وهمٌ يسرقُ الرّوح

24 أبريل , 2013

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”669″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”282″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”425″}}]]

لم يكن مُولعًا بمقتنياتِ الآخرين، وأشيائهم باهضة الثمن. كان مطّلعًا على كل التقنياتِ الحديثة ويجيد استخدامها جيدًا لكنّه لم يكن مولعًا بها وحسب، لم يكن يظنّها سببًا للبهجة، أو لإمتيازٍ ما. لم تكن تدهشه الشاشاتُ المسطّحة الخاليةُ من أي ملامح أو معنى، كانت حواسّهُ حيّةً أكثر من الآخرين لكنّ تلك الكائنات المفرغة من كل شيء لم تثر لديه أيّ اهتمام وكم كان يدهشه ولعُ الناس بتجميعها، بتكديسها وكأنّهم يملئون مساحات أرواحهم الخالية، كروحهِ التي خلت منهم حين استبدلوا الإنسان بالآلة.

اضطر مثل غيره أن يتعامل معها. أن يتخذها سبيلًا للآخرين الذين يحبّهم ليمدّ سبلًا من روحه إليهم ليتحسسّ أرواحهم كما كان يفعل، عبر كلماتهم، أصواتهم، ورسائلهم الّتي تأتي متأخرةً عليه وهو الذي لا يكفّ عن الإنتظار على مقعده، حتى التوى ظهرهُ لأنّه لم يُجد الجلوس يومًا على ناصيةِ الإنتظار ولأنّه الذي لا يملّ ولو لم يجد انتظار من يحبّ أملًا في أن يُقبلوا.

أصبحت كلّ تلك الآلات جزءً من حياتهِ. لأنّ المكان والزمان يفصلانه عن كلّ من أحبّ، أولئك الذين تعرفّ عليهم في مقاعد الدراسة، وآخرين ألقت بهم الحياة في طريقه، وبقيّةٍ عرفهم من خلال تلك الآلات اجتمعوا على ما يحبّون. كان تواصلهُ معهم عبرها طريقةً لإثبات انتصارهِ على زيف المكان والزمان حينما يتعلّق الأمر بالمحبّة والأصدقاء. لا طُرق مفرّقة نحو القلوب سوى الإرادة، وحدها تُحول دون ذلك وحينها تغربُ كل الحكايات وينطفئ الحبّ ولو حملهُ قلبٌ واحد.

 

 

وأفضتُ الحياة لفصل آخر حيثُ تتفرّق الطرق، ويبقى القلبُ واحدًا. كان على الذين سكنوا جُنب روحه أن يمضوا إلى طرقٍ اختارتها لهم الحياة أو آخرين اختاروها بأنفسهم، وكان عليه أن يفطن لحقيقةِ أنّ المسافة وهم، هي وهم للقلبّ على الأقل، فمن ذا الذي يقدر على ادّعاء حقيقة تفرّق القلوب وهي واحدة؟
كانت تلك الشبكات الإلكترونيّة عابرةً للمسافاتِ بينهم، كانت الكلمات صلتهم، أو الأصوات أحيانًا. وبقي الصمت وصلًا ممتلئًا بهم، قائلًا مالم تقله كلماتهم.
كانوا يقتربون تارةً ويبتعدون أخرى، لكنّه ضلّ فطنًا لأرواحهم، ضلّ يرقبها كما لو كانت مرئيّة أمام عينيّه. كان بصره حادًا كأذنيه، يتحسس الكلمات كما لو أنّها أوتار القلبِ تُصدر ما يُلمّ بالقلب ويعتريه من صنوف هذه الحياة الشتّى في آثارها عليه.
يلتفتُ بشدّة لكل سطر، كل كلمةٍ ولفظٍ ومعنّى، حدّ أنّه كان يفطن لمعاني النقاطِ المتكررةِ والإختصار الذي يختالُ الحديث فجأة.
يندهشون منه وكأنّه يكون معهم حين يكتبون ويحدس نواياهم ومافي قلوبهم. لكنّ أحدًا لم يقرأه، رغم أنّه كان يكتبُ احتياجه وأحزانه، حتى أصبحت ثقيلةً عليه فلم يعد يكتب لنفسه، بات يرقبهم وحسب ويكون لهم، دون أن يكون لنفسه. أصبح متماهيًا معهم وكأنّه معهم، لكنهم لم يكونوا معه. كان يعيش على حافّة أفراحه وأحزانه مرتقبًا إياهم ليشاركوه، لكنّها عاش حياتهم كلّها عبر الكلمات. كان قادرًا على أن يقول كل مافي القلب، دون أن يعجزُه لفظ، وكأنّه يكشف جوف الكلمات ليملئها بروحهِ هو وقلبهِ هو وعقلهِ هو، ودون أن يقرأوا اسمه كان يتحسسون روحه في كلماته، كان باديًا رغم غياب جسده. كانت الكلمات حضوره هو، وغيابهم عنه.

كان يحضرُ أكثر ويغيبون، رغم وجودهم يغيبون. كألّا تشعر بالكلمات، ويفتقد الإشتياقُ وهجه، ولا يكون الحضور بعد كل غياب إلا غيابًا مضاعفًا. كأنّ يمرّون جميعًا على مشاعرك البائتة، واحتياجك القديم، ك"معجبين" كما لو أنّهم يعتذرون ضمنيًا على أنّهم لا يشهدون حياتك معك، لكنهم يمرّون. كان موجعًا أنّهم يمرون كما الجميع. حسبهم العبور، وباب الشعور متفتّح لوجعٍ ماثل أمام عينيك متشكّل بصورهم في جُدر قلبك الذي أمسى فارغا.

يتجاوز رغم كل شيء، لأجل ضعفٍ مفاجئ يتبدّى من أحرفهم. يتهافت على كلّ الصناديق ليرسل قلقه، ليرسل وجوده الحتميّ أكثر من حضورهم القلق.
حتّى أصبح ضعفهم جماعيًا. اضطّر أن يتخلّى عن ضعفه، أن يخلّعه من كل خليّة في جسده ويمزّعه لأشلاء ويرميه خلف حاضره ودون ذاكرته ووعيه. كانت الذاكرة والوعي لأجلهم وحسب.
يمضي الليل وهو ينتظر، ولا يأتون رغم مواعيدهم المسبقة. ثمّ يجيئون ويطمئنوه أنّ أوجاعهم كانت مؤقتة، وأنّ قلقه جميلٌ لن ينسوه. لكنّهم نسوه حتّى أصبح الأمر جليًا لقلبه.

لكنّ نفسه كأي نفس يزاورها الذبول، تأنفُ القرب وتزهدُ فيه حين تُثقلها الحياة وتضيّعها الطُرق. حين تنطفئ أحلامها والرّوح الحاملة لها. فتدخل في وحدةٍ يصغر فيها كل شيء عدا الحزنُ لأنّ لا أحد ينتبه ويقترب. ولأنّ الحبّ ذاته ثقيل فكيف حين يحملهُ طرفٌ واحد فيما طرفه الآخر متفلتٌ تذروهُ الرياح وتصانيف القدر.
غرق مع ذاته بعيدًا عن الآخرين، رغم أنّ الشاشة المسطحة المضيئة وحدها ماكانت تحدّ بينه وبينهم، كان يقرأ كلماتهم الّتي لم توجّه إليه، وشوقهم لآخرين وحياتهم الّتي تمضي حتّى لو توقفت حياته وذبلت. حتى لو انطفأت عيناه، كانت الحياة رغم كل ذلك تقول له أنها لن تعدم الوجود دونه.
كان الوضعُ مثاليًا ليختار قصدًا أن يزهد في الآخرين. أن يستبدلهم بكلّ تلك الشبكات الإفتراضيّة، بالأجهزة المسطّحة، والعوالم الّتي لا شيء فيها كان يشعره من قبل بالحياة.

كاتبَ آخرين عبر تلك العوالم الإفتراضيّة الملّونة من لم يعرفهم من قبل، من لم يعرف عنهم سوى أسمائهم الأولى وشذراتٍ يجمعونَ فيها عبر كلمات ما عرفوه عن أرواحهم طول إقامتهم في هذه الحياة. شاركهم وحدته وأوجاعه، وحمل أوجاعهم رغم أنّه لم يعرفهم. أحبّ نبلهم حدّ أنه تخيّلهم مجتمعين وكأنّهم تلك المدينة المثاليةُ، حلمُ الإنسان القديم يتحققّ أمام ناظريه من وراء شاشة.

عاش معهم حدّ أن يقتطع نصف حياته لأجلهم، أن يقضي نصف نهاره وآخر ليله معهم. ويتشاركون أكثر التفاصيل سذاجةً ويفرطون في الكلام حدّ أن تفرغ رؤوسهم من أيّ حديث لمن يقيمون بقربهم، على الأرض وعلى الطريق. كانت أيديهم تتكلم فيمَا وجوههم واجمة وصمتهم محدق، خرسَ كل مافيهم إلّا تلك اليدُ التّي تضربُ على المفاتيح الّتي أصبحت صديقة فيما بعد، شريكةً للهمّ و الهوس!

عصبيٌ جدًا هو حين يتعلّق الأمر بمقاطعة حديثهِ مع صديقه الإفتراضي، بإجابته لنداءهم لأجل وجبة الطعام أو الخروج لجلب حاجةٍ منزليّة أو استقطاع وقتٍ للعمل. كان حديثه معهم مستمرًا حدّ أن تتوقف الحياة ويبقى الكلام ممتدًا وكأنّه لا ينتهي، وكأننا لا نملّ مشاركة ما نحبّ قوله ولو كان الحبّ يربطنا.  يكتب بكثافة، يعبرّ بكثافة حتّى يخسر عمق الشعور بإفراط التصريح، يتشاركُ كل شيء حدّ ألا يبقى شيءٌ لأجلهِ، يعرفُ الآخرين بشدّة حدّ أن يجهل ذاته. هكذا كان يقيم ذاتُه على الحافّة فيما هو ملتصقٌ بالآخرين.

بحث عن أولئك الذين يشبهونهُ، عن الذين يملكون بعضًا مما يثيرُ اهتمامهُ، عمّن يملكون القدرة على إخراجه عن صمته المُطبق. حتّى في متابعته لمن كان يناقضه كان يتوجسّ خيفةً وينفرُ إلا قليلًا ليؤكد لنفسه أنّه قادرٌ على قبول الآخرين.

يرتبّ حديثه ويحاولُ اختزاله كيفما يتماشى مع سياسةِ الشبكة أو سياسةِ الآخرين الذين لا يُطيقون طول القراءة، الذيّن يريدون تفصيل الآخرين على مقاسات رغباتهم. عن تداول حياة الآخرين وكأنّها حياتنا ورغباتنا الدفينة في تبادل الحياة، عن القدر الذي يفوتنا لأننا لا نلتفتُ لتفاصيلهِ الّتي تمنحنا وسعنا الخاصّ الذي مُنح لنا لنكون فيه شيئًا. والّذين يعيدون نشر حياة الآخرين وكأنّها حياتهم، يتقمصوّنها كما لو خُلقت لهم فيصنعون هيئة الآلة فيهم، يتفاعلون مع الآخر ويهمشّون ذواتهم. وكأنّ كل منّا مقابل ذاتٍ آليّة تُفصّل ذوقها ورأيها وفق ما يتماشى مع ما يسود، وفق ما تريدهُ أنت.

يذوبون داخل بعضهم. ورغم المحيط المتسّع ورغم القول الذي لا يحدّه أحد ولا يُوقفه لا يكونُ أيٌ منهم ذاته، بل ما يُعجب الآخرين في أن يكونه. يغيّرون كلّ ما ظنّوه راسخًا فيهم حالما يتعارضُ مع ما تُريده الآلة المقابلة. حتّى حديثه هو لم يعد بذات المعنى والشعور، أصبح مسطحًا مختزلًا كي يكون مشاعًا لأكبر عددٍ من الأعين المحدقة دون إبصار حقيقيّ لما دون الكلمات.

أصبحت عوالمًا يُنفسّ فيها الجميع عن غضبهم، سخطهم على الحياة، وأحزانهم المُشرعةِ. وصُراخ الكلمات يعلو، ولا أحد يُنصت. كما كان يحدث، لكنّه الآن بصورةٍ أكثر وضوحًا وفجاجةً، فجاجةً تصلُ حدّ أن تريه ذاتُه بكل نقائصها الحادّة السوء.

تقطعه عن تلك العوالم تصاريفُ الحياة. ينقمُ على كل شيء وتتضخمّ نواقص الحياة في عينيه، في الآخرين حوله الذين لا يشبهون من يعرفهم في تلك العوالم. في قصرِ الحياة والملل والأحاديث الّتي لا تغريه. في اليوم الذي تطولُ ساعاته ويأبى الإنتهاء، وفي أشياءه الّتي لا يملك الإرادة الكافية لممارستها، وفي حديثه الذي يتقزمّ وحياتهِ الّتي تضيق وحضوره الغارق في الغياب.

تبعثرَ كل مافيه، لم يعد متأكدًا من وجوده، من أنّه يعرفُ ذاته وهل يعيش الحياة من الأساس لأجل الآخرين دون نفسه؟ لماذا كان عليه أن يفقد لذّة الحياة حينما فقد المشاركة؟ وكأنّه لا يستطيع الإكتفاء بذاته بما يُقيم له حياتُه ويتركُ له مساحتّهُ الخاصة ليعيشها.

كانت كل تلك الأسئلة تقلقهُ، تُقلق هشاشة حياته القائمة على وجود مالا ضمان على بقاءهم للأبد. وكم كانت الأبديّة هوسه الخفيّ الذي يخفي في باطنه خشيته من خسارة الآخرين.

قررّ أن يهجر كل شيء ويأوي لنفسه، أوى بعيدًا عن كلّ تلك الشبكات التي سرقت حضوره منه، فأصبح يكتب لأجل الآخرين، ويعيش لأجل أن يتفاعل معه الآخرين، ويلتقط مشاهد حياته لأجل أن يحكي عنها الآخرين. اكتفى من أن يكون جوفًا فارغًا يرتقب السمع الذي سيلاقيه، اكتفى من أن يكون حيًّا لأجل الآخرين، ومن نصف الحياة التي كان يعيشها أملًا في نصفها الآخر الذي سيجده عند أحدهم.

أوى بعيدًا واغترب عن الآخرين ليتوطنّ ذاتهُ، علّه يجد حياةً كاملةً الشعور ولو نقص كمالها. كي يعيش اللحظة بكلّ شعوره حتّى يتحسسه وهو غامرٌ فيه دون أن يقلق لآتٍ سيكون فيه أقلّ حظًا أو لأجل ماضٍ آمن أنّه لم يكن مثاليًا علّه يجدُ بعضًا من نفسهِ القديمةِ المُحبّة.

كل تلك العوالم الإفتراضيّة لم تكن إلا بعدًا كان موجودًا في الأرض لم يفطن إليه من قبل، كل ذلك العمى والخرس كان موجودًا، كل ذلك الجمال كان كامنًا. كل القبح، وكلّ ما يمكن عمله وكلّ الكلام بلا عمل. لكنّه لم يره. كان علينا أن ندرك أماكننا فيها لنكون على وصل متين نحفظُ فيها أنفسنا حيّة رغم كل شيء دون أن نفرطَ الوصل أو الإنعزال. وكان عليه أن يجد ذاته ليجد العالم ويراه كما هو.

جامعة القاهرة – كلية آداب، تخصص علم اجتماع

 

internet-addiction.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

سلوى ادم منذ 5 سنوات

رائعة حقا فقد ابحرت بنا الاخت رحاب بكلماتها فى بحور الذات وشخصت تناقضاتنا” أنّه يعرفُ ذاته وهل يعيش الحياة من الأساس لأجل الآخرين دون نفسه”ورست بنا عند نقطة اللاوصل واللاانعزال وتلك هى الحياة فلا واقع دامغ ولا افتراض حتمى

بشرى عمر منذ 5 سنوات

حديث فاتن ممتلئ بقفزات الإلهام التي تنقل الانسان من حياة إلى حياة ليتعلّم و يفطن لما تقوله رحلات الحياة و المراحل التي يمر بها، ليدرك كل مرة البعد الذي لم يكن يراه من قبل. 🙂

أضف تعليقك