هل الثانوية العامة عادلة ومثمرة حقًا؟

17 فبراير , 2018

 

نظام تعتمد عليه أغلب الجامعات المصرية اعتمادًا كليًّا، نظام يقسم الآف من الطلاب سنويًّا ليس إلى الجامعات فقط بل إلى التخصصات أيضًا. نظام يعتمد فقط على نتيجة اختبارات في سبع مواد لوضع كل طالب في جامعة وتخصص. إن لم تدرك بعد هذا الذي أتحدث عنه، فمؤكد أنك سرحت بمخيلتك في مدى دقة ودهاء هذا النظام.

 

ولكن هل فعلًا هذا النظام قادر على إتمام مهمته بأكثر دقة ممكنة؟ الإجابة القصيرة لا، ليس حتى قريب من الدقة. ومعظمنا مدرك لهذا جيدًا، بل بعضنا متعفف على سبه واستخراج عيوبه، ولكن أغلبنا للأسف لا يدرك العيوب الحقيقية التي لا تغتفر، ويذكر مكانها عيوبًا تافهة أو صفات لا يمكن أن نعتبرها عيوبًا من الأساس.

 

قبل أن أبدأ في توضيح أسبابي التي أدعي أنها الأسباب الرئيسة لفشل هذا النظام، دعونا نتفق على بعض النقاط. النظام –الثانوية العامة- هدفه الرئيس تعليم الطالب وتأهيله للدراسة الجامعية. ثانيًا: هدفه الآخر هو تقسيم الطلاب بدقة وعدل. أخيرًا مستحيل أن يصل نظام إلى الكمال في العدل في توزيع هذا العدد المهول من الطلاب؛ لذا سنتحدث فقط من ناحية ما يمكن أن يعلي من نسبة دقة وعدل النظام.

 

قبل أن أتطرق في الحديث عن مدى بعد النظام الثانوي عن الدقة في تقسيم الطلاب، سأوضح إيجابيات وسلبيات النظام في وضع المناهج، تحديدًا مناهج شعب العلوم بما أنها تخصصي.

مناهج المواد الرياضية في رأيي أساس ممتاز لمواد الجامعة، قد يرى بعض الناس أجزاء منها مرهقة وبلا فائدة، ولكن لا يستطيع أن ينكر أحد المتعة الكامنة في كتاب التفاضل أو كتب الميكانيكا، “منهج ثانوي” نجح في إعطاء قطرة من بحر متعة الرياضيات، ولكن كان يجب أن يعطي أيضًا أجزاء لا يظهر فائدتها في حينها، مثل: المصفوفات والمحددات، يُعَلِّمُون الأساس المرهق أولًا لكي يعلم الطلبة فائدته مستقبليًّا. في رأيي مناهج الرياضيات من أكبر الإيجابيات في الثانوية العامة، وكل السنوات الدراسية عامة، وهو أكثر منهج استمتعت به في الثانوية العامة والأعوام الماضية.

 

أما المواد العلمية فأرى أن مناهجها نفسها جيدة، ولكن اعتماد امتحاناتها على الحفظ أكثر من الفهم جعل منها كابوسًا للطلبة، وجعل منها منهجًا يذاكر وينسى، وذلك بالفعل ما حدث معي: لا أذكر سوى القليل جدًّا من الفيزياء والكيمياء ومناهج الأعوام السابقة، ولكن هذه ليست أكبر كارثة فيهم، الكارثة الحقيقية في منهج الأحياء عبر الأعوام الثلاثة: لا يوجد تطور بالمنهج! النظرية التي يدرسها طلاب الثانوي في أغلب بقاع العالم لا تدرس في مناهجنا، وذلك يحدث فجوة كبيرة بين الطالب والتخصصات المتعلقة بالأحياء، وغدوتُ شبه متأكد أن وجود التطور في المنهج كفيل بأن يولد شغف لعلوم الأحياء لدى الكثير من الطلاب.

 

أنا شخصيًّا فكرت جديًّا في التخصص بالأحياء بعد معرفة التطور، التطور غيَّر رأيي في علوم الأحياء من علوم معتمدة على الحفظ والمصطلحات العسيرة إلى علوم قائمة على التفكير العلمي والتجارب العلمية، الغريب أن التطور كان فعليًّا جزءًا من منهج الصف الأول الثانوي، وتم إلغاؤه حديثًا، أحاول أن أقنع نفسي أن سببهم في حذفها ليس الدين، ولكن لا يظهر سبب آخر على الساحة! أساسيات التطور لا تتعارض إطلاقًا مع الدين، إنها مجرد علم قائم على الرصد، ما قد يتعارض فيه التطور مع الدين هو كيفية إتيان الإنسان إلى الوجود، وهذه النقطة أساسًا لا تدرس مع التطور، ولم يأتِ التطور بإجابة صريحة لها، الأمر الأغرب أن في كيمياء الصف الثالث يدرس الطلاب تحضير قنابل الـ TNT. هل يهابون تعلم الطالب للتطور، وطبيعي عندهم أن يتعلم تحضير القنابل؟

 

أخيرًا مواد اللغات تندرج في قائمة الأسوأ على الإطلاق، اللغة في “ثانوي” يجب أن تؤهل الطالب جيدًا لفترة الجامعة، أي: يستطيع أن يفهم اللغة ويكتب بقواعدها بسلاسة. ذلك في رأيي هو الهدف الوحيد من دراسة اللغة في المدرسة، منهج الإنجليزية إلى حد ما نجح في ذلك، لكنه فشل في تعليم أساليب الكتابة، للأسف كل ما يتعلق بين الكتابة والإنجليزية هي كتابة قطعة مؤلفة من مائة كلمة في الامتحان، ولا يوجد أي جزء في المنهج يشرح أي شيء متعلق بالكتابة غير بعض القواعد النحوية، وهي أيضًا غير كافية.

 

اللغة العربية أيضًا بها نفس المشكلة، ولكن مناهج النصوص والقراءة والأدب كارثتها الأكبر، يعتمد أغلبها على الحفظ والتلقين وجزء صغير من الأسئلة عنها يعتمد على بعض المهارات اللغوية. وكلا الجزأين غير مهم لطالب ثانوي إطلاقًا، ما فائدة هذا مثلًا لطالب علمي رياضة نيته التخصص في الهندسة؟ أو طالب علمي علوم نيته الطب أو الجيولوجيا؟ أو حتى طالب أدبي نيته الصحافة؟ هذا المنهج وهذا الأسلوب في دراسة اللغة وإن كان له فائدة ففائدته لطالب متخصص أساسًا في تخصص متعلق بمحتوى هذا المنهج، أي يدرس المحتوى لطالب جامعي متخصص لا لطالب ثانوي.

 

الآن متضح لنا أن هناك عيوبًا فدحة في المناهج نفسها، وهذا يعني نقصًا حادًّا في دقة توزيع الطلاب إلى الجامعات. ولكن دعونا نفترض أن كل عيوب المناهج تم حلها، وأصبحت المناهج مثالية من ناحية التعليم والتأهيل للجامعة؛ لكي نستطيع إبراز العيوب الأخرى.

وفقًا لنظام “ثانوي” يدرس طالب الصف الأول جميع المواد العلمية والأدبية والرياضية، في الصف الثاني ينقسم الطلبة إلى شعبتين: العلمية والأدبية، وأخيرًا في الصف الثالث ينقسم طلبة الشعبة العلمية إلى شعبة رياضيات وشعبة علوم. كل شعبة من الثلاث شعب المتاحة تدرس مواد إجبارية وعلى أساس الأداء في اختباراتهم يتحدد المجموع الكلي للطالب الذي على أساسه -وعلى أساسه فقط- يُحرم الطالب من التخصصات الأعلى من مجموعه.

 

من هذه النظرة الشاملة إلى حد ما نستطيع أن نقول: هو نظام منطقي، لكن عندما ندقق في المواد الإجبارية في كل شعبة تظهر العيوب ظهور شمس في سماء صافية.

 

“العربي” مثلًا مجموعه الكلي ثمانون درجة والمجموع الكلي للمواد ربعمائة وعشرة، أي أن للعربي وحده خمس المجموع الكلي، وكما نعلم فإن كليات الطب والصيدلة والهندسة والعلوم وكليات أخرى يعتمدون أساسًا في مناهجهم واختباراتهم على الإنجليزية، ولا تستخدم العربية إلا في التحاور بين الطلبة أو مع الدكاترة، والذي يكون عادة باللهجة المصرية أساسًا. أين العدل لطالب يرغب في دراسة الهندسة ومجموعه قلَّ عن المطلوب بسبب العربية؟ أو أين العدل لطالب يرغب في الإعلام ومنعه امتحان التاريخ؟ أو أين العدل لطالب يرغب في الألسن ومنعته الفلسفة؟

 

ناهيك عن أن تقسيم الطلبة بين التخصصات بعد الثانوية ليس مهمًّا من الأساس. أنجح الجامعات في العالم الأساس فيها قبول الطالب في الجامعة نفسها، ومن ثم له حرية اختيار التخصص الذي يشاء، وبالفعل بعض الجامعات الخاصة في مصر تعتمد على هذا النظام مثل مدينة زويل والجامعة الأمريكية بالقاهرة، تطبيق هذا النظام سينقل الطالب وأهله من الرغبة في التخصص فيما يدعى بكليات القمة إلى الرغبة في دراسة التخصص الذي حقًّا يريد أن يدرسه، ولن يكون هناك أي عائق في دراسة تخصصه، عليه مجرد القبول في أي جامعة توفر هذا التخصص.

 

أي أن التفكير سينتقل من الرغبة في كلية قمة إلى الرغبة في جامعة قمة توفر تخصصه. وبالتالي سيقل الضغط النفسي على الطالب، فبدلًا من القلق من عدم دراسة التخصص المرغوب فيه وتغير مجرى حياته تمامًا بسبب مجموعه، سيضمن أنه سيدرس تخصصه، ولكن سيقلق فقط بشأن أي جامعة سيلتحق بها.

 

كي يكون النظام عادلًا أيضًا عليه أن يتخذ شخصية الطالب عاملًا أساسيًّا في القبول للجامعة. إننا بشر وبالطبع أكثر من درجات امتحان، في الولايات المتحدة الأمريكية – التي تملك أفضل جامعات العالم وفقًا للتصانيف العالمية- يطلبون من الطلاب مقالات عن شخصيتهم والأنشطة التي يقومون بها وأحيانًا مقابلات شخصية، ويستخدمونها عاملًا أساسيًّا في القبول أو الرفض بجانب درجات الطلاب، بل يسمحون للطلاب أن يذكروا أسبابًا أدت إلى درجاتهم إن كانت سيئة عن المتوقع.

يعاملون الطالب على أنه إنسان ويحاولون قدر المستطاع أن يتعرفوا عليه لكي يحددوا هل هو جدير بكرسي في جامعتهم أم لا.

 

مثل هذا النظام يجعل الطالب يتعرف على شخصيته جيدًا، ويؤهله مستقبليًّا للوظائف التي تطلب التعرف على الشخصية. بالطبع إن طبقت ستنقل مستوى التعليم والطالب ودقة تقسيم الطلبة مئات الدرجات لأعلى.

 

بعد أن اتضح لنا أن النظام الثانوي الحالي عملية غير دقيقة وغير منصفة بالمرة، هل يصح وهل تستحق أن نبني عليها مستقبلنا؟

إطلاقًا. نصيحتي لكل طالب لم يمر بالثانوية العامة بعد هي أن يحاول جديًّا في إيجاد فرصة لقضاء الفترة الجامعية بالخارج في نظام منصف، وهو ما حاولت فعله فعليًّا قبل دخولي للثانوية. أما إذا كنت مضطرًا أن تحصل على الثانوية، وتلتحق بجامعة مصرية عبر التنسيق، أو فشلت في محاولاتك للسفر بالخارج كما حدث معي، فتذكر أنه يمكنك دائمًا أن تغير من مسار مستقبلك. كما أقول دائمًا الثانوية فرصة وليست سرطانًا يقضي عليك. أي إن لم تنجح مع الثانوية في الحصول على ما تريد، حاول أن تصل إليه بطرق أخرى ما دمت موجودًا على الأرض وتتنفس.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك