أمل الذخائر

26 أبريل , 2013

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”678″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”300″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”290″}}]]

أتجول المدينة.. أقبل شوارعها بناظري, وأتسلل بين أزقتها بأنفاسي, تعطرني رائحة الباعة, وتنزلق إلى أسماعي أصوات الحياة .

هكذا أفعل كل يوم, كأنني وليدة البارحة أو ضيف الأمس, كل صباح أتنشق فضولاً أعمق, واشتياقاً أقوى, فبنغازي منذ ارتدت ثوب الحرية تبدو فاتنة حقاً، ومثيرة للاكتشاف, الناس.. الطرقات.. الدكاكين.. والمنازل, كل الأشياء تغيّرت, وكأنما بعثت في أوصالها الروح مجدداً.. بعدما كانت تستشرف الأفول, وتنتظر الرحيل, وبالكاد تنبض .


تشي بك الأمكنة، فقبل زمن مررت من هنا.. داعبت الشجر, و أصغت إلى كلماتك العتبات, وحفظها الحجر, و تناقلتها الأنسام عبر مرورها المسترسل, وأنا اليوم أستعيد جزءً من الذكرى الراحلة, وأستحضر لنفسي لحظات سقيتها بعذوبة تواجدك, ليستغرقني الحنين.. ويلفني الاشتياق, وأعود إلى ذلك الزمن.. دون آلة للزمن!، فيكفي أن عطرك لا يزال عالقاً بملابسي, وأن ساعتك باتت أغلى مقتنياتي, بالرغم من فقدان عقربيها, واللذَين آثرا الرحيل معك على البقاء في دنيا لا يلقيان فيها شبيه اهتمامك .

 

كان عسيراً على شمس فبراير الشاحبة التغلب على ظلمة السماء الملبدة بالغيوم, والمتكدرة بالدخان, كتب على بنغازي المعاناة لأيام متوالية كما عانت في سنين ماضية من الرعب الخفي, والصدمة المعلنة..
أن يموت الشبان عزلاً.. وراء القضبان.. وعلى إسفلت الشوارع،
أن تُنصب المجازر علنية بدم بارد, أن تتبعثر الأشلاء في كل "زنقة".. وأن تغسل قطرات المطر جثثهم المحترقة.. ثمّ تنقش اللحظات مضيّها على وجوه الناس الواجمة, فتهذي الساعة منذرة بفوات الأوان.. يتوقف الرصاص قليلاَ.. يلملم الشباب أشلاء أصدقائهم.. وتتعرف الأمهات على بقايا أجساد أبنائهن.. ويرثي الجميع شهداء المدينة .


أجلس صامتة.. قلبي يداعبني ببعض الامل, وعقلي يحوم بأفكار يائسة محبطة فأنا لم أره منذ البارحة.. وهو لا يرد على هاتفه: "تراه بخير.. أم تراهم اعتقلوه؟.. لاشك أنهم سيعتقلونه!.. لن يتركوه!.. البلد في حالة استنفار, والأمن الداخلي يشحذ قواه, و اللجان الثورية في كل مكان.. نشاط متخف وخلية نائمة.. يتوسدون نواياهم الدنيئة، ويتهيئون بالتأكيد لتثبيت جبروتهم..
بتّ ليلتي متكئة على الأريكة
، أعانق وسادتي المبللة بحرارة.

استيقظت صباحاً.. أعددت قهوة مرة.. رتبت الطاولة كما لو أنه موجود!.. صحن من
"زميتة" بالتمر، وفنجانان مذهّبان مزخرفان بأسلوب مغربي عتيق..
جلست أنتظره عله يأتي، لكنه.. لم يأت!، ولم يبعث برسالة أو يتصل!, والقهوة صارت من نصيب شقيقي أحمد، الذي بادر بالمجئ إلي ليخبرني بضرورة المضي معه إلى بيت اهلي حتى يرتاح حال البلاد, ثم أردف بعد تنهيدة عميقة : (مع أنني متأكد أن الوضع لن يهدأ بعد الدم!).
_ إنه يعيد المجزرة يا أحمد, بنفس تفاصيلها، لكنه اليوم أغبى من أي وقت سبق, والشعب محتقن ولن يرضى الرجوع خطوة للخلف .

حزمت ملابسي, عطرتها بعطر حسام, وحين هممت بإغلاق الباب مولية ظهري لبيتي الصغير, اختلطت الأزمنة, وتُهت في حزمة ذكرياتي الوداعية مع والدي.. كنت في الخامسة تقريباً, يوم افترقنا على أمل أن يلتحق بنا لقضاء بعض الوقت مع خالي في بريطانيا فور الانتهاء من عمله, لكنه لم يفعل، لأن يد الجرم أسرع في عهد الظلام من الأحلام الحبيسة, فبعد يومين من سفرنا قام جهاز الأمن الداخلي بإلقاء القبض عليه.. في حملة اعتقالات واسعة شملت كثيراً من شبان المدينة, لأنه متهم بكونه زنديقاً يحمل فكراً يعادي العقيد, ومهتم بكتب غير الكتاب الأخضر, ولأنه يحمل في ضلوعه قلباً يأنس بصلاة الفجر في المسجد مع ثلة من الصالحين .
 

حُظر علينا بعدها دخول البلاد وعشنا سنوات عصيبة أُسقينا فيها حنظلاً.. اضطررنا فيها لتزوير جوازات سفرنا وإصدار كتيب عائلة جديد, فأصبحنا سوريين لأم جزائرية.. مشتتي الهوية لا نعرف لنفسنا موطناً وملجأً.. ولا جالية حقيقية، وأذكر جيداً عيد ميلادي العاشر يوم أخبرتني أمي الحقيقة وكوني كبيرة ما يكفي لأتحمل إخفاء سر عظيم بعظم آلامنا, يومها عرفت أنني ليبية أقطن بنغازي, ذو أصول مصراتية, وأن والدي اعتقل ليموت في مجزرة "بو سليم" هو وكثير من الشرفاء, عزلاً من السلاح.. مقيدي الأيادي.. أحرار النفوس.. موجهة إليهم أسلحة الموت.. يحملها أربعمائة شيطان على رأسهم عبد الله السنوسي.

كل أرجاء المدينة تشتعل غضباً.. تضج صراخاً.. والخوف أصبح قصة منسية.. مثل العقيد، حتى الطيور ما عادت تخاف.. تحلق
ويطوقها الرصاص!، إنه السابع عشر من الشهر, كل شيء انهار تماماً.. الكتيبة تضم بين جدرانها أعتى المجرمين, وصدور عارية في الخارج تتلقى أسلحة فتاكة, وتصعد أرواح فرحة بالشهادة, و جسر "جليانة" يشهد أنواع القتل قنصاَ وإغراقاَ.. على يد من يسمون بـ"ذوي القبعات الصفر", والموت يترصد الجميع هنا حتى داخل المنازل؛ فالرصاص يهتك كل المحارم . 
عاد حسام ليلاً.. كان شخصا مختلفاَ تماماَ.. حسام ابن الخامسة والعشرين.. الهادئ والوديع.. استحال شخصاً آخر, عيناه تتطايران شرراً وحنقاً.. يعض على شفتيه حتى أنهما نزفتا, لكنه لم ينبس ببنت شفة, بادرته : (حسام.. أنت بخير؟)، انفجر باكياً, لست أدري لحظتها كيف امتزجت دموعنا لكننا بكينا سوياً, كطفلين.. رماهما اليتم بلهيب الفواجع.. ليتلقفا من الزمن ما لا يحتمل.
_ استشهد رفيق الدرب يا سارة, مفتاح لفظ أنفاسه الأخيرة و ساعديّ ملتفّتَين حول جسده المخضب بالدماء.. كان خافقه يضطرب كما تضطرب ورقة خريف تصارع الرياح, وثغره باسم رغم خطوط الألم العريضة على وجهه, وكان يهتف بي قائلا : (كف عن النحيب يا صديق, وافرح لأجلي, إنهم يهدونني الحياة ليعيشوا جثثاً بلا أرواح، تمنيت الشهادة يا حسام، فلماذا تحزن عليّ أن أنالها؟).

قضى حسام تلك الليلة يصلي, فالصلاة سكينته.. ملجأه.. وهي التي تنسيه كل مواجعه .
مرت الأيام بسرعة.. تحررت الكتيبة بعملية استشهادية نفذها المهدي زيو .. انهار جدار كتيبة "الفضيل بو عمر",
فتهاوى  النظام في بنغازي, وتصاعدت التكبيرات في المساجد يتردد صداها في الأنحاء والأحواز, فالثورة تمتد.. ويشتعل فتيلها في كل المدن .
كنت كل يوم أذهب لتعزية ثلاث عائلات على الأقل، وقد حاولت أمي منعي مرات كثيرة من الذهاب إلى خيمة الاعتصام لأنني أحمل طفلا يتقلب في أحشائي ويجب علي أن لا أجهد نفسي جسدياً ومعنوياً، فيكفي أنني امرأة مائلة للكآبة بطبعي, لكنني لم ألتفت إلى تحذيراتها كثيراً, فأنا أريد لذلك النبض الصغير أن يكبر بهتاف العزة .

"البريقة".. عداد الشهداء يرتفع, واللجان الثورية تنخر عظام الثورة.. رتل يتقدم.. ينوي قادته إبادة الجميع.. محو بنغازي من خارطة العالم.. وتسويتها بالقاع!.
كنت أخفق تحت دثاري، والحمى كانت تقصف جسدي كصواريخ "الغراد" التي كانت تصيب أهدافها من أربيعين متراً, كنت أضطرب وأدعوا وأتلعثم وأرتجف, وشعور يائس يأكل شغاف قلبي ويلتهمها التهاماً.. كما كانت الصحراء المترامية تفعل بأشلاء الشهداء المتفحمة..
أمي تلازم سجادتها منذ الفجر, وصوتها الشجي يسترسل بالدعاء كأنها ترى باب السماء أمامها مفتوحاً, ودموعها المنسكبة تتعرج في تجاعيد الوجه.. تضفي هيبة مخيفة .

شهيد يسقط.. جريح ينزف.. تكبيرات تخترق الآفاق.. وطائرات قاعدة بنينة.. تبسط أجنحتها..
مسددة الإطلاق.. تهوي صواريخها مشتتة رتل الموت، ليتفرق جمعه.. وتتناثر أطرافه.. والهاربون يسددون الرمي في ثغر السماء.. الصقر يقضي في الأفق البعيد محلقاً.. حراً كما اشتهت النوايا.. الأرض والجوزاء تشهدان ملحمة عظيمة، والنار تعلو تلتهب، جيش الأعادي يهزم ينسحب.. وطائرات "الرافال" تنهي البقية المتبقية من حلم العقيد بالاستيلاء على بنغازي, وقرار الحظر دخل حيز التنفيذ.

عاد أحمد.. بلا ملامح.. بلا دلالات أو تفاصيل، كأنما قد فقد وجهه، رعشة تحتل أوصالي، تخرج مدوية: (أين حسام ؟؟), يطرق أحمد واجماً, تتسلل يده إلى جيبه.. ساعة حسام ملونة بالوحل والدماء وبقايا من شظايا عالقة : (لم نجد له أثراً, إلّا بقايا معصمه وساعته)..
أمسكها.. أقبلها.. وأستسلم لحضن أمي.. أشاركها لوعة الفقدان وحرقة الفاجعة, صوتي يختفي تدريجياً من البكاء.. ما عدت أشعر بعيني.. وأنفاسي اللاهثة تتقطع في وهن, وقوله قبل رحيله: (كوني بخير لأجل الصغيرة) يغطي شعوري.. الحقيقة مؤلمة لأنها لا ترى سافرة إلا مرات قليلة, لذا فهي صادمة وخانقة, لكنها حتمية التصديق..
جرحي اليوم من جرح الوطن ونزيف قلبي ينبع من وريده, وأنا فقدت الراحلين أبي.. زوجي, وكلاهما ابن للوطن .

مضت الأيام.. الثورة تحقق
نصراً رهيباً.. مصراتة تنتزع الحرية  بحد السيف وحرارة المدفع, وتشق حكاية الفتح دروب جبل نفوسة, وتكلل الثورة أخيراً بعروس البحر بعد معركة طويلة وتخطيط لشهور, وفي مدينة الاشباح سرت.. سَرت الشائعات عن شخصية مهمة في الحي الثاني.. لتقبض أيدي الثوار الطاهرة على أنجس مخلوقات الارض.. فيشبع موتاً, ويشرب من كأس الذل حد الثمالة.

وللشمس إِشراقة وضاءة بعد الغياب, وللسعد ألوانه المتداخله, وللحب أغنية ممزوجة بشدو حماس من الظافرين, والناس بعد الحرب يرتاحون من سوط العذاب.. وسطوة الجلاد, وليبيا تتنفس الأمل من جديد, وأمل ابنتي الصغيرة تتنفس الوطن في كل لحظة, ورغم كل الخلافات.. إلا ان الثورة الحمراء حية لا تموت ستظل تنشد :

لا نبالي إن سلمت من هلك

وخذي منا وثيقات العهود

إننا يا ليبيا لن نخذلك

لن نعود للقيود

قد تحررنا وحررنا الوطن .

 

طالبة في جامعة بنغازي

كلية الاداب قسم علم الاجتماع

 

0image.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك