مَرَرْتُ مِنْ هُنَا

30 يناير , 2018

وها أنا ذا أغلق البابَ خلفي وأطوي صفحةَ عامٍ مضى وتركني فرحة وحزينة في آن واحد، إذ لم يكن عامي هذا مشابهًا لغيره… لم تكن ساعاته الطوال سهلة الاجتياز، فهو بوابة الخروج من مرحلة المراهقة إلى مرحلة النضج والتفكير، وهو أيضًا بوابة الخروج من الحياة المدرسية إلى الحياة الجامعية.

 

أقلب الصفحات والذكريات لأعود بكم إلى بداية الطريق الذي سلكته خلال عامي هذا، أعود للحظاتي الأولى التي بدأتُ معها النصائح بالانهمار عليَّ كحبات المطر التي لم يكن معناها سوى: (إذ لم أُثْبِت نفسي في هذه السنة فلن أثبتها أبدًا) والكثير من الجمل التي لم تحمل في طياتها سوى معنى واحد لنتعب سنة، ونرتاح عمرًا.

 

على مدار اثني عشر عامًا من التفوق الدراسي، كنتُ قوية القلب واثقة الخطى محبة للدراسة والعلم، ولطالما تطلعت إلى المستقبل أنتظر الوصول إلى هذه المحطة التي لم أعلم عنها سوى أن مفتاحها الكثير من الدراسة، تحمست كثيرًا، وتوكلتُ على الله وافتتحت عامي بجد واجتهاد.

 

وعلى الرغم من أن أشباح الخوف والوساوس حاولت طَرْق أبوابي مرارًا، بكلام أسمعه حيثما حللت عن صعوبة وخطورة هذه المرحلة المفصلية، إلا أن كل ذلك لم يطفئ شعلة الحماسة داخلي واندفاعي للدراسة والتعلم.

 

ولثلاثة شهور امتدت في إجازتي الصيفية درست واجتهدت كثيرًا وكان الملل يلوح في أفقي بين الفينة والأخرى، لكن الأحلام الكبيرة التي سكنتني كانت تعطيني الدافع الكبير والقوة العظيمة للاستمرار والصبر لنيل المراد، حتى وصلنا إلى آخر شهر من الفصل الدراسي الأول (شهر الامتحانات).

 

بدأ شهر النزاع الكبير بيني وبين نفسي، شهر ظهور الخوف والقلق الكبيرين.. ذلك الشهر الذي بدأت أفقد فيه نفسي.. بدأت أفقد تلك الفتاة القوية الجريئة، بدأت أخاف حتى من الامتحانات التجريبية، خفتُ أن ينتهي مستقبلي لخطإ صغير، خفت ألا تتحقق أحلامي.. خفتُ من كلام الناس، لم أكن كما كنتُ، ولم أكن أنا.

 

 

أكملت امتحاني.. وكنتُ أعلم نتيجتي تقريبًا… ذلك الخوف قد لعب لعبته معي، وكنت قد خسرت أمامه خسارة كبيرة أودت بي إلى البكاء الذي لم يكن منه فائدة طوال الإجازة.

 

فشلت.. أجل فشلتُ، لم يكن المعدل الذي أريد، أو الذي توقعه لي أحد، ومع هذا وقفت وكأن شيئًا لم يحدث.. كلمتُ نفسي قائلة: “أنا لها” وإن فشلتُ فربما هذه شرارة نجاحي، سأعوض أهلي.. أحبتي.. ونفسي.

 

أكملتُ ما تبقى من رحلة الوصول إلى البوابة بتعب وبجهد مضاعفين وأمل ينبض بداخلي رغم تمرد الخوف.

أعدت المواد كثيرًا، درستها فهمتها حفظتها ولم أترك أي تفصيل صغير لم أسأل عنه مرارًا وتكرارًا.

 

وها هو شهر النزاع يعود، ولكن بهيبة أقل- بحكم التجربة لا أكثر- أكملتُ امتحاناتي، وكنتُ على أمل أن يكون ما قدمته في هذه المرة أفضل من سابقتها، وجلستُ أنتظر نتيجتي بفارغ الصبر مع الدعاء والصلاة والابتهال لعل القادم يكون أفضل، والنتيجةَ تكون مما يسر القلب ويُفرح الروح.

 

 

كانت أجازة طويلة بما يكفي للتفكير بأخطائي… للتفكير بما تعلمته في هذه المرحلة من حياتي. كنتُ صادقه مع نفسي كثيرًا، كنت حقًّا أريد لأخطائي ألا تتكرر. أحضرت قلمي وأوراقي وبدأت الكتابة… كتبتُ عما عشته ورأيته خلال هذه السنة وركزت على أخطائي وما تعلمته منها.

 

إن الوقت ليفنى والعمر ماضٍ، وما زلنا في مقتبل الطريق، ومحطات الحياة تؤم طرفيه، ولكل مرء وجهته.. فما يا ترى ينتظره؟ أتراه يصل وجهته أم أن العتبات ستردعه وتضعه في منتصف الطريق؟

 

من المحطات التي استوقفتني محطة شاهدت خلالها مشهدًا ينبض بالفرحة.. أن تتألق.. تحمل الشهادة في يد والأخرى تلوح بها.. تعتلي القبعة، ومن ثم ترمي بها لتطير عنك في آفاق النجاح.. تلتقي القبعات، وأنا ما زالت قبعتي خلف الزجاج في صندوقها معروضة للبيع هي وشقيقاتها.

 

كم أن الحياة قاسية تضعنا عند محطات صعبة! ليس الصعب هي تلك المحطة إنما عدم القدرة على الحلول بها.. لم يكن لي حق النزول فأنا لا أملك التذكرة.

 

محطة التوجيهي.. وهي ليست بمجرد محطة عابرة نمر بها مرور الكرام، إنما هي المحطة الرئيسة لكل مآرب العمل، وما سواها إلا أن يضل بك القطار في غياهب الضياع.. لتمضي ثوانيك باهتة بلا إنجاز، وتلوذ بالفشل، لن تكون بحاجة إلى تذكرة حينها.. ما عليك سوى أن تكون إنسانًا عديم الإرادة منزوع الصبر والجَلَد.. إنسان بلا أهداف ولا طموح.. إنسان ميت بالأحرى، ولكن ما ثمن تذكرة محطة التوجيهي؟

 

إنما الثمن هنا هو التعب والاجتهاد والمثابرة ومطارحة الخمول واليأس في جوف الليل.. والأهم طبعًا هو ألا تأخذك الطريق بعقباتها، وتلقي بيديك إلى التهلكة.. إن الحياة لخداعة تغريك ببعض مما قيل ويقال.. كلمات تزدحم على اللافتات طوال الطريق.. ستجد ما يُشيح بوجهك عن محطتك الرئيسة إلى استراحات اللهو والتسلية لتقيم فيها طوال عمرك مستريحًا، وستجد المحبط لتنهار كل أحلامك، وتفقد الأمل.. لتستسلم وترفع الراية البيضاء وتنقاد إلى محطات الفشل.. سيلوح لك دخان القطار كمنديل يتلاشى يقول لك إلى اللقاء.. أي أنه بانتظارك في حال استفقت، لا تكن أحمق لتقع في الفخ.. ركز في هدفك، اجعله منتصبًا أمام عينيك ولتتحلى بالصبر، قال المصطفى -عليه الصلاة والسلام- : “إنما العلم بالتعلم”. هذا معلمنا الأسمى انتقل إلى الله وترك لنا رسائله.. فلنكن على قدر أهل العزم. وكما قال الشاعر:

بِقَدْرِ الْجِدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي     وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا سَهِرَ اللَّيَالِي

 

جل من لا يخطئ، فمن الممكن أن تستدرجك العقبات، وتطيح بك، ولكن عليك بالنهوض والقفز عليها بكل ما أوتيت من عزم؛ فالطريق طويل يستحق أن تناضل من أجل الاستمرار فيه ويالها من خسارة فدحة أن تتركه من منتصفه، وتساق إلى تفرعاته المظلمة في أودية الفشل.

 

كان هذا الكلام ما أريد لكل مقبل على هذه البوابة معرفته، لم أكن أريد لأي أحد أن يقع فيما وقعتُ به، لم أرد للتوجيهي أن يكون (البعبع) الذي يخافه الجميع.

 

أما الآن وقد طَوَيْتُ تلك الصفحة من عمري، وأغلقتُ بوابة التوجيهي خلفي، أكاد أجزم أنني لم أخرج من هذه التجربة بلا شيء… حملت الكثير من العبر التي لا بد أن تفيدني في صفحاتي القادمة.. وعيت، وأصبحت على يقين كامل بأن ما حدث وما سيحدث كله بإرادة الله تعالى، كنت على ثقة تامة بأنه عز وجل سيختار لي الأفضل أينما ذهبت، تأكدْتُ أن حياتي بين يدي العظيم، وأن لا ضر ولا منفعة إلا منه هو وحده، عرفتُ أن الدراسة وحدها لا تكفي، وأن الوعي والإدراك عنصران أساسيان، وفهمتُ جملة أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، كما أن الدراسة لا تعني إنهاك الجسد، وتحميله ما لا طاقة له به؛ فلجسدك عليك حق، كما أن النفس لا تطيق المداومة على الشيء ذاته على مدار الساعة؛ فلتأخذ متنفسًا من الراحة تنشط به دماغك وتقبل على الدراسة من جديد.

 

أيقنت الآن أن ما مررت به.. ما أسميته فشلًا لم يكن فعلًا كذلك… فتلك التجربة زودتني بالكثير… جعلتني أكثر قوة وصلابة واستعدادًا لما هو آتٍ.

 

تعود بي الذاكرة لما اختطه ميخائيل نعيمه عندما ظن أنه فشل، وأن نجاحاته السابقة كانت محض خيال…”قو قلبك يا ميخائيل.. لا تجبن..كنت الأول في بسكنتا ولن تكون الأخير في الناصرة” أرددها لنفسي؟؟ قو قلبك أمسية.. لا تجبني.. فإن غدًا مشرقًا لا بد بانتظارك… ونجاحًا أكبر أراه؛ فهذه أولى خطواتي على سلم الحياة.

 

لا تفكر كثيرًا لتتقدم.. الحياة أقصر مما نتخيل، فلا تسمح للعقبات بتسيير حياتك، ولا لكلام الناس بالتأثير عليك، لا تسمح لشيء بالتحكم بك، ولا لليأس بالسيطرة عليك، تقدم وطور من نفسك مهما كانت ظروفك، ارفع سقف طموحاتك أو حتى لا تجعل لها سقفًا.. تجاوز حدود نفسك، ارتقِ بعلمك ولا تتوقف.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك