مادة الإجتماعيات ترسم مستقبلي

15 ديسمبر , 2012

 

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”348″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”264″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

 

قال سبحانه وتعالى: (وقل ربي زدني علما) صدق الله العظيم، ويقول الشاعر:  قم للمعلّم وفّه التبجيلا .. كاد المعلّم أن يكون رسولا .. وغيرها الكثير من الآيات والأحاديث والأبيات الشعرية والحكم التي كانت تتوارد إلى ذهني كلما قال المدرس في الابتدائية اكتبوا تعبيرا حرا، فقد كان المعلم غالبا موضوع تعابيري لشدة تقديري له وولعي بمهمته.

 

لكنني لم أعتقد يوما أن أحد المدرسين سيرسم مستقبلي بكلماته ودروسه، هذا ما حصل بالفعل، حيث أن مادة التاريخ والجغرافيا في المتوسطة (المدرسة الإعدادية) ومدرسها الفنان أستاذي شنقان فرحات كانت هي التي رسمت مستقبلي وجزءا كبيرا من أحلامي وأهدافي وطموحاتي، رغم ان تفوقي كان في المواد العلمية كالرياضيات والعلوم والفيزياء، لكن هذه المادة كانت بالنسبة لي حصة متعة غريبة وولع عجيب، أشتاق إليها كشوق العطشان للماء.

 

بدأت القصة بعد سفرنا الى العاصمة من مدينتنا البعيدة، بدأت الدراسة في المتوسطة وكنت أواجه مشاكل حقيقية في التأقلم والتكيف مع الجو الجديد في العاصمة والناس الجدد وكان أكثر ما أرتاح فيه درس التاريخ أوالجغرافيا، فالأستاذ شنقان كان شخصا صادقا في تعليمه لنا، لا يترك فرصة ليغرس فينا البذور الطيبة إلا ويفعل ، فكانت مادة التاريخ فرصة ليغرس حب الوطن في قلوبنا وهو يغوص بنا في تفاصيل الثورة التي كان يقدمها لنا في أسلوب قصصي شيق تثبت معه المعلومة في رؤوسنا بسهولة، أما مادة الجغرافيا فكانت فرصة يعرفنا فيها على خيرات وطننا وينشر معها الوعي في رؤوسنا الصغيرة بما يجري في العالم اليوم، خاصة لما تتناول دروسنا مواضيع التجارة والصناعة والتضخم وغيرها من المواضيع الاقتصادية التي يتأثر بها وطننا من قريب أو من بعيد، كما كانت الدول التي تسير بجدية نحو التقدم والتطور محل اهتمام منه ليملئ عقولنا بما يفتح فيها نوافذ وآفاقا جديدة لا حدود لها، تجعل كلا منا يفكر في موقعه مستقبلا من هذه الحركة السريعة الدءوبة للدول وكيف أنه لا يوجد شيء مستحيل فكل هذه الدول الصغيرة المستضعفة من الممكن أن تصنع لها مكانا في هذا العالم الكبير. أذكر أنني ولشدة شغفي بهذه المادة كنت أطلب من المدرس أن يدرسنا إذا تغيب أساتذه آخرون الأمر الذي كان يزعج بعض زملائي، ومن أهم الذكريات لنا معه تلك الأيام التي كان ينظم لنا فيها مسابقات بين مختلف الأقسام وقد كان الوحيد الذي يبادر لنشاط من هذا النوع.

 

