التنمر.. جرح لا يزول!

20 سبتمبر , 2018

تجلس امرأة في سن الأربعين بين قريبات لها حين أخبرنها أنَّ صديقة لهم ستأتي، خلال دخولها لاحظت كيف انفجرت بالبكاء والدموع تغطي وجهها، وخرجت من المجلس مسرعة، سألتها عن سبب هذا البكاء الغريب فقالت: لقد كانت تعايرني في طفولتي بلون بشرتي وقصر قامتي وحتى الآن كلما نظرت إلى نفسي في المرآة تذكرت كلماتها؛ فأكره نفسي وأصاب بالحزن والكآبة.. لقد كانت هذه المرأة الكبيرة سنًا ضحية للتنمر عليها في طفولتها.

وفي الحديث عن هذا السياق كان مستهجنًا بالنسبة لبعضنا تغيير رمز المسدس الحقيقي بمسدس مائي على برنامج واتساب المعروف؛ فكيف يمكن أن يكون هذا مقدمة للتخفيف من سلوك التنمر في المجتمعات والارتقاء بهم من استخدام العنف الجسدي واللفظي إلى مرحلة التعبير عن رفضهم والتواصل بينهم بطريقة أكثر أخلاقية واحترامًا..

تبدأ المدارس، ويبدأ معها ظهور سلسلة من التصرفات العدوانية التي يمارسها الأطفال بعضهم على بعض بشكل أفراد أو مجموعات.

والتنمر هو أذى متعمد مقصود ومتكرر فليس كل مشكلة تحصل مع الطفل تسمى تنمرًا، إنما تكرارها هو الفيصل، يقع الأولاد والبنات ضحية التنمر بالنسبة نفسها تقريبًا، ويتعرض الأطفال الأصغر سنًا أن يكونوا ضحية التنمر من الأكبر منهم، وكذلك الذين يكون لديهم بعض العيوب الجسدية أو الصفات المختلفة عمن حولهم كلون البشرة والجنسية والشعر وغيرها.

“أنا ضد التنمر” حملة يونيسف مصر لمحاربة التنمر الإلكتروني

كثيرٌ منا أطفالًا وكبارًا قد تعرض لحالة ما من التنمر في المدارس والشارع والحياة بأشكاله المتعددة:

اللفظي: مثل السب والشتم والقذف واللعن والتهديد بسبب خطأ أو الافتراء والتخويف والسخرية من الشكل أو اللباس أو الشعر واستعمال ألفاظ مهينة ومزعجة.

الجسدي: كالدفع أو الضرب أو القرص والمقالب القاسية المؤذية وحتى الإقصاء واستبعاد الطفل بسبب العنصرية أو الكراهية وعدم السماح باللعب والمشاركة، وأخذ الممتلكات والاعتداء على الأغراض الشخصية وإتلافها.

الجنسي: نكات او تعليقات جنسـية، إطلاق تسـميات جنسـية، نشر شائعات جنسـية، ملامسـة الطلاب للأعضاء الحساسة أو بطرق جنسـية غير مناسـبة، محاولة خلع الملابس.

هناك أيضًا أسلوب جديد وهو التنمر الإلكتروني الذي يأخذ شكل التحرش والمطاردة والتبليغ عن الحسابات وتهكيرها أو نشر شائعات وتسميات للتحقير أو حتى التهديد المباشر بالإيذاء وكلها تهدف في النهاية إلى إهانة أو تشويه أو تخريب حياة الشخص.

 

يأتي السؤال المهم: لماذا يتنمر المتنمر؟

ينشأ هذا الشعور بسبب رغبة المتنمر المعتدي بالقيام بدور الظالم؛ للإحساس بالفوقية والتميز واختراق دفاعات الضحية النفسية وتحطيمها؛ فإن نجح فإنه يزداد قوة ورغبة في الأذية وإن فشل أو مُنع سكن وخضع.

يريد المتنمر تحقيق فوزٍ ما على حساب خسارة الضحية وإزعاجها. من أسباب التنمر أيضًا:

انخفاض تقدير الذات وضعف الثقة بالنفس واضطرابات الشخصية.

الاكتئاب والإصابة بالأمراض النفسية.

الظروف الأسرية والمادية والاجتماعية السلبية والإعلام وألعاب الفيديو العنيفة.

الغيرة من تفوق الآخر ونجاحه وامتداحه، وأحيانًا بسبب نظام التعليم الذي يكرس النجاح لفرد أو فئة ويقلل من شأن غيرها فيتزايد التنمر.

الفوقية وتغذية العنصرية في البيئة واحتقار الآخرين والتقليل من شأن الشعوب والمهن والطبقات الاجتماعية.

يبحث المتنمر عن الأهداف السهلة وخصوصًا الأطفال السلبيين والضعفاء والذين ليس لهم قدرات جسدية كافية ضعيفي البنية وقصار القامة، وكذلك الخجولين والبدينين والذين يسهل استفزازهم وسريعي الاستثارة أو يحاولون الرد على الإهانات، ومفرطي الحركة وغير الناضجين والذين ينفجرون عاطفيًا بسرعة أو لديهم عادات مزعجة وقد يستهدفون كذلك العدوانيين والضعفاء دراسيًا والانعزاليين وغير المحبوبين.

تقنيات التصدي للتنمر:

الحلول المعروفة عادة وهي التبليغ عن الاعتداء للمعلم / الإدارة وهو حل صحيح، لكنه ليس كافيًا؛ لأنه لا يعلم الطفل مهارات مواجهة المتنمر الذي قد يواجهه في مكان ليس به رقابة وإدارة، وهناك يكون الإيذاء الأكبر.

وكذلك فليس لدى كل أولياء الأمور أو الإداريين أو المعلمين والمشرفين الوعي الصحيح بالتعامل مع الحالة الذي قد يزيدها سوءًا في حالة عرف المتنمر اسم الطالب الذي اشتكاه فيزيده إيذاءً ويتفنن في تنويع الطرق المزعجة، أو يكتفي المشرف بإعطاء النصيحة العامة وتجاهل الشكوى أو اتهام المشتكي بضعف الشخصية وقلة الحيلة.

وأنا أنصح بهذا الفعل ابتداءً أن يشتكي المظلوم إلى سلطة عليا، ولكن إن لم يفلح هذا الحل ووُجِد أن الإدارة لا تمارس عملها بشكل كامل، ولا تضع الحدود اللازمة فيجب تعليم الفرد القيام بالدفاع عن نفسه ورد الأذى عنها بتقنيات كثيرة منها:

الرد بالكلام وتخويف المتنمر بالشكوى عليه وتحذيره.

تكوين الأصدقاء الذين يدافعون عن بعضهم في حالة تنمر أحد ما عليهم.

الدفع بالتي هي أحسن، ثم رفع مستوى الدفع حسب الموقف: الإمساك بيد المعتدي، دفعه وإبعاده بحيث يرتدع، منعه من المزيد من الضرب، الصراخ في وجهه بصوت عال.

الاستعانة بولي الأمر والأخوة الكبار لتوقيف المتنمر عند حده.

التجاهل التام وعدم التأثر النفسي وإظهار عدم جدوى الصراع وقتل المشكلة في مهدها.

قد يحتاج بعض المتنمرين إلى هجوم أشد ليلجم ويكبح ويقف عند حده.

بعض المتنمرين يحتاج للنقاش والمحاججة والرد بعبارات منطقية والاستعانة بالقرآن والحديث والأمثال.

في حال الضرب والاعتداء الجسدي والجنسي فلا يصح أن نسميه تنمرًا وإنما هو جريمة ولا جريمة بدون عقاب ولهذا يجب على الأسرة والإدارة أن تتخذ موقفًا حازمًا من المجرم وتضع العقاب المناسب له حتى لا يكرر فعلته.

وفي كل حالات التنمر لا يصح أن نسكت على التصرف ونستمر بالتجاهل حتى يتفاقم الوضع.

في المقابل على الأهالي تعليم الأطفال بعض القواعد الحياتية والتواصل معهم بشكل فعال لاكتشاف التنمر في بداياته من ذلك:

تحدث للطفل حول مدرسته وأصحابه وسلوكهم في الملعب وحافلة المدرسة وتعريفه كيفية اختيار الأصدقاء وإن كان قد تعرض للتنمر فيتخذ صديقًا له قويًا يدافع عنه ويحميه.

تعليم الطفل قواعد الثقة بالنفس والمرونة والتجاهل وقوة الشخصية كي لا يصبح هدفًا سهلًا للمتنمرين وتدريبه على الردود مثل أن يقول له بحزم: توقف عن هذا فورًا.

مساعدة الطفل على زيادة تقدير ذاته بممارسة الرياضة واللعب مثل الكراتيه وألعاب القوى والدفاع عن النفس.

التواصل المستمر مع الإدارات والمشرفين لحصر المشاكل والتنبيه عليها وحلها قبل أن تتفاقم.

تشجيع الطفل على التكلم وإعطاؤه الأمان وعدم السخرية من ألمه ومعاناته أو تعييره بهذه الأفعال وعدم الإستجابة للمتنمر.

لا تشجع الطفل على الانتقام ولا المبادرة بالأذى والشجار وعلمه كيف يواجه من يفعل ذلك ويخبره بأن مايفعله خطأ وأن عليه التوقف.

تعليم الطفل قواعد الأمان في المشي والجلوس والشكوى مباشرة للمعلمين وعدم الذهاب لمكان ما بمفرده.

تعليم الطفل الأساليب الدبلوماسية للرد والموافقة على التهكم ومسايرته أو المرح وعدم أخذ الأمر بجدية.

 

 

بالتزامن مع حملة أنا ضد التنمر .. كيف عالج فيلم Wonder قضية التنمر على ذوي الاحتياجات الخاصة

عواقب التنمر على صاحبه وعلى الآخرين:

للتنمر آثار نفسية وجسدية واجتماعية ودراسية خطيرة وخصوصًا على الأطفال، ويعني ذلك تعرضهم للاكتئاب والقلق وفقد الثقة بالنفس وضعف التقدير الذاتي وتغيرات في الشخصية تظهر عند سن الرشد.

الرغبة في التغيب أو الهروب من المدرسة أو تغييرها لعدم الشعور بالأمان.

ضعف التحصيل الدراسي وعدم القدرة على التركيز على الدراسة بسبب القلق والخوف والتفكير في كيفية رد الإساءة ودفعها.

فقد السيطرة على النفس عند الغضب أو سلوك تدمير الذات وتصديق ما يقوله أو يفعله المتنمر.

الإصابة بضعف المناعة والأمراض المجهولة السبب كالصداع وآلام المعدة والبطن وضيق التنفس.

محاولة إيذاء الآخر بحمل السلاح أو مواجهة العنف بالعنف بهدف الدفاع عن النفس.

يصبح المتنمر وحيدًا منبوذًا ومكروه مجتمعيًا وسيء السمعة.

 

وأخيرًا يُجمع خبراء التنمر على أن التنمر هو سلطة غير متكافئة حيث يحاول بعض الناس الهيمنة على الآخرين وامتلاك سلطة عليا عليهم، فيكون همه أن يخسر الآخر بغض النظر عما يجنيه من نتائج فهي بالمحصلة قوة غير متكافئة كلما امتلك الشخص الثقة الكافية في نفسه وقوة شخصيته ويستخدم المعادلة ( مشاعر قوية + لين في الحوار + تفكير حازم ) فلن يهتم لما يقوله أعداؤه وسيخسر المتنمر، ويضعف ويتراجع ويكف عن رغبته في السيطرة.

تذكر كلما زاد غضبك كلما استمتع المتنمر بالأمر، ولو قام كل معلم بتعليم طلابه عن هذا الأمر بأنه كاللعبة فيها فائز وخاسر وأن ابتعادهم سيجعل المتنمر خاسرًا وهم فائزون، وحين يخسر الناس يتخلون عن اللعبة ويتركونك وشأنك، وأن الكلمات والعبارات السيئة تعبر عن المتنمر ولا تعبر عن ذاتك.

كيف تتعامل مع المُعلم المتنمر؟

الأمر ليس سهلًا طبعًا لكنه بسيط منطقيًا ومع قليل من التدريب يمكن للطالب اكتساب المهارة وتطبيقها، وأخيرًا اعلموا أن الأذى الجسدي والجروح الخارجية قد تشفى بسرعة وينسى خبرها، ولكن الجروح النفسية والعاطفية الناتجة عن التنمر ستستمر مدى الحياة كما أخبرتكم عن المرأة في بداية المقال.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك