تعبر عن المناسبات التى نعيشها معًا، الانفعالات، التنبيهات، الأحداث التي تمر علينا ككبار مرورَ الكرام لا تمر بتلك البساطة لدى الأطفال فيسعوا إلى تسجيلها بالأقلام على الورق وعلى الحوائط.

 

وكأي ربة منزل كنتُ أشعر بالسخط من كل تلك الشخبطات وبقايا الألوان والأقلام الخشبية والشمعية وما يستدعيه الأمر من جهد وساعات من التنظيف ومحاولة إزالة آثار تلك الهجمات الفنية.

 

ومع ذلك ربما تملكني شيء من السعادة كأم تمتلك بناتها قدر ما من موهبة فنية أتمنى أن أنميها بشكل صحيح.

كان لابد أن أبحث في الأمر، أن أبحث فيما وراء تلك الخطوط والألوان.

 

سريالية الشخبطة:

 

 

“السريالية” لفظة مشتقة من الكلمة الفرنسية Surréalisme”” والتي تعني حرفيًا فوق الواقع.

وهي حركة فنية تهدف للتعبير عن العقل الباطن بشكل يبتعد عن المنطق عشوائيًّا وبتلقائية وكيفما اتفق.

بعض الفنانين وعلماء النفس اعتبروا الشخبطة والخطوط العبثية التي يمارسها الأشخاص عمومًا سواء أطفال أو كبار هي نوع من أنواع السريالية، لأنها بشكل ما تعبر عن اللاوعي الخاص بهم دون قيود مقحمة أو أسس فنية ملزمة.

 

ومن خلال ذلك نرى أن الرسم عند الأطفال الوسيلة الأول؛ ليثبتوا وجودهم وأنفسهم وما يجول في خواطرهم، كما أنه تعبير عن رؤيتهم للحياة من حولهم، كيف يروا الأشياء والأشخاص؟ وكيف يتعاملون معهم؟

فهو مرآة تعكس هواجسهم الخاصة ومشاعرهم التي لا تسعفهم كلماتهم القليلة للتعبير عنها.

 

ابتداء من العام الثاني في عمر الطفل عندما يتعلم السيطرة على حركاته فيمسك قلمًا أو طبشورًا، ويمارس فعل “الشخبطة” تلك الخطوط التي تعتبر اكتشافًا بالنسبة إليه؛ فهو لم يكن يعي بعد الآثار التى يخلفها وراءه في الواقع المادى المحسوس، فتأتي تلك الرسومات المختلفة الأطوال والاتجاهات كعلاقة بين أحاسيسه وسلوكه الحركي ووجوده المادي.

 

تلك الشخبطات التي يتركها خلفه على الجدران التي تصيب الأمهات بالفزع ما هي إلا دفتر وسجل يخلد تطوره الحركي الحسي ووعيه وإدراكه الجمالي.

 

كيف يبدأ الأمر:

 

 

يبدأ الأمر كتسلية، لعبة يمارسها الطفل يلهو بالألوان كيفا اتفق ويفرح بالآثار التي يخلفها من وراءه على تلك الأسطح.

ففي البدايات لا يحاول الطفل رسم شكل معين.. خطوط فحسب.. والكثير من الخطوط كأن لسان حاله يقول “أنا هنا أنا أتفاعل مع ما حولى أنا أترك أثرًا”.

 

ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التقليد يحاول أن يقلد ما حوله من أشياء وأشخاص، وينقله على دفتر الرسم كمحاولات رسم الأفراد المقربين من حوله أو حيوانه الأليف وهذه المرحلة ربما ترتبط بمرحلة الإيضاح أيضًا فعندما يتمكن الطفل من القلم يرسم الأقرب إليه أولًا غالبًا تكون الأم والأب والأخوة، ثم يبدأ بالتعبير عن مشاعره كأن يرسمهم متشابكي الأيدي مبتسمون بشكل ما. أو يرسم حيوان يخيفه أو شيء ما يثير شغفه.

 

يقال أنه من سن أربع سنوات تقريبًا يكون رسم الطفل له دلالة ما، ويكون وسيلة تواصل تحمل لنا ما يمر به هذا الطفل من ردود أفعال مختلفة ناحية محيطه وأهله، وما يشغل فكره وما يؤرقه عمومًا. وتعد التَّكرارات في الرسومات خاصة في تلك المرحلة هي جرس تنبيه يجب عدم إهماله.

كتكرار رسم معين أو رمز وإن لم يكن مفهومًا فيجب البحث بحرص عن مدلوله.

 

بالنسبة للمراهقين الأمر أكثر أهمية ففترة المراهقة ومالها من ضغط نفسي هائل على المراهق كل تلك الشحنات من الانفعالات ربما يكون الرسم وسيلته الوحيدة لتفريغ تلك الانفعالات والتغيرات النفسية والأفكار.

 

هل الرسم علاج؟

 

 

بشكل ما يتفق علماء النفس والأطباء على استخدام الرسم وسيلةً من وسائل العلاج والتشخيص النفسي والتأهيلي سواء للأشخاص الأسوياء أو ذوي المشاكل والاضطرابات النفسية المختلفة.

منذ عام 1920 م وعلماء النفس يجتهدون لإيجاد دلالات ونمطٍ للرسومات المختلفة وحتى الخربشات التي يتركها بعض الناس على طاولات الدراسة والمقاعد.

 

بالنسبة للأطفال يعتبر الرسم فوق هذا إحدى وسائل تفريغ الطاقات السلبية وانفعالات الغضب.

فالطفل ليس لديه منطقة وسطى إما أن يكون راض كل الرضى أو غاضب وحانق وتلك المشاعر إن لم يتم التعبير عنها بشكل صحيح قد ينتج عن تراكمها آثار سلبية تؤثر لاحقًا على تأقلمه وعلى شخصيته.

 

والرسم وخاصة الرسم الحر غير المقيد بموضوع محدد سلفًا وتشجيع الطفل عليه يعتبر وسيلة ناجحة ليس فقط للتنفيس عن المشاعر ولكن لتنبيه ولي الأمر لمساعدة طفله والإحاطة بانشغالاته واهتماماته.

 

بعض علماء التربية يرى الرسم وسيلة من وسائل الاسترخاء وإزالة التوتر وخاصة في فترات ضغط الامتحانات

على سبيل المثال.

كما أن الرسم هو أبسط وسائل التواصل حتى بالنسبة لمن لا يتحدثون اللغة نفسها.

 

الرسم الحر والرسم الموجه:

 

 

الرسم الحر هو الذي يمارسه الطفل دون قيد أن يرسم الطفل ما يحلو له دون توجيه ودون رقابة كشخبطات الحوائط وما إلى ذلك، وهو النوع الذي غالبًا ما يستخدم للتأهيل ويعبر بصدق عن الطفل.

أما الرسم الموجه فهو الذي يمارس في الأكاديميات والمدارس والهدف منه تنمية مهارات معينة في الرسم وتنمية القدرة على الإبداع ويتطلب إتقان أنماط معينة والالتزام بمواضيع يمليها القائم بعملية التدريس تلك.

 

فلنتوقف هنا قليلًا ولأخبركم في مقال قادم عن محاولاتي بصفتي أمًّا لفهم جزء من نفسية أطفالي من خلال الرسم ومحاولتي لتنمية تلك الموهبة لديهم.

 

المصادر:

كتاب “سيكولوجية رسوم الطفل”، عن دار الهادي للنشر والطباعة، موسوعة سيكولوجية الطفل، 2007

كتاب “كيف نفهم رسوم الطفل؟”، تأليف Philippe Wallon دار شعاع للنشر والعلوم، 2016

Decode Your Child’s Drawings



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

أضف تعليقك