ومن بين حصص الجغرافيا حصة لن أنساها ما حييت، فهي الحصة التي قررت فيها هدفي ورسمت صورة لمستقبلي وكيف أريد له أن يكون، كان الدرس يومها يتحدث عن الزراعة في الجزائر، شرح المدرس الدرس بشكل أكثر تأثيرا هذه المرة و تحدّث مطولا عن الاكتفاء الغذائي والأبعاد العديدة له وكيف أنه يشكل مكونا أساسيا من استقلال أيه دولة، وكيف ان دولتنا الجزائر لا تزال تابعة لدول أجنبية في هذا الباب فنحن نضطر الى استيراد كميات ضخمة من البذور في كل عام الأمر الذي يجعلنا تحت إمرة هذه الدول تتحكم فينا كيفما شاءت فهي لن تبيعنا بذورا إن خالفناها أو فعلنا ما لا يرضيها، ولهذا ما له من تبعات فالزراعة ستتعطّل ولن يكون هنالك دقيق أو خضر أو مواد غذائية وفي هذا خطر حقيقي على شعبنا، هنا سرحت بخيالي متصورة كيف سيكون وضعنا حينها، تخيلت الطوابير الطويلة أمام محلات بيع الخبز، وندرة أكياس الحليب، تخيلت الأطفال يبكون من الجوع،كانت أفكارا مخيفة، كما أشار المعلم إلى انو ما ننتجه غير كاف ابدا مقارنة بما هو مطلوب من أغذية ومحاصيل وذكر لنا المعلم حكاية حقيقية تتحدث عن أخوين كانا يذهبان معا الى المدرسة ويدرسان في نفس القسم، وفي أحد الأيام وبينما المعلمة تشرح الدرس فإذا بالفتاة تقع على الأرض مغمى عليها، جرت المعلمة نحوها وهي لا تدري ما بها، ثم التفتت إلى أخيها وقالت له هل أختك مريضة؟؟ هل تعاني من أمر ما؟؟ فأجابها وهو يبكي ، نحن فقراء وانا وأختي لم نتناول طعاما منذ ثلاثة أيام..،ما أذكره هنا ان دموعي بدأت تنزل دون استئذان، فأنا لم اتوقع ان الجوع يفتك في وطني الى هذا الحد، استغربت من برود بقية التلاميذ فهم لم يكونون يبكون مثلي، أنزلت رأسي وبقيت أفكر بيني وبين نفسي، إذا كان هذا الوضع فماذا سيكون دوري؟ هل سأكون طبيبة لأعالج مثل اؤلئك الأطفال ؟ هل سأذهب إلى الأغنياء وأجمع منهم طعاما نأخذه للفقراء ؟ هذه فكرة جيدة لكنها ليست حلا حقيقيا .. بقيت الأسئلة تدور في رأسي، وأنا استمع في نفس الوقت للأستاذ وتحليله للموضوع، بعد تفكير طويل وتحليل عميق أعتقد أنه أكبر من سني حينها خلصت إلى أن انجح طريقة لتغيير هذا الوضع تكمن في يد المسؤولين السياسيين فهم الحلقة الأولى في هذه السلسلة الطويلة من التخلف الذي أوصلنا إلى حالة اللاإكتفاء واللاأمن الغذائي، هنا قررت أن أكون وزيرة للزراعة في بلدي، كانت الفكرة اقرب إلى الخيال والى أحلام الأطفال منها إلى الواقع. لكن هذا هو قراري ولا رجعة عنه، أول سؤال ورد إلى ذهني كيف أصبح وزيرة ؟؟ بعد بحث واستشارة وصلت إلى الخطوة الأولى وهي ان ادرس تخصص الزراعة في الجامعة، وهنا بدأ مسار حياتي يرتسم واضحا أمامي، عرفت أن علي أن أدرس بجد لأدخل التخصص العلمي في الثانوية وبعدها علي الحصول على شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة) بمعدل جيد لأتمكن من التسجيل بمعهد الزراعة،وهكذا انطلقت في رحلة طموحة جدّا كنت مجتهدة في المدرسة المتوسطة ولما انتقلت إلى الثانوية سجلت في التخصص العلمي، وكانوا قد سألونا ماذا تريدون أن تصبحوا في المستقبل فكنت أجيب مهندس زراعي، هذا الجواب كان يثير استغراب كل من حولي من طلبة أو مدرسين، لكنني كنت أشعر بالفخر الكبير وأنا أقول هدفي، خاصة أن أغلب من كانوا معي لم تكن لهم أحلام كبيرة، أكملت فترة الثانوية ونجحت لكن معدلي لم يكن كافيا لأدرس الزراعة فدخلت قسم الترجمة، والذي كان تخصصا فاخرا لدى الكثيرين لكنه لم يعجبني ولم يجذبني إطلاقا، فأعدت التسجيل لشهادة البكالوريا مجددا ونجحت هذه المرة بمعدل يسمح لي بدخول معهد العلوم الزراعية بفخر كبير وفرح شديد لم أنس يوما تلك القصة ولم أنس يوما كلمات أستاذي عن الاكتفاء الغذائي والأمن الغذائي لكن هذا الاختيار جعلني محل غنتقاد الكثيرين ممن حولي فكنت أوصف بالمجنونة لأنني تركت الترجمة واخترت الزراعة، لكن كلامهم لم يكن يعني لي الكثير فأنا أعرف هدفي وأسير نحوه بكل ثبات، رغم التّحدّيات.

 
myhc_5715.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

عائشة بوشنير منذ 3 سنوات

الأستاذ هو وسيلة التلميذ لرسم مستقبله..أحييك اختي هدى على هدفك السامي كما أحيي إرادتك الصلبة التي وقفت عائقا في وجه السخرية و الانتقادات..سيري قُدُما وفقك الله و سدد خطاك و أعز بك الأمة الاسلامية

أضف تعليقك