شهداء في الدنيا؛ وشهيد في الآخرة

24 أبريل , 2013

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”666″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”384″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

 

   لا يؤذن شروق شمس هذا اليوم بغروبها المألوف في الأيام العادية.تتعاقب متوالية أيام الثورة التي أجمع الكل على بدايتها،لكن أحدا لا يملك يقين مآلها ولا متى ستنتهي و لا كيف!؟

    في أسرة مكونة من أربعة أفراد،حافظت الأم على عادتها في إصدار الأوامر المطاعة من قبل الأب أولا:السيد أمجد ذو المجد الغابر؛ رجل ودود و مسالم إلى الحدّ الذي تختفي فيه معالم شخصيته أمام جبروت زوجته، لكن ومضات من هذه المعالم تعود لتطفو على السطح عند حديثه إلى زهرتيه (كما يحلو له أن يلقبهما): سيف:الابن البار؛شاب في الخامسة و العشرين من عمره، متأنق في كلامه و في لباسه،يقضي معظم أوقاته أمام شاشة حاسوبه حيث يواصل ربط الليل بالنهار على صفحته في  الفايسبوك المزدحمة بمئات الأصدقاء.تعاتبه أمه على إهدار وقته وإهمال دراسته الجامعية.يطأطئ رأسه مظهرا لها طاعة وانقيادا من باب الإحسان للوالدين! على الطرف الآخر،ترفل هند-الابنة الكبرى التي أكملت عقدها الثاني-في ثوب من الجمال و الهدوء ممزوجين بنزعة قيادية أهلتها لتدبير أمور زميلاتها في الثانوية.طوال الوقت لا تكف هند عن إثارة ملف القضية الفلسطينية لتجعل من الدفاع عنها شغلها الشاغل و هدفها في الحياة.

 

    تتباهى هند بنشاطها وحيويتها داخل البيت وخارجه،بينما يميل سيف إلى التكتم فلا يبوح لأحد بأسراره.لكنه كان كثيرا ما  يرافق أباه في جولات بالمدينة حتى في ظل أيام الثورة؛ يتبادلان فيها أطراف الحديث الذي تكون حصة الأسد فيه من نصيب أبيه.

 

    من فرط سيطرة الأم و توتر الأجواء في أيام الثورة، انزوى السيد أمجد لفترة طويلة في عزلة بيتية، ظهر بعدها لجيرانه بعد أن تسببت له في نوبات من النسيان(كأنه على مشارف الإصابة بمرض الزهايمر!)، فكان بين الفينة و الأخرى يسألهم عن أسمائهم،ولأنه دائم الحفاظ على ابتسامته العجيبة؛ كانوا يظنون أنه يمازحهم ويداعبهم ليس إلا!

 

    مع توالي أيام الثورة، لم يعد سيف يمضي كل ذلك الوقت الطويل على صفحته بالفايسبوك.طبعا؛لم يكن ذلك  استجابة منه لطلب الأم،ولكنه استبدل هذه العادة بعادة أخرى جعلته عرضة للخطر: أصبح دائم التطواف على حلقات الثوار المجتمعة في أماكن شتى داخل المدينة و خارجها؛ يحاورهم ويشجعهم ويسعى إلى ربط جسور التواصل بينهم.كانوا جميعا يكنون له أكبر قدر من الاحترام و التقدير؛كيف لا و قد صاحبهم إلكترونيا حينا من الدهر،وهاهو يوطد معالم صداقته و إخلاصه لهم و للثورة المستمرة في ميدانها: عتادها ذكور و إناث تختلف أعمارهم و تتحد أهدافهم: مجتمعون و مجمعون على رفض الظلم و الطغيان و نشدان الكرامة الإنسانية التي أُهدرت خلال سنوات الغفلة!

 

    صلى الأب صلاة العصر في المسجد المقابل للبيت.طمح بعينيه إلى  باب المسجد فلم يلمح لابنه سيف أي أثر.عاد إلى البيت يسأل عنه بغرض مرافقته في جولة من جولاتهما المألوفة.أخبرته هند أن سيفا لم يعد إلى البيت مذ خرج في الصباح الباكر.قرر الأب التوجه إلى ميدان الثورة، وحيدا هذه المرة.تنقل بين زحام وهتافات مطالبة بالحرية ورفع الاستبداد.هاله هذا العدد الوفير من جماهير الناس المتكتلين تحت لهيب الشمس التي بدأ ضوؤها في الخفوت .تظلل المتجمهرون من الثوار بنقاء أرواحهم المحركة لأجسادهم.تحملوا أشعة الشمس الطبيعية،ولم يعودوا قادرين على تحمل ما اصطنعته أيدي الاستبداد من آلات خبيثة شوهت صورة الحياة من أجل الحياة.فجأة؛ ومن دون سابق إنذار، تطاير الرصاص من كل الجهات.اضطربت حركة الصفوف فسارعت بعض الكفوف إلى إسعاف من سقط أرضا.عمَّت جلبة أرجاء الميدان الذي غادره الأب في خطوات متسارعة.بَعُدَ عنه بما فيه الكفاية.هدأت نفسه للحظة فاجأته فيها رصاصة من الخلف!لم يحسب لها حسابا لأنها لم تكن موجهة إليه يقينا!لكنها كانت رصاصة القدر؛رصاصة الخلاص التي لا تصيب الإنسان مرتين!

 

    ارتسمت على وجهه ابتسامته المعهودة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.كان يتلو الشهادتين و يدعو لابنه سيف و ابنته هند بألا يصيبهما أي مكروه!

 

    أيقنت الأم أخيرا، أن من يضطلع بالفعل لا يتكلم كثيرا!فاختارت -بعد وفاة زوجها- الانخراط في صمت مطبق أفضى إلى حرية مطلقة ما كان الإبنان ليحلما بها لولا أن أباهما؛السيد أمجد؛ دفع حياته ثمنا لها… !

 

 جامعة القاضي عياض، كلية الآداب و العلوم الإنسانية بمراكش، المغرب.(مؤسسة حكومية).

 
 
white_dove_of_peace_m.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك