ندامة اختراع

23 أبريل , 2013

 

 

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_original”,”fid”:”662″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”378″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”300″}}]]

تربيت بين أحضان التكنولوجيا ، كان أبي عالم من علماء الإلكترونيات والبرمجيات ، وحلمه أن يخترع ويصنع رجل آلي ، يبحث ويدرس في علم تقنية وهندسة الرجال الآليين ، ومرت الأيام وأبي لم يحقق حلمه بعد ، وبينما أنا أكبر سنّاً ، تتقدم وتتطور التكنولوجيا في عالمنا ، بدأ أبي بالتخطيط والتصميم والهيكلة لصناعة الرجل الآلي ، كأن يشرح لي ولا أفهم شيء مما يقول ، يصر على بقائي معه في عمله دائما ً ، وقال لي كلمة لم أنساها حتى اللحظة ( ستعيش يا بني أنت والإنسان الآلي سوياً في المستقبل ) ، تعلمت من أبي أشياء كثيرة ، وعملت مع مخترعين واستفدت من خبراء في التكنولوجيا ، وهكذا حتى أصبحت أكثر فهماً من أبي في هذا المجال .

توفي والدي ، وقد أخترع وصنع العديد من الأشياء الجميلة .. لكنه للأسف مات ولم يحقق حلمه في اختراع الرجل الآلي ، وضل مشروعه مخططاً مصمماً ، نسخة من مشروعه على جهاز الحاسوب ، ونسخة أخرى على الأوراق ، فلم يكن يأمن ويثق كثيراً بالتكنولوجيا ، فدائماً ما تكون لدية نسخ احتياطية لكل أعماله على الأوراق ، الأوراق التي عشت بين سطورها أجمل الأيام ..

وبعد موتي أبي انتقلت من أوراق حياتي إلى أوراق حلم أبي .. إلى أوراق المستقبل ، قرأت أوراق مشروع أبي ( اختراع رجل آلي ) ، لاحظت أنه ينقصه الكثير من الأمور وفيه العديد من الأخطاء ، ولم أكن أتخيله بهذا التفكير ! كنت أعتقد أنه يريد اختراع رجل آلي عادي ، لكنه أراد اختراع رجل آلي شبيه بالإنسان ..

قررت أن أحقق حلم أبي .. حلم المستقبل ، بدأت باختراع قط آلي يقوم باصطياد الفئران وبعض الاختراعات الصغيرة ومازلت لدي أفكار كثيرة لأنفذها .. لكني أوقفت كل شي ، لأحقق حلم أبي ، بدأت بمراجعة وتعديل مشروع والدي واستفدت من البحوث والتجارب السابقة ، وعكفت على تخطيط وتصميم هذا المشروع فترة طويلة من عمري ، تواصلت مع الكثير من المخترعين وقابلت بعضهم ، أفادوني ، وساعدوني في بعض الأمور والاختراعات الجزئية ، عملت كثيراً وتوقت عن العمل بعد عمر طويل فيه .

قابلت أحد أصدقائي القدماء ، وكنت سعيداً ، وعرفني على أولاده الأربعة ، أنهم رائعون .. ما أجملهم .. وعرفني على الرجل الآلي الذي أشتراه ليقوم ببعض الأعمال ، ويحدثني قائلاً : لم نعد نستغني عن هذا الرجل الآلي ، لقد أصبح يعيش معنا وهو الآن جزء منا .. سمعت صدى كلمة أبي التي لم أنساها ( ستعيش يا بني أنت والإنسان الآلي سوياً في المستقبل )

تذكرت وتفكرت للحظات ! أبي وصديقي الذي قابلته أخر مره ولم يكن لديه أي أبن ، وها هو اليوم لديه أربعة أبناء ، ورجل آلي ، وأنا كل هذه الفترة لم أتزوج ، ولم أستطع أن أصنع رجل آلي واحد ، ودعته بعد جلسه قصيرة معه ومع أولاده ورجله الآلي ، ودعته والتفكير العميق جاءني ولم أعرف متى سيودعني .

رجعت من جديد ، وبعزيمة ونية وهمة ، لإنجاز مشروع الرجل الآلي ، أسمع اليوم الكثير من الاختراعات للرجال الآليين ، وأصبحت الشركات ، والمؤسسات ، و بعض المنازل ، تمتلك رجل آلي يقوم بأعمال كثيرة ، لكن مشروع أبي وتعديلاتي على مشروعة مختلفة تماماً عن تلك الاختراعات للرجل الآلي ، فرجلنا الآلي مميز وله إمكانيات أكبر وأكثر .

وبعد فترة لا تقل عن الفترة السابقة ، انتهيت من اختراعي ولم يتبقى إلا بعض اللمسات البسيطة .. غدا ً هو يوم تاريخي بالنسبة لي وللعالم ، غداً هو يوم إعلاني للاختراع ..

جاء الغد ، ألبست الرجل الآلي الذي اخترعته أجمل ملابسي ، وخرجنا أنا وهو على جموع من العلماء ، والمخترعين في مجال التكنولوجيا والبرمجيات ، وبعض المجالات الأخرى ، أسمع تصفيقات حارة ، ونظرات منبهرة ، وعقول منذهلة ، لقد اخترعت رجل آلي يعمل ذاتياً ، ويستطيع التواصل مع بني البشر عن طريق الكثير من الكلام ، وبلغتين ، هما الإنكليزية والعربية ، أيضاً يستطيع تغيير ملامح وجهه ويعبر عن بعض العواطف ، وقد كانت من أصعب مراحل صناعته برمجة بعض العواطف .. يحرك اليدين ، ويقوم ببعض الحركات كالسلام بشكل تلقائي ومستقل ، ويقوم بعمل أشياء كثيرة لا أستطيع أنا كانسان عملها ولا القيام بها ، وهو مختلف عن بقية الرجال الآليين ، وقد وصفوه بأنه اختراع جديد في عالم الرجال الآليين .

شعور لا يوصف ، وأنا أنظر إلى اختراعي ( الرجل الآلي ) .. شعور لا يوصف ، وأنا أشعر أن أبي سعيداً بقبره ، وفخور بابنه ، شعور لا يوصف وتهاني وتبريكات المخترعين والعلماء والأهل والأصدقاء ومن اعرفهم ولا اعرفهم لا تتوقف ..

شركات تأتي لتعرض علي فرص عمل بمبالغ خيالية ، دول تطلبني وتوافق على كل طلباتي مقدماً دون أن تعرف طلباتي ..

أمشي ويمشي معي رجلي الآلي لكن ليس كما أمشي ، أتكلم معه حسب ما برمجته ، لكني أشعر بكلماتي بينما أعرف أنه لا يشعر بكلماته ، وإن شعر فهو شعور مصطنع كما برمجته ..

بعد فترة من الزمن ، مللت من اختراعي ، مللت من عالمي ، مللت من هذا المستقبل المتطور الذي قلص الإنسان وأرخصه ..  لحظات تأمل وتفكر وملاحظة لاختراعي ، أكلم نفسي وأنقدها ..

أنا من صنعت هذا الرجل الآلي وأقدر على تدميره ، وفيه قوة يقدر على قتلي .. أنا مخلوق وهو مصنوع .. أنا إنسان عادي وهو آلي ..  إنا جسد وروح .. وهو هيكل وبرامج .. هو جماد وأنا حي ..

ما الذي اخترعته أنا ولماذا ؟! هل أنا بحاجة إلى هذا الاختراع ؟! أم أنه حلم أبي والجيل السابق وفرض المستقبل ؟! هل أصبح الرجل الآلي كائن يعيش معنا في حاضرنا ومستقبلنا ؟!  لماذا ..؟! وهل ..؟! و..و..و..و .. !؟

أسئلة تدور في رأسي ، وتخرج من عيني كدموع حارقة على عمري الذي أمضيته لأصنع هذا الرجل الآلي ، أعتقد أني سأحزن أن حدث خلل أو عطل لاختراعي ، بينما لن يحزن ويبكي اختراعي على مرضي أو موتي ،  لقد تعبت من كثرة التفكير والتأمل ، لقد تعبت أوقات كثيرة هي عمري ، لقد سهرت الليالي وخسرت جزء كبيراً من أموالي على اختراعي ، لكن في المقابل كسبت الكثير من المال والشهرة والسعادة ، وبقى المال وبقيت الشهرة وذهبت السعادة .

انشغالي باختراعي ، أبعدني عن أهلي .. أحبابي .. أصدقائي ..
أيام ذهبت من عمري ، وكل يوم كان يمر كنت أتمنى أن يخرج اختراعي للنور ، واليوم أتمنى أن أرجع إلى الزمن الماضي ، دون رجل آلي ، وها أنا هذا اليوم أعلن للعالم ندامة اختراعي .

 

طالب في جامعة العلوم والتكنولوجيا ( جامعة خاصة ).

مدينة آب – اليمن.

 

 

 

 

IMG_1980_0.JPG


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك