حين تُجرد اللوحةُ من ألوانها

15 ديسمبر , 2012

 

بعض الذكريات المسموعة سُجلت في ذاكرتنا بأصوات من رواها ورُسمت في مخيلتنا بالأبيض والأسود, فالذكريات التي لم نعشها تبقى لوحات مجردةً من الألوان, إلا إن طابقت الواقع الذي نعيش فيه, فإن رأينا ما حُكي لنا تبدأ الألوان بالانتشار في مخيلتنا في تلك الذكريات المحكية،  وتتشكل صورة ذهنية كاملة تختلط بها عراقة الماضي بجمال الحاضر, غير أن بعض اللوحات تبقى مجردة من الألوان والأخرى يتلون بعض الأجزاء منها فهي تلون بقدر تطابقها مع سجل الذكريات.
 

 

الصفعة الثانية ,,،

مشهد في حياتي لن أنساه, في المرحلة الثانوية, تعالت الأصوات في قاعة الدراسة بسبب مشكلة بين أحمد والأستاذ، وصرخ الأستاذ على أحمد الذي ما أن سمع صراخ الأستاذ عليه, حتى رفع يده و صفع الأستاذ على وجهه في حضور جميع الطلبة, لتسقط هيبة الأستاذ على إثر هذه الصفعة العمياء, التي هزت كياني فالمشهد مزق أوراق ذكريات وجردت لوحة لونت من قبل.
 

ضرب المعلم  وعدم احترامه هي آفة نادرة تتكاثر مع مرور الأيام, و يتفاقم هذا الأمر خاصة في المدارس الثانوية في مرحلة إثبات الذات لدى الطالب ولكن كرامة المعلم تأبى أن يحدث لها ذلك, فهؤلاء الطلاب تناسوا  قول الشاعر :

قم للمعلم وفه التبجيلا *** كاد المعلم أن يكون رسولا

فهل هذه هي الثقافة التعليمية التي يحثنا عليها إسلامنا الحنيف؟ ولكن لا، فالإسلام يحثنا على البر بالمعلم واحترامه, غير أننا لو فكرنا بالمنطق أيضاً فالمعلم يقضي كثيراً من وقته في التحضير لك ولتعليمك, فهل يكون جزائه صفعة أو حتى صراخ؟!
 

إن تكاثر المشكلة يدعوني لأعود بكم  إلى ما أعتقد أنه أحد الأسباب الرئيسية في نشأة هذه المشكلة, قبل أيام الدراسة الأولى بقليل يجلس الأب يروي لابنه عن ذكرياته وعن أيامه الدراسية التي عاشها وعن المعلم و هيبته ومكانته وكيف أن بعض المعلمين كانوا يضربونهم لتعليمهمْ, فتنطبع في مخيلة الطفل رسمة مجردة محتواها معلمُ يضرب وطالبٌ يبكي وسبورةٌ كتب عليها مسألة استعصي على الباكي حلها, وهي نفسها التي رسمت في مخيلتي قبل دخولي للمدرسة, فذهبت والخوف يزلزل أقدامي متخوف من أن أرى الحكاية حقيقة.
 

 

الصفعة الأولى ,,,

مشهد آخر قديم بعض الشيء ولكنه  لن ينمحي من ذاكرتي,  في صباح احدى أيام المرحلة الإبتدائية وكالعادة جلس الطلاب على مقاعدهم مستعدين, ومتخوفين قليلًا فمعلم هذه المادة عصبي بعض الشيء, وفي إثناء استعداداتنا, كتب المعلم مسألة على السبورة و نادى صديقي أحمد  الذي يجلس بجانبي ليجيب عن تلك المسألة، فوقف أحمد وحاول حلها مرارًا وتكرارًا ولكنه لم يستطع فصرخ الأستاذ في وجهه: ألم أٌعلمكَ إياها؟! وتبع صراخه صفعة وأخرجه من الفصل, ذٌهلت لما حدث ولم يدري الأستاذ أنه بصفعته أيقظ  ذاكرتي وذاكرة كل طالب وأبكى آمالاً بأن يبقى هذا المشهد بلا ألوان, ولم يدري أنه كون لدى الطالب حالة نفسية قد تترجم لعدائية بعد ذلك.
 

وانقضت دراستي الإبتدائية بنجاح مع صديقي أحمد الذي ظل هذا المشهد في ذاكرته طوال هذه المرحلة ودائمًا ما كان يحكيلي عن حزنه إزاء هذا الموقف، واستمرت صداقتنا  إلى أن بدأت طباعه تتغير شيئاً فشيئًا وبدأت في المرحلة الإعدادية علاقتنا بالتضعضع،  فطريقة معاملته للجميع أصبحت فظة, وجمع لنفسه أصدقاء من نفس طبعه, وأثار العديد من المشكلات مع الطلاب, وبدأ أحمد الذي طالما شاركني مقعد الدراسة بالتدهور علميًا وتخرج من الإعدادية بصعوبة بالغة.. وجتمعنا الأقدار مرة أخرى في نفس الفصل في أول المرحلة الثانوية, أحمد هو نفس الطالب في المشهدين! فقد تكونت لديه عدائية تجاه المعلم الذي صفعه في مرحلته الإبتدائية وتترجمت في نهاية الأمر إلى صفعة ثانية ولكنها بعكس الاتجاه.  
 

 

لن نلقي كل اللوم على المدرس، فهناك أسباب كثيرة لنشئة هذه المشكلة, منها المشاكل الحاصلة في منزل الطالب, والصحبة السيئة التي تجر إلى فعل هذه المخالفة التي نستنكرها ولا نبررها، ولكننا نبحث لها عن الحل, فمعرفة أسباب المشكلة من أوائل خطوات حلها.

 ومن وجهة نظري أرى أن محي الصفعة الأولى من حياة الطالب إن كان عاشها أو شاهدها, وإلغاء اسلوب الصراخ والتأنيب فهي من الأساليب التي ستؤثر سلبًا على نفسية الطالب, إضافة إلى تربية الأبناء على احترام المعلم كونه يقدم لنا وقته ليعلمنا ما سيفيدنا في المستقبل,  ومحاولة توفير بيئة مناسبة للطفل, هي الوسائل المثلى لحل هذه المشكلة, فهدفنا بالنهاية المحافظة على كرامة المعلم وإنشاء جيل يحترم معلميه.   
 

رسالتي الأخيرة لوحة فيها أجزاء ملونة.. محتواها فصول دراسة تخلو من هذه المشاهد, فصول دراسية يملؤها حب واحترام, فالعلم نور, فدعونا نبقيه نورًا.. لا أن نجرده من ألوانه.

 

 

طالب في جامعة قطر

تخصص إعلام

 

ضرب الطلا.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك