تجربتي مع الثانوية والتحصيل العلمي الزائف!

3 فبراير , 2018

مع أن الدراسة لم تبدأ بعد، إلا أنّ ماراثون الثانوية قد بدأ بالفعل! أذهب إلى الدروس الخصوصية منذ شهر أغسطس، الطلاب هنا لا يهتمُّون ببدء العام الدراسي مُطلقًا، هنا الاعتماد الأول والأخير على الدروس الخصوصية فقط.

من أغرب السنوات الدراسية التي مرَّت بي على الإطلاق، بعد شهرين من الدخول في تجربة الثانوية.. أشارككم بخواطري التي كوَّنتها على مدار 60 يومًا كاملة، وقد عانيت منها منذ دخلت إلى الأزهر.

 

لماذا أدرُس 15 مادة؟!

صورة للجامع الأزهر

 

بينما يحصل طلاب الثانوية العامة على 8 مواد، اثنين منها (الإحصاء والتربية الدينية) لا تُضاف للمجموع، يحصل طلاب الأزهر على 15 مادة، اللغة العربية وحدها 4 فروع، والمواد الشرعية 5 فروع، والعلمية 4 فروع تتضمن مواد علمي علوم  رياضة معًا – باستثناء الجيولوجيا فقط – بجانب اللغة الإنجليزية والقرآن الكريم.

 

حسنًا يمكنني ألا أعترض على كل هذا الكمِّ من المواد، ولكن ما هي المزايا؟ إذا فرضنا أن دراسة كل هذه الأشياء تزيد من ثقافة الطالب، إذا فرضنا بأن المناهج الموجودة حاليًّا هي مناهج فعَّالة، ولا تعتمد على الحفظ فقط؛ فما هي المزايا الأكاديمية حتى لدراسة كل هذه المواد؟!

 

تنسيق الكليَّات الأزهرية لا يختلفُ كثيرًا عن تنسيق الجامعات العامة. وعند التقدم للجامعات الخاصة مثل الجامعة الأمريكية وجامعة زويل أو حتى إلى منحة دراسية في الخارج، فإنهم يُجرون معادَلة يُزيلون فيها درجات المواد الشرعية والعربية وتكون الدرجة اللازمة لقبول طلاب الثانوية الأزهرية نفس درجة قبول طلاب الثانوية العامة، دون أي التفات للمواد الكثيرة التي قضى الطالب الأزهري وقته في دراستها، وهي التي استولت على نصف الوقت المخصص لدراسة المواد العلمية.

 

هذا الأمر بالتأكيد يؤدي إلى الإحباط، الكثير من المواد يعني الكثير من التشتت والكثير من الضغط، بالطبع أعرف الكثير ممن نجحوا في الثانوية الأزهرية بمجموع أعلى من 98%، ومنهم أخي، ولكن أذكر جيدًا كيف عانى طوال 10 أشهر لكي يحصل على هذا المجموع.

 

مواهب؟ تبًّا للمواهب!

 

“إنني أرتجفُ حين أفكر فيما يحدث لصغارنا في المدارس وشبابنا في الجامعات الذين يكبَّلون بالكتب المعلوماتية الثقيلة المطبوعة بشكل رديء، والذين يقضون كل وقتهم في دراسة موادٍ ينسَونها بعد مرور شهر، ولا تترك لهم أي مجال للعب أو التنفس”.

عبد الوهاب المسيري

 

لا وقت، لا وقت.. مع 6 دروس خصوصية في يوم، و4 في يومٍ آخر.. ومع امتحانَيْن على الأقل كل جمعة – لا وقت لممارسة المواهب والهوايات، اشتقتُ كثيرًا للقراءة، ولا أكتُب إلا في أوقات ضيقة جدًّا أختلسُها بين أوقات الدروس وقبل النوم، توقفتُ عن لعب الشطرنج وتنس الطاولة كذلك.

 

مع عدم ممارسة المواهب في المدرسة وخارج المدرسة يتحوَّل الطالب إلى آلة دراسية، ربما كنتُ سأصاب باضطراب نفسي لولا دراسة القرآن الكريم ودراسة بعض المقالات والنصوص الأدبية التي تبعدني قليلًا عن المعلومات العلمية الجامدة الأخرى.

 

في رواية “أوقات صعبة” لتشارلز ديكنز، كان هناك أستاذ منغلق يُعلِّم الحقائق والمعلومات المجردة، ويهاجم الخيال، ولا يؤمن إلا بالحقائق المادية، فعندما سَأل أحد الطلاب عن “ما هو الحصان؟!”، أجابه تلميذه النجيب:

“حيوان، يا سيدي، من ذواتِ الأربع.. يأكلُ الحشائش أو الحبوب، عدد أسنانه أربعون سنة، يسقط شعره في الربيع، ويحتاج إلى حدوة من الحديد في البلاد الرطبة”.

 

نرى هنا كيف تؤثر الحقائق الجامدة على عقول الأطفال وتجعلها تفكر بطريقة نمطية رتيبة لا تحتوي على أقل قدر من الإبداع.

 

في الحقيقة لا أتخيل مدرسة ناجحة بدون تعليم الرسم والرقص والتمثيل والغناء والرياضة كذلك.

 

في هذه الرواية أيضًا، الأستاذ “جراد جريند” يعاقب ابنه “توم” وابنته “لويزا” عندما يعلم أنهما قد ذهبا إلى السيرك، إيمانًا منه بأنّ هذه الأشياء غير مفيدة، بل إنها مضرّة للعقل البشري. ويظهر لنا كيف أثمرت هذه التربية، وكيف أثّرت هذه التعليمات في نفوسهم حتى أصبحت أرواحهم خاوية.. فـ”لويزا” تهجر زوجها وتهرب مع عشيقها بعد تجربة حُب مأساوية، و”توم” يسرق مصرف زوج أخته، ويهرب أيضًا.

 

بالنسبة لي، ربما لن يقولها لي أحدٌ صراحةً بأن الخيال والفنَّ غير مفيدَيْن – أحيانًا يقولون ذلك بالفعل – ولكنِّي سأُعاقَب أيضًا إذا ذهبتُ إلى السيرك أو إذا فكَّرتُ بقضاء بعض الوقت في الرسم والكتابة.

 

مابين التعليم النظامي والتعلُّم الذاتي

 

“كما أن تناول الطعام دون الحاجة يؤذي الصحة. كذلك التعلم دون رغبة أو شغف يفسد الذاكرة، وفي النهاية لن تتعلم شيئًا”

ليوناردو دافنشي.

 

لم أستحسن أبدًا التعليم النظامي، لا أحبُّ أن أُجبر على دراسة مادة معينة بطريقة معينة في وقت معين، فضلًا عن كوني أحبُّ هذه المادة أم لا..

 

أشعر بأن التعليم النظامي يُطفِئُ حُبَّ العلم في داخلي، يتحوَّل ذلك الحبُّ إلى مزيج من المداراة والْمُجاملة، اللتان تتمثَّلان في دراسة أشياء لا أودُّ دراستها؛ فقط لكي أنجح في الامتحان.

 

على العكس من ذلك، عندما أحاول أن أتعلَّم مفهومًا جديدًا بنفسي، حتى ولو بإشراف مُعلم أو شخص آخر لديه علمٌ بهذا المفهوم، يكون الملل آخر ما أفكر فيه، أبحثُ بشغف وأقرأُ بشغف، أشعر بالإحباط أحيانًا عندما لا أتمكن من فَهم هذا الشيء بصورة جيدة، ولكن سُرعان ما أكثِّف البحث، وأسأل أي شخص لديه معرفة بهذا الموضوع حتى أتمكن في النهاية من استيعابه وفهمه.

 

في التعليم النظامي المعلومة تأتيني على طبق من ذهب، أنا لا أعرف ما غاية هذا القانون، كيف تمت صياغته؟ تحت أي أساس.. ولماذا لا تكون E=mc فقط بدلًا من c^2؟

 

أنا أريد أن أفهم العلم بطريقة صحيحة، أريد أن أخترعه وأكتشفه لا أن أحفظه بطريقة عمياء، التعليم النظامي يعينك على الحفظ، أما التعليم الذاتي فيساعدك على الإبداع.

 

أقول بعد المجهود الضخم الذي بذلته في الـ 60 يومًا الماضية، وبعد التفكير في المجهود الْمُضاعَف الذي سوف أبذله في الـ 8 أشهر القادمة.. فكَّرتُ أن أترك التعليم النظامي بشكل نهائي، أخبر نفسي أن الدراسة الجامعية لن تختلف كثيرًا عن المدرسة، وأصدقُ مثال على ذلك هو أخي الذي التحق بكلية الصيدلية بعد الثانوية، حيث قضى 5 سنوات في دراسة مناهج قديمة قد عفى عليها الزمن لا تواكب التطور العلمي، فضلًا عن الأساتذة الجامعيين الذين يستغلون الطلاب ماديًّا وعلميًّا، والامتحانات الشهرية الْمُرهقة، والدراسة لفترة تصل إلى 10 ساعات يوميًّا في المتوسط من أجل الحصول على درجة امتياز.

 

لا، لا أريد كل ذلك، لا أريد أن أتقيَّد بكل هذه القيود، في التعليم النظامي أشعر بأنني سجين، أُجبر على أداء مهام لا أريدها ولا أحبُّها، وبعد كل ذلك أحصل على شهادة لا تُثبت بأنني مُتعلِّم بقدر ما تُثبِت بأنني قد التحقتُ بالجامعة في يوم من الأيام، وبالطبع هذه الورقة التي حصلت عليها بعد عناء كبير ستفيدني أوَّل الأمر في الزواج، ولن تفيدني في العلم فضلًا عن العمل.

 

لذلك لن أكون متحمسًا كثيرًا إذا التحقتُ بجامعة الأزهر – لا يُسمح لطلاب الأزهر بالالتحاق بالجامعات العامة كجامعة القاهرة مثلًا – أو أي نظام جامعي بشكل عام.. وجدير بالذكر أن ترتيب جامعة الأزهر على مستوى العالم هو 2315، وجامعة القاهرة 743، شيء مُخجل بالطبع.

 

أطمح لإيجاد جامعة تتَّبع نظاما تعليميًّا حُرًّا، يعتمد بشكل أساسي على حُب العلم، تجربته ودراسته – والأهم من ذلك – إنتاجه! وغالبًا هذا النظام لا يوجد هنا في الجامعات المصرية.

 

احفظ لكي تنجح

في درس الكيمياء، عندما شكوتُ للأستاذ صعوبة بعض المعادلات، قالها بمِلء فِيْه:

“مش هتعرف تنجح في الامتحان ألَّا كدة، لو عاوز تنجح وتجيب النهاية مفيش حاجة اسمها دي حفظ ولا لأ، لو حاجة مش فاهمها احفظها عشان تنجح”.

 

أنا أعرف أنَّ أستاذي قد وقع ضحية لتعليم كاذِب، وأعرف أنَّ نيَّته حسنة بالتأكيد.. ولكن لماذا كل ذلك؟! ما الفائدة التي سأجنيها عندما أحفظ معادلة: “تفاعُل ملح النيتريت مع ورقة مبللة ببرمنجنات البوتاسيوم ومحمضة في حمض الكبريتيك المركز يؤدي إلى زوال اللون البنفسجي لبرمنجنات البوتاسيوم”!

 

الآن أفكِّر.. متى، في حياتنا العامة، احتجنا إلى المعلومات التي حفظناها في المدرسة؟ مرَّة كل شهر؟ كل سنة؟ .. باستثناء القراءة والكتابة وبعض المعلومات البسيطة في اللغة والدين، فجميع ثقافتي قد استقيتُها من الكتُب ومن الإنترنت ومن التعليم الذاتي، أنا أتناقش مع أصدقائي في قضايا فكرية هامة كقضية وجود الإله وحرية الإرادة وأكتُب الأبحاث والمقالات كل ذلك بدون الرجوع إلى أي شيء تعلَّمته في المدرسة.

في الحقيقة فكَّرتُ كثيرًا، ماذا يريد منَّا واضعوا هذه المناهج أن نستفيد؟!

 

أنا أؤمن بأنَّ أهم اختلاف بين الشخص الْمُتعلم والجاهل هو التفكير بطريقة علمية، ولكن ما علاقة ذلك بحفظ معادلة كالتي ذكرتُ؟ إن اكتساب التفكير العلمي والتفكير النقدي أبعد ما يكون عن الحفظ.

 

عن العلم الذي تحوّل من دراسة الطبيعة إلى دراسة الكتب!

جاليليو جاليلي يعرض لرئيس مدينة البندقية كيفية استخدام التلسكوب.

 

صدّقني عندما أقول لك بأنني لم أدخل معمل كيمياء في حياتي! أجل، معمل الكيمياء في مدرستنا تحوَّل إلى استراحة للمدرِّسين ومكان مناسب للإفطار والتسامُر أو تصحيح الامتحانات..

 

في العام الماضي كانت مادتي المفضلة هي الكيمياء، وكنت أشعر بحزن شديد عندما يشرح الأستاذ تجربة ما وأحاول بصعوبة أن أتخيَّلها، وكنتُ أشعر بالغيرة لأن أصدقائي في المدارس العامة لديهم معامل، حتى ولو متواضعة، يرَوْن فيها شيئًا من هذه المعادلات ويتمكنون من تجربتها بأنفسهم.. كنت أريدُ أن أراها بعيني، أن أجريها بنفسي، لم أُرِد أن أحفظها.

 

تناقشتُ مع أمِّي في هذا الأمر منذ عدة أيام، وأخبرتها أن المناهج الدراسية تُدرّبنا على الخيال، لكن بطريقة خاطئة طبعًا.

مثال في الفيزياء: “تخيَّل دائرة كهربية مغلقة يسري فيها تيَّار من القطب الموجب إلى القطب السالب، وهذه الدائرة تحتوي على مقاومة وجهاز فولتميتر وريوستات”.

 

وفي الكيمياء: “تخيَّل تفاعل حمض الهيدروكلوريك المخفف مع ثيوكبريتات الصوديوم – أنا لا أعرف لونهما حتى – الذي يتصاعد منه غاز ثاني أكسيد الكبريت الذي له رائحة نفاذة – أجل تخيَّل أنك تشمَّ هذه الرائحة -“.

 

إذا أحضرتَ الطالب الأول على الجمهورية في الثانوية العامة ووضعته في معمل للكيمياء، على الأغلب لن يتمكن من إجراء تفاعل واحد! وكذلك لن يتمكن من توصيل دائرة كهربية بالطريقة التي درسها في كتاب الفيزياء.. هو لا يعرف كيف تبدو الدائرة الكهربية أو كيف يبدو جهازَي الأميتر والفولتميتر.

 

أنا لستُ مُطالَبًا بأن أجلس كل يوم أتصفَّح المواقع العلمية على الإنترنت لكي أحاول أن أفهم الدرس بطريقة تُناسب القرن الواحد والعشرين!

 

هكذا تحوَّل العلم من دراسة الطبيعة، إلى دراسة الكتب، حفظ الكتب، أُطالَب بتكديس المعلومات وتفريغها في ورقة الامتحان لكي أحصل على درجة كاذبة.

 

لا أعرف ما هو الحلُّ في هذه المشكلة بالتحديد، أعلم أنَّ هناك أزمة كبيرة في تمويل المدارس وإنشاء المعامل وما إلى ذلك، ولكن يجب أن نُفكِّر جديًّا في مدى صلاحية المناهج التي ندرسها وهل هي مفيدة “حقًّا” أم مجرد شكليات..

 

بريق أمل في بعض القرارات الوزارية

بنك المعرفة المصري

 

هناك عشرات الوزراء الذين وعدوا بتوفير أجهزة لوحية لكل طالب حتى يتمكن من تصفُّح الكتب الدراسية من خلاله، ولكن لا يحدث أي شيء..

في العادة وزير التربية والتعليم في أية دولة يشترك مع وزير التعاون الدولي: في أن “كليهما غير معروف”، ببساطة لأن معظم الذين يتولون هذه الوزارات تقليديون وروتينيون إلى أبعد حد.

 

نفرٌ قليل من وزراء التربية والتعليم هم الذين تُحفر أسماؤهم في عقول الناس، كطه حسين مثلًا – تولَّى وزارة المعارف – وأنا أعتقد أن د. طارق شوقي واحد من هؤلاء الوزراء، حتى ولو حُفر اسمه على جدار الفشل.

هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أسمع فيها وزيرًا للتعليم يتكلم بطريقة سلبية عن الامتحانات، يقول بأن الشعب المصري تعوَّد أن يهتم بالامتحانات أكثر من الاهتمام بالعلم والتعلُّم.

 

في خطوات عديدة اتخذها د. طارق شوقي تحمَّل الكثير من الجرأة بدءًا بتدريب عشرات آلاف الْمُعلمين وتجربة نظام التعليم الياباني في مصر، وتعديل المناهج وإزالة الحشو بنسبة تصل إلى 40%.

 

كان القرار الأكبر والأهم في نظري له هو إنشاء بنك المعرفة المصري، وهو عبارة عن موقع إلكتروني يحتوي على كتب ومصادر تعليمية ضخمة عربية ومترجمة، بعض هذه المصادر تُكلف آلاف الدولارات عند شرائها من الإنترنت، ويشارك في البنك أكثر من 40 دار نشر.

يقول شوقي أن: “الشخص الذي لديه قدرة على الدخول إلى فيسبوك سيتمكن من الدخول إلى بنك المعرفة المصري”.

 

المهم في الأمر أنه سيربط المناهج التعليمية بالموقع، سيطرح الْمُعلم موضوعًا للبحث ليبدأ الطالب بتصفح البنك ومحاولة بحث وجمع المعلومات ثم يناقش ما توصل إليه مع معلمه، كما ستكون الامتحانات إلكترونية.

طارق شوقي لديه مخططات واعدة بالقضاء على “بُعبُع” الثانوية العامة، وإلغاء الدروس الخصوصية أيضًا.

 

يبدو غريبًا أنني، في هذا الوقت من السنة القادمة، سأكون قد تعرفت على مستقبلي الجامعي، لا أعرف هل سأتحمَّل الاستمرار في الثانوية أم سأستسلم ببساطة.. أتمنى فقط أن أتعلَّم بعض الدروس من هذه التجربة الفريدة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك