بقايا حرب

25 أبريل , 2013

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”672″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”360″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]"بلادي بلادي، بلادي يا أرضي يا أرض الخلود" صوت النشيد في ساحة المدرسة يصدح من حناجر الطلبة ولكنّ صوتهم هذه المرة كان يبدو عليه الإرهاق، البعض كانوا قد غابوا عن الطابور المدرسي، الغياب هنا لم يكن لمرض أو لفرح، الكل ينظر إلى الصف ذاك والقلوب تحبسها الغصة.

تشير أحدي المدرسات لزميلتها بيدها وتقول هناك كانت تقف "سارة" في مقدمة الطابور بالسطر الأول، "وينك يا سارة هلقيت، ليش ما اجيتي اليوم على المدرسة؟" تسأل طالبة، دخل الطلاب إلى الفصول المدرسية وكان مكان جلوس سارة يرتدي الحزن وشاحاً.

الحقيبة، خط يدها، رسمتها لخارطة فلسطين، القلم، جدران الفصل، الممحاة، السبورة، الطلاب والمدرسة، كلهم كانوا شاهدين على غيابها وحضورها! كانت تحضرهم في مخيلتهم فيموتوا لأكثر من وهلة فيتساءلوا "معقول سارة استشهدت؟ عنجد قصفوا سارة الصغيرة بالصواريخ الثقيلة؟!

صرخة أم سارة وهي تغلي على أولادها القد تحولوا إلى شرائح مقطعة مع الرماد، الآه لا زالت عالقة في ذهن تلك الفتاة التي شاهدتها على التلفاز وهي تلملم رائحة أبناءها بقهرها الذي لا حول ولا قوة له، تبكي الفتاة كلما استرجعت بذاكرتها المشهد ذاته، وحده البكاء يشفي غليل الفتاة، ووحده لا يكفي ليضمد صرخة الأم التي تتمزق على فاجعة فقدان أطفالها وتشوه وجوههم البريئة.

يا الله كيف يمكن أن يكفوا عن الوجع والوجع يختال في كل الأروقة والذكريات تغزو الوجع! يا للوجع هل يوجد أوجع من أن يقصف الأطفال في بيوتهم وهم يداعبون الحياة فلا ينجو من الموت إلا بضع العذاب! سيكونوا شاهدين على المحرقة؟ فماذا عن العذاب سيتجرعونه كلما نزفت الذاكرة بهم! أم سيصاحبونه كلما اشتعل الحنين إليهم!

لمن ستروي الأم كل ليلة حكاية الشاطر حسن والغول لينام الأطفال وهم متشوقون لحكاية جديدة مع غد جميل؟ لمن ستعد الحليب والكعك كل صباح وتلبسهم الأمل ليومهم؟ لمن ستغني الفرح والفرح يصطدم بالوجع؟ ماذا ستفعل بأرواحهم الحاضرة ببقاياهم وظلهم؟ ستفرش لهم حبها وشوقها في غرفهم، وسترتديهم كل يوم! آه ما أكثر اصطفاف الوجع يا أولادي لماذا لم تأخذوني معكم يا أحبائي؟!

سارة الدلو هي وردة فلسطينية لم تتجاوز الثمانية أعوام قطفها الجاني غصباً وهي تقطن في بستانها مع أهلها، ربما لأنه يتحسس من الورد!

بقايا حرب2

حرقوا العشب الأخضر، حرقوا السلام، حرقوا الكلام، حرقوا الأعلام، حفروا في الأرض مدفنه أرادوا دفن الأسماء وشطب المدينة، قصفوا بيوت الله لأنهم يعرفون الرب ولا يبالون لعقاب، قصفوا المشافي كي يموت الجرحى وهم ينزفون، قصفوا عُش الحمام لألا تجيء الطيور وفيها يبيتون، المقبرة حولوها لمقبرة أخري جديدة، ليس إجراماً بل أرادوا تسهيل مهمة حّفار المقابر!

الشوارع حائرة أن تغني أم تصلي، أن ترتدي الفرح أم الحزن، أن ترقص أم أن تلطم، أن تمنح المارة الضوء أم أن تضل متوشحة بالظلام! هل كان عليهم أن يحيروا الشوارع في اختيارها لما تريد أن تفعل؟! سحقاً لقد أقحموا المدينة بالحيرة!

الناس في الشوارع متخبطة لا تدري أن تسير يميناً أم يساراً، أن تروح إلى الجنازات لتدفن شهدائها المخضبين بروائح العنبر أم أن تذهب إلى المستشفيات لمؤازرة من أصيبوا بموت أول، أن تتفقد بقية أولادها الذين شُردوا وتفرقوا بفعل الحرب أم أن تُلملم أعضائها المدفونة بين كتل الحياة!

صوت الطائرات والرعد والأمطار موسيقي اختلطت على مسامع سكان المدينة، ربما أرادوا إيقاعهم بالصوت المزعج بعدما عذبوهم باللاصوت "القصف الصامت" فجاءت رحمة السماء في حينها، الكل قلق من اختلاط الأصوات وما هو قادم، يتساءلون هل سيعودون عن قريب أم ماذا، هل يجهزون لنا الأكفان أم أنهم يفاوضوا الموت ليحشدوه وهل نفذ الموت من جعبتهم ما الذي يجري بحق الله! هل توقف النزيف عن المدينة أم أنها خدعة كالعادة؟

"الحمد لله على سلامتكم" تلك الكلمة كانت على لسان جميع سكان المدينة، كان الحمد للرب للبقاء على قيد الحياة عند الأغلبية، لكنّ ما يُدمي بعضهم أنه كان حياً ليتمنى الموت في كل لحظة كي لا يضل الوجع حاضراً بين ضلوعه.

كتلك الأم التي فقدت كل أطفالها وعائلتها ولم يتبقى لها إلا الذاكرة واللسان لتمسي على القتلة باللعنة ليل نهار! اللعنات وحدها لا تكفي لاحتراقها الأبدي! يا ربي لماذا أبقيت خلقك في أعقاب الحياة يتوجعون؟!

الوجع يختال في شوارع المدينة كان لا بد من الحياة، في الشوارع كانوا يصطفوا حاملين مَن رحلوا منهم على أكتافهم، ليدفنوا الوجع بينما يتلصص لهم بمراوغة! الأخ، الأخت، الأم، الأب، الابن، البنت، الجار، الصاحب وأبناء المدينة للموت يبكون!

لا يا أحبائي لا تُقطّعوا قلوبنا وتبكوا، لملموا دموعكم وغنوا لأبنائكم غنوا لهم، فالملائكة الآن تحرسهم، أولادكم لم يموتوا أولادكم ولدوا للوطن شهداء و هم طيوره المحلقة باسمه!

تتنوع الأوجاع هنا في المدينة كل وجع له لون وطعم وحكاية! في المشفي هناك مَن فقد قدميه اللتان كان بهما يسير للحياة وهو ذاهب لزيارة بيت أقاربه، وآخر بُترت يداه اللتان كان يداعب بهما أطفاله ويمارس الحياة، وثالث فقد السمع وهو يستمع إلى صوت الحياة وجدته، ورابع فقد البصر وهو يصفن في أخيه الذي رحل عن الحياة، وخامس فقد العقل وهو مندهشاً من رحمة إسرائيل بأطفال غزة المحبين للحياة!

 
طالب في كلية الجامعة للعلوم التطبيقية، قسم تكنولوجيا تخصص وسائط متعددة، وفي جامعة الأمة للتعليم المفتوح، تخصص صحافة وإعلام – غزة  
1361414341.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك