علقـــَـمٌ وجدائِلُ حــُريّـة

26 أبريل , 2013

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”680″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”294″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

بيد ٍ مرتعشة حرّكت مقبض الباب ، وبعينين يسكنهما الألم نظرت إلى الغرفة ، كل شيء كما كان .. أوراقه المبعثرة ، ملابسه المتناثرة في الأرجاء ، أقلامه ، دفاتره ، كل شيء كما اعتاد أن يكون .

     مشت بخطواتٍ متـّئدة ، خطوة تلو الأخرى ، ونظراتها تترامى في كل ناحية وصوب ؛ ففي هذه الأغراض يعيش عالمٌ من الذكريات ، وبين هذه الجدران تبحر مشاعرها المهتاجة وتعلو مع أمواج عاتية ، تحملها لمكان تسمو فيه الروح ، وتتعالى فيه صرخات الجسد ، مكان لا يعرف حدوداً ، ولا يجسّد بتضاريس ، مكان تسكنه الأرواح التائهة ، التي تعيش على فتات الأمل .

     تمشي بخطوات من جمر وتنظر بعيون من أسًى وحزن ، تأخذها الأفكار بعيداً ، وتقصف بها رياح الحقيقة القاسية .. كمّ مر عليها من أسًى وحزن وحداد ! كم تفتقد ابنها أحمد الذي كانت ضحكاته تملأ المكان ! تنصت وتنصت علّ بعضاً من صدى صوته العابق في أرجاء الغرفة يصافح سمعها ، ولكن هيهات ! لقد أصبحت الآن مجرد جدران خالية من المشاعر ، باردة كبرد الشتاء القارص ، موحشة كوحشة الليل إنْ اشتد ، ستائرها البالية تروي حالة بؤسها ، حرّكتها فانبعث منها رائحة غبار قد تراكم منذ زمن ، حاولت أن تشتّم رائحة أحمد فيه ، لم تجدها ! حرّكت تلك الثياب ، أزاحت الأوراق ، فتناثرت على صفحة خدها قطرات نقية ، تروي حكاية ساكنها الملتهب حزناً ..

    ارتمت متهالكة على أريكة بالية ، والدّمع – ما أوفاه !– ما فارقها ، ويكأن قبيلة الحزن تقيم عرسـاً أبدياً بداخلها ، حاولت هي أن تنسى ، جاهدت مشاعرها ، قاطعت قلبها ، فلم تستطع!
     لا زالت ملامُحه تدق أبواب فكرها ، كيف كان يضحك بكل فرح وابتهاج ! وكيف كان يبكي بكل حرقةٍ في حجرها إن استشهدَ صديق جديد له فِي خضّم مسيرة يعتلون موجها بكل ارتقاء !  لا زالت تذكر حبـّات البرتقال تلك ، ويا حلوها ، كيف كان في صغره يسابق الريح في تسلق أغصان الشجرة ، كيف كان يبذل وسعه في اجتلاب أفضلها ، واختيار أحسنها .

   قامت أم أحمد فزعة ، نعم ! كيف نسيت أن تطّلع على رفيقة ماضيها ، قادتها خطاها بعجل نحو الغرفة الأخرى . كانت أوراقها الخريفية تملأ الأرجاء ، لقد كبُرت ، وهاهي أغصانها المجتازة نافذة الغرفة تعانُق المكان ، اقتربت شيئاً فشيئاً ، تمسح دمعها الهاطل تارة ، وتزيل بعض الأغصان تارة أخرى .

     شجرة البرتقال هذه ما زالت شامخة ، راسخة ، تنبض بالذكرى ، وتشيع من حباتها المتلألأة رائحة الماضي ، كم كان أحمد يحبها ويحب برتقالها ! ويتدثر بأوراقها والتراب من تحتها أثناء لعبه .
– آآآه لقد كبرتِ يا شجرة البرتقال ، وما كبُر صديقك أحمد !

     اقشّعر جسدها وغادرت المكان بسرعة ، فلم تحتمل عيونها شلال الدمع ذاك ، لم تستطع احتمال لسعات الذكرى  ، قاسية هي دونما رحمة  ، فـأحمد ذاك القابع بين أحشاء الثرى ما رحل رغم رحيل الجسد ، مسكيّ الرائحة ، مكلوم الجانب .

 

     لا زالت تذكر ذاك اليوم ، كان ضحًى ، استلّ بندقيته من مخبئها ، ولفـّع وجهه بلثام ، نظر في وجهها الذي يتقاطر حناناً ، ودمعه الذي تأبّى السقوط يحاكيها ، أنْ يـا أماه لا تقلقي ، لا تفزعي ، فإني والله لن أخزيكِ ..
      مضى بخطى ثابتة ، دون أن ينطق فاهُ حرفـاً ، فنادته وقالت بصوت خائف حنون :

– إلى أين يا بني ؟ أين دربك ؟ متى ستعود ؟

التفت إليها وهو يصارع جحفلاً من الدمع في عينيه ، قال وفي صوته اختلاجة :

أريدُ دَربَ أبي ، ورفقتي ، فالشهادة يا أمي تناديني ، تحاكيني ,,
كفانِي الدّمعُ يا أمّاه وأشبعني ، ما عدتُ أرضى للشهادة بديلاً !
ما عدتُ أرى للخوف من ظـُـلاّمنا داعياً ، ما عدتُ أرضى بالمهانة معيلاً !
ما عدتُ يا أمّاهُ أبغي راحة ! ما عدتُ أبغي للنسّاء عويلاً !
وكيف لجنبي أن يهنأ نومه ، وصغارنا قد أغرقوا تنكيلاً !
ضاق الحال يا أمــــــاه ضاق ، ما عاد في الروح متسع لمزيد ..

 

     أخفضت رأسها ، وكتمت أنفاسها لوهلة ، ثم قالت :

-ومن لي يا روح الروح إنْ رحلت ؟ من لقلبي المُضنى إن مَضيت ؟ من لعروسِك التي لا زالت تنتظر يوماً يجمعكما إن ذهبتْ ؟  من ؟؟
أخبرني يا نور عيني دون عينك كيف يبتسم الصباح ؟ ودونَ عيش ٍ بجوارك كيف يأتيني الفلاح ؟

    انهارت قواه ، وغلبه الدمع ففاض ، وقال :
لكما الله يا أمي ، لكما الله …
وفي الجنة عرسي الأجمل ، فيها الفلاح لا بغيرها ، أنتظركما أمّاه على أطلالها ، فلا تنسون ِ.


 ركـَض والدمع خلفه يتناثر ، وصوت أمه الحزين يناديه ويناديه ، ظـلّ راكضاً يشق طريقه ، إلى أن خبت ذاك الصوت الحنون ، لم يدر ِ كيف استطاع أن يحتمل صوت أمّه ويمضي! ، مسح بأنامله الدمع ، وقال : سامحيني يا نبض القلب ، يا أمّ الشهيد .

     لملمتْ أنفاسها ، ورقعت ثقوب الوهن في روحها ، أوصدت قفل الغرفة ، ومضت وقد تعلّقت جدائل فكرها أكثر فِي حريّة منسيّةٍ على أطلالِ الوطن!
هِي الحريّة مَن لها راح الكثير ، من لها نزعتْ الأمهات دقائق روحهنّ !
مَن لها تزّين الصغير قبل الكبير ، من لها صعدت مواكب للدعاء والشهداء !
هي من لها الأرواح عطشى ، والقلوب جوعى ..

   لا عجب إن أ ُدمى الرضيع ، لا عجبَ إنْ ضحك الوضيع !
لا عجبَ إنْ ناحتْ طفلة أباها ! لا عجب إن أمسكت السلاحَ يداها !

  فحريّتي يا ظالمُ مأتيُّ شذاها ، ليطوفَ الشـآم والأعراب كلّهم ، وستختمُ بأولى القبلتين مسيرها !

فانتظر .

 

طالبة في الثانوية العامة – الأردن

b05314150909[1].jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

بنان فرحان منذ 5 سنوات

رَآئِعةْ رَآئِعةْ رَآئِعةْ ♥

فيصل أبو الطفيل منذ 5 سنوات

لقد أثمرت شجرةالبرتقال ثمار الحرية و العزة،و أبت إلا ان تخلص في وفائهاللشهيد و لأم الشهيد.كيف لا و/الشجرة بطل لا يسقط مرتين كما يقول أستاذي إبراهيم الكوني.
هنيئا لك أختي أسماء الخالدي بهذا الفوز المستحق الذي خلّدت به إبداعك الرصين المكتوب بلغة شعرية يظللها صرح الاقتباس القرآني، ويحرصها صدق التعبير ومتانة العبارة.
تحياتي إليك.
فيصل أبو الطفيل

أضف تعليقك